الفصل الأربعون
**تنهّد سليم بقوة، ثم تقدّم منه بعدما أبعد يد ريليان عنه، وخاطبه بحزم:
- وإن أخبرتك أن تتركها لأنني سأصبح نصرانيًا؟
حدّق فيه جرير بعدم تصديق، بينما وضعت ريليان يدها على فمها بقوة، تكتم شهقةً خرجت رغمًا عنها، ثم قالت بفزع:
- لا يا سليم... لا تفعل ذلك، ستصبح مرتدًا، ولن يغفر الله لك.
نظر إليها بابتسامةٍ هادئة، ثم أعاد بصره إلى جرير قائلًا:
- ماذا قلت؟ هل أنت موافق؟
ظلّ جرير يحدّق به لعدة ثوانٍ، يفكر مليًا، قبل أن يخرج صوته منتصرًا:
- إنني موافق... لكنني أريدك أن تؤمن بأن المسيح هو الله، وأن تصلي الآن هذه الصلاة قائلًا:
«أيها الرب الإله، أعترف لك بأنني أخطأت إليك في كلامي وأفعالي وأفكاري، وتعدّيت على وصاياك. إنني أؤمن بأن الرب يسوع المسيح مات من أجلي ليدفع عقاب ذنوبي، وأنا أضع ثقتي في تضحيته لخلاصي. من فضلك، تعال وغيّر لي حياتي بقوة روحك القدوس، واقبلني ابنًا لك من الآن وإلى الأبد.»
نظر إليه سليم وهو يأخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى ريليان، التي كانت تضع يدها على فمها، ودموعها تتسابق فوق وجنتيها في انهيارٍ صامت، قبل أن يعيد نظره إلى جرير ويقول:
- حسنًا... أنا موافق، لكن عليك أن تعتقها.
وما إن أومأ له جرير برأسه موافقًا، حتى أكمل سليم بصوتٍ ثابت:
- أنا أؤمن بأن يسوع المسيح هو الــ...
وفجأة، أطلقت ريليان صرخةً مدوّية، فاعتدلت في نومها بعنف، وعيناها تجولان في أنحاء الغرفة بجنون، تبحثان عن سليم.
لكن... لم يكن هناك أحد، وضعت يدها فوق قلبها، تحاول عبثًا تهدئة نبضاته التي كانت تضرب صدرها بعنف، ثم زفرت زفرةً طويلة مرتجفة، وأغمضت عينيها بقوة بعدما أيقنت أنه لم يكن سوى كابوسٍ لعين.
رفعت يدها إلى عنقها وهي تشعر بألمٍ حاد، لتنفجر في بكاءٍ صامت، ثم رفعت رأسها تتأمل الغرفة التي تحتجزها.
اتسعت عيناها. إنها تلك الغرفة... الغرفة نفسها التي حُبست فيها وهي طفلة.
اعتدلت واقفةً بسرعة، واتجهت نحو الباب، فتحته بعجلة، لكنها وجدته موصدًا.
ضربته بغضبٍ وهي تمسح دموعها، ثم صرخت بحرقةٍ مزقت سكون المنزل:
- افتحوا الباب!
ظلت تضرب الباب بكل ما أوتيت من قوة، وقد عادت إليها الذكرى دفعةً واحدة.
أجل..إنها الغرفة نفسها التي سُجنت فيها يومًا وهي في السابعة من عمرها، لكنها، وحتى هذه اللحظة، لم تكن تعلم سبب ما حدث لها آنذاك.
استسلمت أخيرًا بعدما أيقنت أن لا أحد سيجيبها، فعادت بخطواتٍ مثقلة إلى السرير، وجلست عليه تفكر في أي وسيلةٍ قد تنقذها من هذا المكان.
ثم رفعت يدها إلى العقد الذي يعانق عنقها، وأمسكته بين كفيها بقوة، وأخذت تقرأ آية الكرسي بيقينٍ عظيم، وقلبها معلقٌ بالله وحده، ترجوه أن يفرّج عنها ويعينها.
««::::::::::::::::::::::::::»»
في الأسفل وقبل ذلك كان الجميع يعيش حالةً من الغضب والاختناق، لم يغمض جفنٌ لأحدٍ منهم طوال الليل، باستثناء التوأم الصغير، فقد غلبهما النوم، وهما لا يعيان شيئًا مما يدور حولهما.
نظرت جوليا إلى ستيف وسألته باستفهام:
- هل ما زال والدك مستيقظًا يا ستيف؟
رفع وجهه من بين كفيه، وكانت ملامحه شاحبة مكفهرة، ثم أجاب باقتضاب:
- أجل... ما زال مستيقظًا. أنتِ لم تعودي ترينه كما كان... إنه ليس أبي أبدًا، بل وحشٌ كاسر يا أمي.
تنهدت جوليا بألم، ثم نظرت إلى رلين، التي كانت تحدق أمامها بشرودٍ عميق، والغضب واضحٌ فوق ملامحها.
فمنذ الأمس بل منذ أن غادر الطبيب الذي أحضره أمبر لفحص ريليان... لم ينبس أحدٌ بكلمة، كان الطبيب قد أخبرهم أن ما حدث يُعد شروعًا في القتل، لكنه، لما يعرفه عن جرير ومكانته، آثر الصمت ولم يبلّغ أحدًا.
