صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 126 من 150
وضع القراءة:

الفصل المئة وستة وعشرون

**
ابتعدت خديجة عن أحضان ابتهال لتخاطبها ببكاءٍ يمزق نياط القلب:
- أمي... أرجوكِ دعينا نذهب إليه، لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك.
حاولت ابتهال أن تتمسك بقوتها، لكنها انهارت وهي تجيبها ودموعها تأبى أن تتحجر:
- لقد أخبرنا ألّا نذهب إليه يا صغيرتي، لقد اتصل بمحاميه وسيصل إليه في الصباح... وأتمنى من الله أن يكون كل شيءٍ بخير.
ارتمت خديجة في أحضانها مرةً أخرى، تشهق بقوة حتى ارتجف جسدها بين ذراعي ابتهال، بينما راحت الأخرى تربت على ظهرها بحنانٍ موجوع، تدعو الله في سرها أن تمر محنة سليم على خير.
في تلك اللحظة، ارتفع رنين الهاتف، فهرولت ريليان نحوه تلتقطه بأنامل مرتجفة، وما إن رأت اسم سارة حتى ناولته لابتهال بصمتٍ مثقلٍ بالعجز.
وضعت ابتهال الهاتف على أذنها، ليصلها صوت سارة المفعم بالحماس، الممزوج بعتابٍ لطيف:
- إنني جاهزة... لقد تأخرتم خديجة؟
أغمضت ابتهال عينيها للحظة، ثم قالت بهدوءٍ حاولت أن تخفي خلفه انكسارها:
- لن يذهبا يا حبيبتي... لقد حدثت بعض الأمور التي منعتهم من ذلك.
اختفت ابتسامة سارة شيئًا فشيئًا، وسألت بقلقٍ ازداد مع كل نبضةٍ في قلبها:
- ماذا تقصدين؟ هل هم بخير؟ هل الجنين بخير؟ أجيبيني يا أمي.
تنهدت ابتهال ثم أجابتها بابتسامةٍ باهتة لم تصل إلى صوتها:
- أجل يا صغيرتي، كل شيءٍ بخير، لكن حدث لسليم بعض الأمور، لذلك لن يذهبا لا تقلقي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم سألت سارة بشكٍ لم تستطع إخفاءه:
- حسنًا... وأين خديجة؟
نظرت ابتهال إلى خديجة التي لم تتوقف دموعها لحظة، ثم اجابتها:
- إنها أمامي يا حبيبتي، لكنها حزينة قليلًا بسبب انشغال سليم.
وسارعت بتغيير الحديث قبل أن ينكشف كل شيء:
- اهتمي بنفسكِ يا سارة، ولا ترهقي نفسكِ، قبّلي أمل، وأوصلي سلامي لهمام، في أمان الله يا صغيرتي.
أغلقت المكالمة، لتنظر سارة إلى شاشة الهاتف بحيرة، قبل أن يقترب منها همام متعجبًا من ملامحها الشاحبة:
- ما الأمر؟
زفرت بضيق، ثم اجابته بعتبٍ لم تستطع كتمانه:
- هل ارتحت الآن؟ لن يذهبا... كل هذا بسببك يا همام.
ابتسم ابتسامةً خافتة سرعان ما أخفاها، واقترب يساعدها في خلع حجابها بحنان:
- أعدكِ يا سارة عندما تحملين طفلنا، سأصطحبكِ إلى كل مكانٍ تريدينه لتشتري منه، وسأحقق لكِ كل ما تتمنينه في ذلك.
لكن كلماتِه لم تُطفئ ذلك الاختناق الذي يعتصر قلبها، فألقت بنفسها بين ذراعيه، لم تعلم لِمَ شعرت برغبةٍ عارمة في البكاء، أهو فقدان جنينيها، أم ذلك الشعور الغامض الذي يراودها بعدم الاطمئنان؟
همست بصوتٍ مرتجف ومتألم:
- أشعر بالاختناق همام
احتضنها همام، وربّت على ظهرها هامسًا بهدوء:
- أخرجي ما في صدركِ من ضيق يا سارة، أعلم أنكِ حزينة لفقدان جنينينا، لكن تلك كانت إرادة الله، وهذه هي الحياة التـ....
قاطعته بنفي تهمس بألم:
- لا أعلم لماذا، لكن قلبي يخبرني أن شيئًا سيئًا سيحدث... أرجوك، أريد أن أذهب إلى أمي، لا أشعر بالاطمئنان أبدًا.
أغمض عينيه بألم، ثم خاطبها وهو يجاهد ثباته:
- أعدكِ أن أصطحبكِ غدًا... أما الليلة، فأريدكِ أن ترتاحي، أرجوكِ لا تعانديني.
مسحت دموعها بظاهر كفها، بينما ضغط همام على رأسه شاتمًا نفسه بصوتٍ خافت، مما جعلها تلتفت إليه بقلق:
- هل عاد إليك الصداع مرةً أخرى؟
احتضنها بقوة، وأغمض عينيه يستمد من قربها بعض السكينة، ثم همس:
- أنتِ علاجي يا سارة... لا تتركيني، حتى إن طلبتُ منكِ ذلك.
