الفصل السابع والثلاثون
**جلست سما تنتظر عودة إبراهيم من عمله، ونظرت إلى غرفتها التي نظفتها ريم جيدًا، وكأن شيئًا لم يحدث بالأمس، لتتنهد وهي تفكر فيما ستقوله له بعد قليل، فهي حتى الآن تخشى ألا يصدق ما ستخبره به.
اعتدلت بصعوبة بسبب الخدر الذي أصابها من شدة الألم، عندما استمعت إلى صوته وهو يفتح الباب، لتقف أمامه وهي ترتب خصلات شعرها.
نظر إليها إبراهيم يتفحص ملامح وجهها، ثم أدار وجهه عنها مبتعدًا، وتوجه نحو غرفة ريم التي كانت تصلي.
تنهدت سما بقوة، ثم خاطبته بحزم:
- إبراهيم، أريد أن أخبرك بموضوعٍ مهم، بعد إذنك.
نظر إليها إبراهيم بنظراتٍ مشمئزة، ثم تحدث بضيق:
- لا أريد أن أستمع إليكِ، فأنا لا أطيق النظر إلى وجهكِ. اغربي عن وجهي الآن يا سما.
أمسكت سما بيده، وتحدثت برجاء:
- أرجوك يا إبراهيم، إنه أمرٌ مهم جدًا، فقط استمع إليّ، ولك مطلق الحرية بعد ذلك.
بعد عدة محاولات من سما في رجائه، فقد عزمت أمرها على إخباره ولن تتراجع، وافق إبراهيم على مضض.
تنهدت براحةٍ كبيرة، ثم توجه نحو غرفتها، لتتبعه بصمت.
أخذت نفسًا عميقًا بعدما جلست على السرير، ونظرت إليه متحدثةً بتوتر:
- لا تقاطعني يا إبراهيم، دعني أقول ما لدي، حسنًا؟
زم إبراهيم جانب فمه، ثم تحدث بضيق:
- حسنًا، أخبريني.
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا لتزفره بهدوء، ثم نظرت إلى الأسفل، وبدأت بسرد الحلم الذي رأته.
رفعت أنظارها إليه بعدما انتهت من سرد الحلم، لتجده ينظر إليها بنظراتٍ لم تستطع تفسيرها أبدًا.
استمرت نظرات إبراهيم على حالها ما يقارب ربع ساعة، ولم تسمع سما سوى الصمت القاتل الذي كان ينهش قلبها.
خفضت عينيها عنه بحيرةٍ كبيرة، ثم نظرت إليه وكأنها تريد الحديث، لتجد عينيه قد اغرورقتا بالدموع.
بدأ بعدها بطرح الأسئلة المختلفة حول هذا الحلم، ويعيد طرحها من جديد، فهو يعلم أن الجن العاشق من أخطر أنواع الجن على الإطلاق.
تنهدت سما، وقد شعرت أنه أطال الجلوس معها، ثم خاطبته بهدوء:
- يمكنك الذهاب يا إبراهيم عند ريم، فاليوم يومها فقط. أعطني هاتفي لأقوم بتشغيل إذاعة القرآن الكريم.
نظر إليها إبراهيم متسائلًا:
- هل قصصتِ على ريم هذا الحلم؟
أومأت سما برأسها بتأكيد:
- أجل، فلقد حدث معها هذا من قبل.
نظر إليها إبراهيم بصدمةٍ أكبر، ثم تحدث بعدم استيعاب:
- تمزحين، أليس كذلك؟
حركت سما رأسها نافيةً بتأكيد:
- لا، ولماذا أمزح في موضوعٍ كهذا؟
تنهد إبراهيم بقوة مما يسمعه، ثم اعتدل في جلسته، وأخرج هاتفها من جيب سرواله، وأعطاه إليها متحدثًا:
- في الغد، سوف أذهب إن شاء الله لاستشارة شيخٍ عن هذا الحلم.
