صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 101 من 150
وضع القراءة:

الفصل المائة وواحد

**
ابتعدت عن أحضانه بعدما بللت قميصه بدموعها، ثم تساءلت بتعجبٍ وأنفٍ أحمر يشبه أرنبًا ثلجيًّا:
- هل الأنبياء أيضًا ابتلاهم الله ليختبرهم؟! أليسوا عباده المحببين والمقرّبين؟!
أومأ برأسه مؤكدًا حديثها، وهو ينظر إليها بلطف:
- أجل، صحيح، أتعلمين أن قصة صبر أيوب عليه السلام على البلاء جعلت منه قدوةً ومثالًا للصابرين؟ فقد زال ملكه، وفقد أبناءه، وعاش في المرض أعوامًا طويلة، ولم يبقَ معه سوى زوجته، وليس في ذلك غرابة يا ريليان، فالله يبتلي أحب عباده إليه؛ ليسمع أصواتهم وهم يناجونه ويطلبون رحمته.
بدت نبرة صوتها متعجبةً أكثر من كونها متسائلة:
- هل يعني هذا أنني فتاةٌ صالحة يا سليم؟ أي أن الله يحبني؟ هل سيغفر الله لي ما بدر مني من ضعف؟
أومأ لها بابتسامةٍ مطمئنة، لتنتقل ابتسامته إليها عندما أجابها:
- سيغفر الله لكِ بإذنه، ولكن لا تعودي إلى ذلك التفكير الأرعن مرةً أخرى، والآن هيا، تعالي لنتوضأ ونلجأ إليه.
وضعت يدها في يده الممدودة بعدما اعتدل واقفًا، لكنها شعرت بالدوار يلفها مرةً أخرى بسبب نهوضها السريع، فسارع إلى إمساكها، وسألها بقلق:
- ما بكِ يا ريليان؟ هل أنتِ بخير حقًا؟ إنكِ هكذا منذ عدة أيام على هذا الحـــ...
بتر جملته فجأة، وقد اتسعت عيناه بعدم تصديق، لتسأله بخوف:
- ما الأمر يا سليم؟ ما به حالي؟ لا تقل لي إنني مصابة بمرضٍ خطير.
عاودت البكاء، وسألته بضعفٍ بعدما قابلت صمته ونظراته المتسعة:
- سليم... تكلم، لا تُصبني بالقلق أكثر...
انحنى نحوها، يعانقها بسعادةٍ كبيرة تحت وطأة دهشتها، ثم همس لها بحب:
- يبدو أنني سأصبح أبًا عما قريب، وستكون والدته أجمل أم عرفتها.
ابتعدت عنه بعدم فهم، وسألته بشك:
- ماذا تقصد؟ هل سيصبح لك طفل؟!
ثم أكملت بصدمةٍ ودموعٍ تجمعت في مقلتيها:
- هل أنت متزوجٌ من أخرى يا سليم؟ إنـــ...
ضربها على رأسها بخفةٍ وهو يزفر بضيقٍ من تسرعها:
- أيتها الحمقاء، عن أي زوجةٍ تتحدثين؟ إنني أتحدث عنكِ أنتِ يا ريليان لا، انتظري... لا تقولي إن هذه هي هرمونات الحمل! بالله عليكِ، لا تبدئي بها الآن.
نظرت إلى ضيق ملامحه وتذمره الذي يشبه تذمر الأطفال، ثم اتجهت نحو المرحاض وهي تمسح دموعها، تاركةً إياه يتحدث مع نفسه ويبدو أنها لم تستوعب حديثه، أو ربما ظنت أنه يمازحها.
نظر سليم إليها بعدما أغلقت الباب، ثم ضحك بخفة ضاربًا يدًا بيد:
- يبدو أنها لم تفهم، تلك الحمقاء ... حسنًا، سأنتظرها حتى تخرج، فأنا لا أريد أن أستبق الأحداث قبل أن أتأكد.
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
جلست سارة بعدما أطلقت تنهيدةً طويلة مثقلة، ثم أمسكت هاتفها الذي كان يصدح قبل قليل، أغلقت كتابها بضجر، فقد كانت تحاول الدراسة لتُلهي نفسها عن موضوع ريليان وسليم، لكن ذلك لم يفلح.
أرسلت رسالةً إلى الطرف الآخر، لتتفاجأ بالرنين يعود مرةً أخرى، فأجابت بهدوءٍ تخفي خلفه توترها وخجلها:
- كيف حالك؟
ابتسم همام، ووضع يده على قلبه بهيامٍ مصطنع:
- لقد أصبحتُ بأفضل حالٍ عندما سمعت صوتكِ.
تساءلت بقلقٍ وهي تخاطبه ملقيةً الكتاب ارضًا:
- هل أنت مريض يا همام؟ هل بك شيء؟
ضحك بخفة، ثم أجابها وهو يلقي بنفسه على السرير:
- أجل، مريض... مريضٌ بحبكِ وعشقكِ يا سارة.
