الفصل الثاني والعشرون
**نظرت ابتهال الى ريليان بعدما كانت تتحدث معها:
- أخبريني يا ريليان، كيف كانت الندوة بالأمس؟
أجابتها ريليان بصدق:
- كانت جميلةً جدًا، وأيضًا كان سليم يجيب على الأشخاص بطريقةٍ سهلةٍ وسلسة. لقد ارتحت عندما وقفت الفتاة وسألت ذلك السؤال، فقد سهّلت الأمر عليّ كثيرًا.
تحدثت ابتهال بابتسامة:
- هذا من فضل الله يا صغيرتي.
ابتلعت ريليان ريقها، ثم سألتها ببعض التردد:
- خالتي، متى خطبة سليم وابنة خاله؟ وهل كانا يحبان بعضهما البعض؟
ضحكت ابتهال بقوة، مجيبةً إياها:
- سليم لم يحب البتة يا صغيرتي.
قالت ريليان ببعض السعادة:
- حقًا؟
ثم أكملت باستفسار:
- لماذا؟ هل الحب ممنوع؟
كادت ابتهال أن تجيبها، ليدلف سليم من الباب وهو يحمل بيده بعض الحقائب الكرتونية والبلاستيكية. تقدمت منه سارة وهي تأخذها من يده، متحدثةً برقة:
- حمدًا لله على سلامتك.
قبّل سليم رأسها، ليجيبها بابتسامةٍ مرهقة:
- سلّمكِ الله يا سارة.
ثم أشار بإصبعه نحو إحدى الحقائب:
- انظري، الزرقاء لكِ، والحمراء لأمي، والباقي ضعيه في المطبخ.
التفت سليم ناظرًا إلى والدته بعدما ذهبت سارة، فتقدم منها وهو يقبل يديها بحبٍ واحترام. اعتدل عندما لاحظ وجود ريليان، ثم قال:
- كيف حالكِ يا أمي؟
أجابته ابتهال وهي تنظر إليه باسمةً:
- بخير يا عزيزي.
ثم أكملت بتردد:
- سليم، هل يمكنك الإجابة عن بعض أسئلة ريليان؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أغلق عينيه قبل أن يفتحهما مجددًا، ليجيب:
- حسنًا يا أمي، ما هي أسئلتها؟
حمحمت ريليان بإحراجٍ وتوتر:
- اذهب وارتح قليلًا، لستُ مستعجلةً على ذلك.
هز رأسه بخفة، ثم توجه نحو غرفته يريد تبديل ثيابه، فقد كان متعبًا حقًا، واستنزفت طاقته حصصه مع طلابه.
جلست سارة بجانب ريليان بعدما خرجت من المطبخ، ثم فتحت حقيبتها الخاصة، مخرجةً منها حلوى مختلفة الأشكال والألوان. احتضنتها صارخةً بسعادة، لتوبخها ابتهال على ذلك:
- اخفضي صوتكِ يا سارة، هل أنتِ طفلة؟
أجابتها سارة وهي تفتح بعض الحلوى:
- إنها حلوى يا أمي.
ثم أعطت ريليان بعضها:
- خذي، وتذوقي.
أرجعت ريليان الحلوى باحترام:
- شكرًا لكِ يا سارة، لا أريد.
زمت سارة فمها بضيق:
- ريليان، خذيها من يدي، لقد آلمتني يدي المسكينة، هيّا.
أخذتها ريليان، ثم قامت بفتحها وهي تنظر إلى ابتهال بإحراج، لتتحدث:
- خالتي، هل تريدين؟
نفت ابتهال برأسها، متحدثةً بحنو:
- لا يا حبيبتي، هذه الحلوى تضرني، شكرًا لكِ.