ارتجف قلبها من نبرة صوته، كادت ان تبتعد عنه لكنه تمسك بها، فبادلته العناق تخاطبه بصدقٍ خالص:
- لن أتركك يا همام... أنت زوجي، ورفيق دربي إلى الجنة، وأماني، وكل حياتي... سأبقى معك بالأمس، واليوم، وغدًا، وإلى آخر العمر.
أغمض عينيه يخفي دموعًا أبت إلا أن تفضحه، ثم ابتسم قائلًا:
- هيا... يكفي دراما، لقد أوشكتُ على البكاء.
ابتسمت بخفة لمزاحه، بينما ارتفعت دقات قلبها حين وضع همام كفَّا فوق قلبه، ارتجف صوته على غير عادته، يهمس بنبرةٍ مزقتها رهبة الفقد:
«وفيكِ اكتفيتُ... وحبكِ أصبح ملاذي في هذه الحياة، عديني ألّا تتركيني.»
تجمدت ملامحها، وشعرت بأن كلماته لم تكن همسات عاشق، بل وصيةً يخبئها خلف ابتسامته. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم ارتمت في أحضانه باكية:
- همام... أنت تخيفني، أخبرني ماذا يحدث؟
أغمض عينيه بقوة، وقبّل رأسها طويلًا، بينما خانته دموعه وانسابت بصمتٍ فوق خصلات شعرها، وكأنه يحاول أن يحفظ دفء تلك اللحظة داخل قلبه إلى الأبد.
وقبل أن تنطق بكلمةٍ أخرى، خرجت أمل من غرفتها تفرك عينيها بنعاس، فتراجع الاثنان سريعًا يمسحان دموعهما
خاطبتهما بتعجب وما زالت آثار النعاس في صوتها:
- ما بكما؟
توجه  همام نحو أمل، وانحنى إليها حتى لا ترى سارة دموعه، ثم قال بابتسامةٍ حانية:
- لا شيء يا أميرتي، هيا، عودي إلى النوم مرةً أخرى.
نظرت إليه بعينين يغلبهما النعاس، ثم قالت بتردد:
- عمي... هل يمكن أن تنام أمي بجانبي الليلة؟
نظر همام إلى سارة الواقفة خلفه، وقد ازداد قلبه ألمًا لرؤية حزنها، أخذ نفسًا عميقًا، ثم حمل أمل بين ذراعيه بعدها التفت إلى سارة بعينين أثقلهما الوجع:
- بل ستنامين بيننا الليلة... ما رأيكِ يا سارة؟
ابتسمت له بهدوء، تولفقه ثم اقتربت وقبّلت أمل برقة، مد يده إلى سارة، فوضعت كفها داخل كف همام الممدودة إليها، واتجها معًا نحو غرفتهما.
وما إن استلقوا حتى نامت أمل بينهما، بينما جذب زوجته إلى صدره بقوة، وكأنه يخشى أن ينتزعها القدر من بين ذراعيه، في حين احتضنت سارة أمل بخوفٍ لم تجد له تفسيرًا... وكأن أرواحهم جميعًا كانت تستشعر أن الفجر القادم لن يشبه أي فجرٍ مضى.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
تنهدت ريم بهدوء بعد أن أغلقت الهاتف مع إبراهيم، فهو لا يزال يتصل بها كل يومين ليطمئن على أحوالهم، التفتت إلى عليّ، الذي كان ينام ببراءةٍ وسكينة، فأغمضت عينيها وهي تمسح دمعةً خانتها رغمًا عنها، انحنت تقبّل جبينه بابتسامةٍ يغلفها الحنان، ثم ابتعدت عنه بهدوء لتتصل بكيان، فقد كانت بحاجةٍ لأن تخبرها بما حدث، إذ إن شعور الضيق كان يخنق صدرها ولا يمنحها راحة.
وبعد مرور عدة دقائق، أجابتها كيان، والابتسامة تشق صوتها:
- أجمل مساءٍ في هذا المساء، كيف حالكِ؟
أجابتها ريم بهدوء، فهي لا تريد أن تفسد مزاجها، لكن هيهات أن يخفى أمرها على كيان:
- بخير يا كيان، كيف حالكِ أنتِ؟
خاطبتها كيان بتساؤلٍ ممزوج باليقين:
- أخبريني، ما الذي حدث معكِ يا ريم؟ لن تنجحي في إخفاء شيءٍ عني، فأنتِ فاشلة في التمثيل.
أطلقت ريم زفرةً طويلة، ثم أجابتها بصوتٍ ارتجف رغم محاولتها التماسك:
- لقد أنهيتُ حديثي مع إبراهيم قبل قليل.
ابتسمت كيان بضيق، ثم قالت وهي تقلب عينيها:
- وماذا فعل لكِ هذا البُرهم هذه المرة؟ يبدو أنه يتفنن في جعلكِ تشعرين بالضيق.
أجابتها ريم وهي تضم عليّ إلى صدرها بحنان:
- لم يفعل شيئًا... لكن لا أعلم، لقد أصبحت هذه الجملة وحدها تشعرني بالضيق والإحباط الشديد... بل وبالخوف أيضًا.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.