توجه نحو غرفة ريم، ونظر إليها بهدوء، ثم تحدث:
- هل انتهى الأطفال من دراستهم؟
أومأت برأسها مجيبةً إياه:
- أجل، لقد انتهوا. هل تريد شيئًا؟
نفى برأسه، ثم توجه نحو المرحاض ليبدل ثيابه بأخرى منزلية مريحة.
تحركت ريم نحو أبنائها، ثم نامت على الطرف الأيسر محتضنةً عليّ بقوة.
خرج إبراهيم بعدما بدّل ثيابه، وتوسط الطرف الآخر، ثم تنهد قبل أن يغمض عينيه بإرهاقٍ وتفكير.
««:::::::::::::::::::::::::::»»
وقفت سارة أمام الطريق العام، لتتصل بسليم حتى يوصلها.
أغلق سليم الرنين، ثم أرسل لها رسالةً يخبرها فيها أنه يلقي محاضرةً الآن، وإن كان الأمر ضروريًا فلتخبره برسالة.
زفرت سارة بتوتر، ثم شاهدت الشقيقتين تستقلان إحدى السيارات وتذهبان، فأوقفت سيارة أجرة وأخبرت السائق بعنوان منزلها.
بعد عدة دقائق، ترجلت بسرعةٍ بعدما أعطت السائق أجرته، ثم توجهت نحو المنزل وهي تهرول بخطواتٍ كبيرة.
فتحت الباب، لتخاطب والدتها وهي تلهث:
- أمي... أمي... أمي، أين أنتِ؟ أرجوكِ.
خرجت ابتهال من داخل المطبخ، وهي تمسك في يدها بعض قطع الخضار، وفي اليد الأخرى سكين، لتتحدث بقلقٍ وهي ترى الخوف على ملامح سارة، خاصةً في صوتها:
- ما بكِ؟ هل حدث لكِ مكروه، لا قدر الله؟
حاولت سارة تنظيم أنفاسها، ثم تحدثت بخوف:
- لقد شاهدتنا شقيقة ريليان، ولقد بدأتا تتشاجران بعدما سألت عن هويتي، و...
بترت كلماتها وهي تشاهد سمر تخرج من غرفة سليم، فتوقفت عن الحديث، ونظرت إليها باستغراب:
- ماذا تفعلين يا سمر؟
ابتسمت لها سمر، ثم أجابتها بهدوء:
- أهلًا وسهلًا بكِ أنتِ أيضًا يا سارة.
نظرت ابتهال نحو سارة، ثم سألتها بقلق:
- أكملي، ماذا حدث؟
توقفت سارة عن الإكمال، ونظرت إلى سمر.
تفهمت ابتهال ذلك، ثم تنهدت بثقل، وعادت أدراجها نحو المطبخ.
جلست سمر على المقعد الخاص بطاولة الطعام، وهي تمسك قطعة فاكهة بين يديها، ثم تحدثت:
- هل انتهيتِ من اختباراتكِ؟
أجابتها سارة بتأكيد، وهي تجلس بجانبها وتخلع حجابها:
- أجل، لقد انتهيت منها للتو.
أومأت سمر برأسها، ثم بدأت تأكل ما بيدها:
- وماذا ستختارين في دراستكِ؟ الفرع العلمي أم الأدبي؟
تنهدت سارة بهدوء، وأجابت بعقلٍ منشغل بريليان:
- بإذن الله، الفرع العلمي.
نظرت إليها سمر وإلى ثيابها، ثم سألتها:
- وماذا ستصبحين إن درستِ الفرع العلمي؟
ثم أكملت بضحكةٍ خفيفة:
- لا تقولي تخصص الطب، فبالتأكيد ستمزحين، خاصةً بعد قراركِ الذي أخبرتنا به في المرة السابقة عندما زرتِنا.
رفعت سارة حاجبها الأيسر باستفسار، ثم سألت:
- ولماذا سأمزح في هكذا أمر؟ ثم ما العيب في ذلك يا سمر؟
أجابتها سمر ببساطة، وهي تنظر إلى قطعة الكيوي بين يديها:
- سوف تكونين أضحوكةً ليس أكثر.