أمسكت سارة بالحقيبة الأخرى، وهي تعطي ابتهال ما أحضره سليم لها، لتضعه ابتهال جانبًا دون أن تفتحه. نظرت إليها سارة بفضول:
- لماذا لم تنظري إليه؟ هل تعلمين ما بداخله؟
أجابتها ابتهال ببساطة:
- أجل، إنني أعلم ما بداخله.
تحدثت سارة بفضولٍ أكبر:
- إذًا ماذا يوجد بداخله؟
حركت ابتهال حاجبيها بالنفي، ضاحكةً:
- لا شيء مهم، أكملي أكل حلواكِ.
نظرت ريليان إلى سليم الذي خرج لتوه وتقدم نحوهم، فتنهدت بحزن. إنه شعورٌ صعب أن تحب شخصًا آخر بينما أنتِ مرتبطةٌ بمَن لا تطيقين.
خاطبها سليم بهدوء:
- تفضلي يا آنسة، ماذا تريدين أن تعرفي؟
تريد أن تتعلم وتفهم، لكنها لا تعلم كيف تصيغ سؤالها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم سألته بتردد:
- إنكم تقولون إن الله قادرٌ على كل شيء، ودائمًا ما كنت أسمع من سارة وخالتي أن كل شيء يحدث بإرادة الله، وأن كل شيء مكتوب بالفعل بإرادته أيضًا. فأين حرية الاختيار التي يمنحها الله للإنسان؟ أيًّا كان ما أفعله، فهو مكتوب، وهذه هي إرادة الله. فإذا كان كل شيء مكتوبًا، فأين حرية الاختيار في كوني مسيحيةً أو مسلمةً؟ فكوني مسيحية هو إرادة الله، أليس كذلك؟
أخذ سليم نفسًا عميقًا، ثم تحدث وهو ينظر إلى الطاولة التي أمامه:
- سؤالكِ هو: إذا كان كل شيء يحدث بإرادة الله، فأين حرية الاختيار في كونكِ مسيحيةً أو مسلمةً؟ أليس هذا سؤالكِ؟
أجابته ريليان بانتباهٍ شديد:
- صحيح.
تحدث سليم بهدوء، يريد أن يشرح لها بطريقةٍ بسيطة تناسب عقليتها الصغيرة، فهي فتاة في السادسة عشرة من عمرها:
- انظري يا آنسة، هذا السؤال لا يطرحه غير المسلمين فقط، بل حتى المسلمون أنفسهم يسألونه أيضًا. إنه يتعلق بالقدر. فإذا كان مكتوبًا في القدر أنني سأسرق، وسرقت بالفعل، فمن المسؤول عن السرقة؟ هل الله هو المسؤول؟
استرسل في حديثه عندما لاحظ انتباه الجميع:
- حسنًا، مثالٌ آخر. لو كان مكتوبًا في القدر أنني سأقتل شخصًا وقتلته، فمن المسؤول؟ هل الله هو المسؤول؟ لذلك، إذا كانت هذه هي إرادة الله، وكان كل شيء مكتوبًا في القدر، فأين الإرادة الحرة؟
أكمل بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
- حسنًا، سأبدأ بإجابتكِ. يجب على كل مسلم أن يؤمن بالقدر، ولكن يجب أن نفهم معنى القدر. على سبيل المثال، لو افترضنا أننا الآن في فصلكِ الدراسي، ويوجد فيه خمسون طالبًا، وعندما يدرّس المعلم الطلاب في الفصل، وفي نهاية السنة الدراسية، وقبل الاختبار، يقوم المعلم بالتنبؤ بأن ريليان ستنجح وتحصل على المركز الأول، وأن سارة ستنجح وتحصل على المركز الثاني، وأن سليم سيرسب. هنا المعلم تنبأ فقط، لماذا؟ لأنه يعلم أن ريليان تذاكر جيدًا، ودائمًا ما تقوم بحل واجبها المدرسي، وتذاكر خارج المطلوب لتتعلم، وأن سارة ستصبح في المركز الثاني لأن مستواها متوسط، وأن سليم يشاهد الأفلام ويسهر خارج المنزل، ولا يقوم بأداء واجبه المدرسي، ولا يحضر إلى الفصل، لذلك قام المعلم بالتنبؤ بأنني سأرسب. فعندما تحدث الاختبارات، ويتقدم الطلبة إليها، وتظهر النتائج، تحصل ريليان على المركز الأول، وسارة على المركز الثاني، وسليم حظًا أوفر له.