ضغطت على يدها بضيق، ثم زفرت بقوة:
- همام، لا تمزح كهذا المزاح مرةً أخرى، لقد أوقعت قلبي.
ابتسم ببلاهةٍ وهو يعتدل في جلسته:
- هل تخافين عليّ يا سارة؟!
تنهدت بهدوء، وأجابته بصوتٍ يملؤه الود:
- وما الذي يمنعني من ذلك يا همام؟ أنت زوجي، وأنا مسؤولةٌ عنك، كما أنك مسؤولٌ عني، فأين المانع في ذلك؟
زفر بثقلٍ، مجيبًا وهو يستعيد الأمر في ذاكرته ويشعر بالضيق الحقيقي:
- سليم... إنه هو المانع، لا أعلم ما هذه الشروط الصارمة التي وضعها! وكأنني لم أطلبكِ على سنة الله ورسوله يا سارة. أرجوكِ، تحدثي معه بشأن هذا الأمر، فأنا لن أستطيع الالتزام بها.
أجابته بتوترٍ وخجل:
- همام، أنت وعدتَ وعليك الالتزام بهذا الوعد. ثم إننا لم نلجأ إلى هذا الحل لولا والدتك.
رد عليها بضيقٍ كبير:
- لكن يا سارة، هذا ليس عدلًا! فليضع نفسه في مكاني. أجل، هو لا يشعر بذلك لأنه متزوج وزوجته بجانبه، أما أنا المسكين فأجلس أنعي حظي وأبكي على الأطلال، واضعًا يدي على وجنتي بحسرة، أفكر كيف أحمي نفسي من سحركِ ولعنتكِ.
كتمت ضحكتها بصعوبةٍ بالغة، ثم تساءلت محاولةً تغيير مجرى الحديث بعدما تذكرت سبب اتصاله:
- صحيح... ما الذي كنت تريده مني عندما هاتفتني؟ هل أمل بخير؟
أجابها بهدوءٍ وهو يغمض عينيه ليستجمع أفكاره:
- اشتقتُ إليكِ فهاتفتكِ، وكما تعلمين فالزيارة ممنوعة لدى الجنرال سليم حسب فرمانه الصارم.
لم تعد قادرةً على حبس ضحكتها أكثر من ذلك، فانفجرت ضاحكة، مما دفع همامًا للحديث بسرعة:
- سارة، أُقبّل يديكِ، اخفضي صوتكِ! هل أقول لكِ شيئًا؟ سأغلق الآن وأحادثكِ فيما بعد. اهتمي بنفسكِ، وأقيمي ليلكِ، وتصبحين من أهلي.
وقبل أن يغلق الخط، تذكر أمرًا آخر، فأخبرها به دون أن يترك لها مجالًا للرد:
- صحيح، أمل توصل سلامها وقبلاتها لكِ. سأذهب لأصلي قيام الليل، فاعتني بنفسكِ.
نظرت إلى الهاتف الذي أُغلق في وجهها، ثم زفرت بضيقٍ من أسلوبه. ما الذي قالته أو فعلته ليغلق معها بهذه الطريقة؟!
نظرت إلى الساعة التي تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، ثم اتجهت بنظرها نحو الباب بتفكير. هل أصبحت ريليان بخير الآن؟ وهل هدأ سليم؟!
نهضت متجهةً نحو الوضوء، لتصلي قيامها هي الأخرى.
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
أطالت في سجودها بعدما أدّت صلواتها الفائتة، تدعو الله بقلبٍ منكسر، تستغفره عمّا اقترفته من ضعفٍ وابتعادٍ وسخط. كانت تبكي، وصوت شهقاتها يعلو شيئًا فشيئًا، مما جعل قلب سليم يعتصر ألمًا عليها.
أغمضت عينيها، وهي تناجي الله بصدقٍ وتوسل، وما زالت دموعها تنهمر كسيلٍ جارٍ على وجنتيها:
- أُحبكَ يا ربي وإن كنتُ عاصية، وأدعوك يا من لا ترد دعاءً أن تغفر اللهم ذنبي كله، وأن تُحيي برحماتك فؤادي. اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
تعالت شهقاتها وهي تتابع بتوسلٍ ورجاءٍ يملؤهما الندم:
- أتوسل إليك يا الله أن تسامحني على هذا اليوم الذي مرّ عليَّ ولم أُصلِّ فيه لك، وعلى كل ما أخطأت فيه ولم أستغفرك عنه، وعلى كل شيءٍ فعلته وأغضبك. أنا آسفةٌ ونادمةٌ على ما أصبحت عليه.
ثم أردفت بصوتٍ متهدج:
- يا الله، أنت ترى ما بداخلي من شروخ قلبي وانطفاء روحي، فاجبر كسوري، وأضئ عتمتي، واجعل لي فيما أحب نصيبًا يا الله. اللهم خفف عني وعن زوجي ما مررنا به من ابتلاءٍ واختبار، فأنت أعلم بنا وبحالنا. ربي، رجوتك برحمتك أن تجبر قلوبنا، اللهم اهده واهدني، وأعطه حتى يرضى.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.