صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 93 من 150
وضع القراءة:

الفصل الثالث والتسعون

**
نهض سليم وهو يحمل ريليان بين يديه بعدما تأكد من غرقها في النوم، وضعها برفق على الأريكة الموجودة في الداخل حتى يتمكن من إغلاق ثيابها جيدًا وإخفاء جسدها المرتجف، بينما كان يضغط على أسنانه بقوة حتى برز فكُّه من شدة الغضب، وكأنه على وشك تحطيمها.
لفَّ الحجاب حول رأسها بعناية، مخفيًا خصلات شعرها البنية مرةً أخرى بفعل وقفته، ثم أعاد حملها بين ذراعيه، ضامًّا إياها إلى صدره بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من العالم بأسره.
اتجه نحو الباب وقبل أن يخطو خطوةً أخرى، لفتت انتباهه حقيبتها البيضاء الموضوعة على الطاولة، فعاد إليها والتقطها بأصابع مرتجفة، ثم أغمض عينيه لثوانٍ محاولًا كبح العاصفة التي كانت تعصف بداخله قبل أن يفقد السيطرة على نفسه.
خرج من باب البناية متجهًا نحو سيارته الواقفة على الضفة الأخرى من الطريق، وما إن وصل إليها حتى فتح الباب الخلفي، واضعًا ريليان برفق شديد على المقعد وكانه قطعة زجاج ستنكسر، ثم عدّل وضعيتها بحذر، سحب حزام الأمان حولها، وأغلق الباب ببطء بعدما اطمأن أنها أصبحت في مأمن.
وحين استدار ليصعد إلى مقعد القيادة، وقعت عيناه على ديفيد وهو يتحدث مع أمبر، الذي كان يجلس أرضًا ممسكًا بزجاجة ماء، ووجهه ملطخ بالدماء، أغمض سليم عينيه بقوة، وزفر زفرةً حارقة، محاولًا إخماد الوحش الذي استيقظ في أعماقه، إلا أن ذلك الصوت المقيت اخترق أذنيه، فأوقفه في مكانه.
رفع أمبر رأسه بصعوبة ما إن رأى سليم يرحل، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة، متحدثًا بصعوبةٍ وانفاسٍ واهنة مجبرًا نفسه على إخراج صوته:
- أتعلم كم كانت جميلة يا هذا؟ لقد كانت رائعة وهي بين يدي.
اتسعت عينا سليم، واشتدت قبضتاه حتى ابيضت مفاصله، بينما حاول ديفيد إسكات أمبر واضعًا يده على فمه، لكن الأخير أبعدها بعناد، وأكمل حديثه السام:
- في البداية قاومت، لكن بعد ذلك كان الأمر برضــــ...
لم يُكمل كلمته ففي لمح البصر، اندفع إليه سليم كإعصارٍ هائج، وهوى بقدمه بكل ما يختزن صدره من غضب على وجنته اليسرى، فتناثرت الدماء من فمه، ولم يمهله حتى يلتقط أنفاسه، فأتبَعها بركلةٍ ساحقة استقرت أسفل معدته، ثم أخرى أسفل الحزام، حتى انطوى جسده على نفسه من شدة الألم.
بدأت الرؤية تتلاشى أمام عينيه، بينما بدأ الظلام يبتلع بصره قبل أن يغيب عن الوعي للمرة الثانية، وقد بدا واضحًا أنه سيحتاج إلى وقتٍ طويل حتى يتسعيد عافيته.
كان سليم يتنفس بعنف، وصدره يعلو ويهبط كوحشٍ هائج وأنفاسه تخرج كزئيرٍ مكتوم، بينما كان مجرد تخيله لما حاول أمبر الإيحاء به كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من صبره، وصورة ريليان وهي بين يدي ذلك الحقير تمزق قلبه وتلتهم ما تبقى من تعقله.
نظر إلى ديفيد بعينين احمرَّتا من شدة الغضب، وخرج صوته أجش ومخيف مختلطًا بالوعيد والقهر  ارتجف له المكان:
- خذ هذا القذر من أمامي، وأقسم بمن أحل القسم، إن وقعت عيناي عليه مرةً أخرى، فلن يكفيني موته،  سأجعله يتمنى لو أن الموت سبقني إليه، وسأجعل المقابر تترحم عليه.
تقدم ديفيد نحو أمبر بتوتر، وانحنى محاولًا حمله، ثم أطلق زفرةً مثقلة، فقد كان قد نجح قبل قليل في إفاقته بصعوبة، وها هو يعود فاقدًا للوعي من جديد.
رفع بصره إلى سليم وقال بهدوء ظاهري:
- يمكنك الذهاب أستاذ سليم، سأتصل بالإسعاف ليأتوا ويأخذوه، فلن أستطيع مواجهة عائلته بما حدث، ثم إنه يحتاج إلى العلاج فعلًا، فما فعلته به جعل ملامح وجهه تكاد لا تُعرف.