وفي تلك اللحظة...شقّت صرخات ريليان أرجاء المنزل، وهي تصرخ مطالبةً بفتح الباب، وما إن سمعها جرير حتى اندفع من مكتبه كالإعصار، وعيناه تقدحان شررًا، وملامحه لا تبشر بأي خير.
أسرعت جوليا وستيف نحوه، وأمسكا به قبل أن يصعد إليها، فزمجر جرير بغضبٍ مستعر:
- اتركوني... دعوني أتخلص منها! ابتعدا عني!
نظر إليه ستيف بهدوءٍ ممزوجٍ بالحزن وقال:
- أبي... أرجوك اهدأ. أما زلت لم تهدأ حتى الآن؟ منذ الأمس وأنت حبيس المكتب.
ضغط جرير على أسنانه حتى كادت تتحطم من شدة الغضب، فمنذ أن حمل أمبر ريليان واتصل بالطبيب دخل مكتبه، ولم يخرج منه حتى الآن، بل ولم يهتم حتى بما أخبره به ستيف بعد تقرير الطبيب.
وقفت رلين بجوار مايا، التي كانت لا تزال نائمة، وقالت بهدوء:
- اتركوها وشأنها... لا أحد يذهب إليها.
نظرت إليها جوليا، فرأت الدموع تتلألأ داخل عينيها، فالتفتت إليها رلين وسألت بصوتٍ خافت:
- أخبريني يا أمي... كيف علمتِ بأمر صديقتها؟
نظرت جوليا إليها، ثم حولت بصرها إلى جرير بحذر، قبل أن تقول بتردد:
- لقد رأيتها معها أكثر من مرة.
جلست رلين على الأريكة، تريد سماع كل ما غاب عنها وجلس جرير هو الآخر، يريد أن يعرف كيف بدأت القصة.
أخذت جوليا نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوتٍ مثقلٍ بالندم:
- بدأت أشك في أمرها بسبب كثرة خروجها إلى تلك الصديقة. مع أن أليس صديقتكم المقربة، إلا أنها لم تكن تذهب إليها. حتى مديرة المدرسة أخبرتني أنها تلتقي بفتاةٍ من تلك الطائفة.
تنهدت، ثم تابعت:
- تبعتها ذات مرة، فرأيتها تدخل إلى أماكن عبادتهم، وتضع وشاحًا على رأسها لتخفي شعرها. رأيتها أكثر من مرة، بعد أن واصلت مراقبتها. وأنتِ بنفسك شهدتِ ثورات غضبها كلما ذُكرت تلك الطائفة في المنزل. ثم إنها استبدلت عقدها الصليبي بعقدٍ آخر يحمل آياتٍ تخصهم.
وأكملت بأسى:
- وفي الأسبوع الماضي رأيتها تشاهد مقاطع تتحدث عن صلاتهم وقرآنهم... ورأيتها تقلد ما تشاهده في الخفاء.
قاطعها ستيف باستهجان:
- ولماذا لم تمنعيها يا أمي؟ لماذا لم تخبري أبي؟
زفرت جوليا ببطء وقالت:
- ظننته مجرد فضول... لكن يبدو أنه كان رغبةً حقيقية، لا يمكن الفرار منها أو تغييرها.
وبعد صمتٍ ثقيل قال جرير بغضب:
- إنها تكرر خطأ الماضي مرةً أخرى.
رمقته جوليا بعتابٍ واضح وقالت:
- جرير... لولا معاملتك القاسية لما وصلت إلى هذه الحال. نعم، لقد أخطأت وهي صغيرة، لكنها لم تكن تملك الوعي الذي تملكه الآن. كانت طفلةً في السابعة فقط.
نظرت إليهما رلين باستغراب وسألت:
- ماذا تقصدين يا أمي؟
أجابتها جوليا بهدوء:
- كنا في رحلةٍ للاستجمام، أنا ووالدك وستيف وأنتِ وريليان. وحين أردنا العودة اكتشفنا أن ريليان اختفت.
ابتلعت ريقها، ثم أكملت:
- بحثنا عنها في كل مكان... حتى وجدها والدك تقف أمام مكان عبادتهم، وتردد خلف الرجل الذي كان يرفع الأذان.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تتابع:
- ثار والدك بجنون... وحبسها في الغرفة نفسها التي توجد فيها الآن. ومنذ ذلك اليوم... تغيرت معاملته لها تمامًا، وأصبح شديدًا وقاسيًا معها.
عقدت رلين حاجبيها وقالت بحيرة:
- لا أذكر ذلك.
أجابها جرير بضيق:
- لأنني أرسلتك إلى جدتك طوال تلك الأيام، خشية أن تخبرك بما سمعته فتفسد أفكارك.
تنهدت رلين، وقد اختلط الحزن على شقيقتها التوأم بالغضب من تصرفاتها، ثم التفت ستيف إلى والدته وسأل:
- أمي... هل تعلمين أين تسكن صديقتها؟
أومأت برأسها وقالت:
- نعم... لكن لا شأن لنا بصديقتها يا ستيف. ريليان وحدها هي ما يعنينا.
أغمض جرير عينيه، وما زال عاجزًا عن استيعاب ما رآه بالأمس، وما إن همّ بالدخول إلى مكتبه؛ حتى أوقفته رلين وهي تقول:
- أبي... يمكننا أن نجعلها تعود إلى ديننا، أليس كذلك؟
نظر إليها لعدة ثوانٍ دون أن ينطق بحرف، ثم استدار بصمت، ودخل إلى مكتبه.
««:::::::::::::::::::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!