ضحكت سارة بخفة، ثم أجابتها بعدم اهتمام:
- لا يهمني حديثهم، كما لم يهمني حديثكِ للتو. طالما أنني لا أغضب ربي، فلماذا أهتم بالبشر؟ من سيتحدث سيكون ذا عقلٍ رجعي وقليل الإيمان.
ضغطت سمر على أسنانها بغضب، ثم تحدثت:
- ماذا تقصدين بحديثكِ يا سارة؟
ابتسمت لها سارة بهدوءٍ مستفز، ثم أجابت:
- لا أقصد شيئًا يا سمر، أنتِ التي أخذتِ كلامي عليكِ. عن إذنكِ.
وقفت بعد ذلك، وتوجهت نحو غرفتها لتبدل ثيابها.
بعد أن أبدلت ثيابها، أمسكت هاتف ريليان، لتجده مغلقًا.
دب القلق في قلبها، وحاولت الاتصال بها مرةً، واثنتين، وثلاثًا، وكانت النتيجة واحدة:
الهاتف مغلق.
نظرت إلى هاتفها بعدما أضاء، لتجد أن سليم يتصل بها.
أجابته بسرعةٍ كبيرة، ثم تحدثت بعدما ضغطت زر الإجابة:
- سليم، أين أنت؟ أرجوك ساعد ريليان، فلقد علمت شقيقتها بأمر صداقتي بها، ومن المحتمل أن يعلموا بأمر إسلامها.
كان سليم يقود سيارته متوجهًا نحو منزله، فالساعة الآن الواحدة ظهرًا.
خاطبها مستفسرًا، وقد بدأت دقات قلبه ترتفع لسببٍ يجهله:
- اهدئي يا سارة، وتحدثي بهدوء.
أخذت سارة نفسًا عميقًا، ثم أعادت حديثها:
- لقد كنت أسير مع ريليان متوجهتين نحو منزلي، لتشاهدنا أختها، وسألتني إن كنت أنتمي إلى الإسلام، ليبدأ بينهما شجار بسيط، فاستأذنت منهما، وهاتفتك، ولم تجبني، لأنظر إليهما وأشاهدهما وهي تقوم بجرها من يدها بغضب بعدما أوقفت إحدى سيارات الأجرة.
قاد سليم سيارته بسرعةٍ أكبر، لتكمل سارة برجاء، وقد بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها:
- سليم... لن يفعلوا لها شيئًا، أليس كذلك؟ إن حدث لها شيء، لن أسامح نفسي.
خاطبها بهدوء:
- لماذا لن تسامحي نفسكِ؟ ما دخلكِ أنتِ؟
أجابته، وقد انسابت الدموع على وجنتيها، وهي تتخيل ما كانت تسمعه من العائلات التي تؤذي أفرادها بسبب تغيير دينهم:
- لو أنها لم تشاهدني معها، لما حدث كل هذا.
أجابها مطمئنًا:
- لا تقلقي يا سارة، ستكون بخير. أنا قادم إليكِ، وكفاكِ بكاءً.
أغلق سليم معها الهاتف، ثم زاد من سرعته قليلًا.
وبعد مدةٍ قصيرة، ترجل من سيارته، وتوجه نحو باب منزله، ليفتحه على عجل.
وقفت سمر عندما رأته، لتخاطبه بابتسامةٍ خجولة:
- كيف حالك يا سليم؟
أجابها وهو يتوجه نحو غرفة سارة دون أن يتوقف:
- بخير، شكرًا لكِ.
طرق باب غرفة سارة، ثم دلف بعدها، ناظرًا إليها.
نظرت إليه سارة، فتوجهت نحوه، وارتمت بين ذراعيه، وهي تتحدث ببكاءٍ شديد:
- أرجوك، دعنا نذهب يا سليم، أريد أن أطمئن عليها، فأنا أعلم أنهم سيقومون بقطع رأسها وإلقاء جسدها للكلاب.
ضحك سليم من طريقة تفكيرها، ثم تحدث بعدما هدأ:
- من أخبركِ بذلك؟**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!