أغمض سليم عينيه للحظة، ثم استدار عائدًا إلى سيارته، وألقى نظرةً أخيرة على ريليان النائمة في المقعد الخلفي، وكأنها وحدها القادرة على تهدئة النار المشتعلة في صدره.
صعد إلى السيارة، وانطلق بها دون أن يلتفت خلفه، ولم ينسَ أن يرسل رسالةً إلى ابتهال يخبرها بأنه في طريقه إليها.
      ««:::::::::::::-::::::::::::»»
استعدت سما للذهاب إلى والدتها، ثم توجهت نحو إبراهيم وهي تعدل سترتها الزرقاء، متحدثة بابتسامة هادئة:
- لقد انتهيتُ يا إبراهيم، هل أنت جاهز؟
نظر إليها إبراهيم بعينين يفيض منهما العشق، ثم أومأ برأسه بهدوء:
- أجل، إنني جاهز يا سمائي.
ابتسمت له برقة، فاعتدل في وقفته امامها، وأعاد خصلات شعرها خلف أذنها بحنان، ثم قال بنبرةٍ تحمل شيئًا من التنبيه والغيرة:
- لن نطيل المكوث هناك، أليس كذلك؟
أومأت له بهدوء، فأردف وهو يحدق في عينيها:
- ولن تقولي لي دعنا نبيت عندها، أليس كذلك؟
هزت رأسها نفيًا وهي تتنهد، فانحنى يقبّل جبينها بحب، ثم التفت إلى ريم التي كانت تتحدث مع كيان:
- ريم، سنغادر الآن وسنعود في المساء، حاولي أن يكون الطعام جاهزًا عندما نصل.
ابتسمت ريم بسخرية خفية لم تظهرها على وجهها، ثم خاطبت كيان تكتب لها عبر الهاتف:
- سوف يذهبان الآن، انتظريني قليلًا وسأعود.
اعتدلت من مكانها واتجهت نحو الخارج، لتجد إبراهيم يحمل حقيبة سما، بينما كانت الأخيرة ترتب خصلات شعرها بهدوء، استدارت سما نحوها، ثم احتضنتها بقوة هامسةً بالقرب من أذنها:
- اهتمي بنفسكِ يا ريم، وسامحيني على كل شيء.
طبعت ريم قبلةً على وجنتها، ثم قالت بتوجسٍ أخفته خلف ابتسامتها:
- اعتنيا بأنفسكما جيدًا.
أومأت سما، ثم اتجهت مع إبراهيم نحو الباب، خرج إبراهيم أولًا، بينما ألقت سما نظرةً على ساعة يدها، فوجدت الوقت التاسعة وعشرين دقيقة، فابتسمت بشجن:
- قبّلي لي عمر وعليّ، حسنًا؟
أجابتها ريم بابتسامة صافية، بينما تنظر الى عينيها تحاول سبر اغوارها، فلم ترتح لحديثها:
- اعتبريه قد حدث، هيا اذهبي وإلحقي بإبراهيم، ولا تعانديه، وقبّلي أمكِ من أجلي.
رسمت سما ابتسامة حنونة، ثم أسرعت تلحق بإبراهيم الذي سبقها إلى الخارج.
تنهدت ريم وهي تراقب الباب يُغلق خلفهما، ثم نظرت إلى المنزل الذي غمره الهدوء فجأة، وعادت إلى غرفتها، لترسل رسالةً إلى كيان تخبرها انهما ذهبا.
ولم تمضِ سوى دقائق حتى جاءها الرد:
- هل ذهبا حقًا؟
عاودت ريم الاتصال بها هاتفيًا وهي تُعد كوب قهوتها:
- أجل، لقد ذهبا.
تحمست كيان متحدثة بحماسٍ واضح:
- أووه... هل تعلمين ماذا أتخيل الآن؟ بل ماذا أتمنى؟
ابتسمت ريم وهي تنفي برأسها، فتابعت كيان بحماسٍ أكبر:
- أتمنى أن يرمي إبراهيم يمين الطلاق على سما، ثم يأتي إليكِ راكعًا ويقول بصوتٍ مفعم بالندم
"لقد اشتقتُ إليكِ يا ريمي، أعتذر عن كل ما بدر مني، وأعدكِ وعد رجال ألا أعود لعلاقاتي السابقة، لا أعلم ما الذي أصابني حين تزوجتها، ولا أين كان عقلي عندما ذهبت لغيركِ. سامحيني يا أجمل امرأة عرفتها، يا حبي الأول والأخير."
ما إن انتهت كيان حتى انفجرت ريم ضاحكة، حتى اضطرت إلى إبعاد الهاتف عن أذنها، ولم تستطع السيطرة على ضحكاتها إلا بعد دقائق.
وحين هدأت أخيرًا، اجابتها وهي تمسح دموع الضحك عن عينيها:
- يا كيان، أنتِ حقًا مشكلة! والله إن مجرد تخيلك للمشهد جعلني أنفجر ضاحكة، ثم هل تعتقدين فعلًا أن إبراهيم سيترك سما بهذه السهولة؟ لا يا عزيزتي، لقد أخطأتِ في خيالك.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.