ثم سألها:
- الآن سأطرح عليكِ سؤالًا: هل يمكنني أن ألوم المعلم وأقول له: أنت سبب رسوبي لأنك تنبأت بذلك؟ إذًا، من المسؤول الآن، أنا أم المعلم؟
نظرت إليه ريليان، وكانت تعلم في قرارة نفسها أن المسؤول هو سليم، لكنها لم تتفوه بشيء.
كرر سليم سؤاله عندما لم يتلقَّ إجابةً منها:
- من المسؤول، سليم أم المعلم؟
تنهد بخفة، ثم أكمل عندما لم يجد إجابةً أيضًا:
- بالتأكيد سليم هو المسؤول، فهو لم يذاكر، ولم يحضر الدروس، وكان يشاهد الأفلام، والمعلم تنبأ فقط، ليس إلا. وبالمثل فإن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الإنسان إرادةً حرة، وأخبرنا ما هو الصواب وما هو الخطأ، ولكن الاختيار للإنسان.
استرسل في حديثه:
- دعيني أبسطها أكثر من ذلك. على سبيل المثال، لو كنتِ في مفترق طرق، وكان هناك أربعة طرق: الأول، والثاني، والثالث، والرابع، ويمكنكِ اختيار أي طريق. فلنقل إنكِ اخترتِ الطريق الثالث مثلًا، هنا الله يعلم مسبقًا أنكِ عندما تصلين إلى هذا المفترق ستختارين الطريق الثالث، لذلك كتب ذلك في القدر. وليس لأن الله كتب أنكِ اخترتِ الطريق الثالث، بل لأنه يعلم ما ستختارينه، كتب ذلك مسبقًا. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي إن الله يعلم الغيب، ويعلم المستقبل، ولذلك كتبه مسبقًا.
خاطبته ريليان بتشويش:
- لم أفهم جيدًا.
اعتدل سليم في جلسته أكثر، ليتحدث شارحًا:
- حسنًا، مع أنني لم أنتهِ بعد، لكن سأعطيكِ مثالًا آخر. بعد أن تنتهي من الدراسة الثانوية بمعدلٍ مرتفع، ستخططين لأن تصبحي طبيبةً أو مهندسةً أو ربما معلمة. أنتِ الآن اخترتِ أن تصبحي طبيبة، إذًا الاختيار لكِ، ولكن الله يعلم مسبقًا أنكِ بعد انتهاء المرحلة الثانوية ستختارين دراسة الطب. ليس لأن الله كتب ذلك أصبحتِ طبيبة، بل لأنكِ تريدين أن تصبحي طبيبة، فكتب الله ذلك مسبقًا. ويجب أن تعلمي أن الله لو أراد شيئًا، فمن السهل عليه أن يغيره.
نظرت إليه ريليان باستفسار:
- كيف ذلك؟
أجابها سليم بهدوء:
- على سبيل المثال، لو كنتِ في اختبار رياضيات، وأعطتكِ المعلمة ورقةً مكتوبًا فيها عدة أسئلة، ومن ضمنها: أربعة زائد أربعة، كم الناتج؟
أجابته ريليان بسرعة:
- أربعة... أقصد ثمانية.
ابتسم سليم بخفة لإجابتها المتسرعة، ثم أكمل بعدما لاحظ الإحراج في صوتها بسبب إجابتها الخاطئة:
- انتبهي. بينما كانت المعلمة تراقب، شاهدت طالبةً تكتب: تسعة. الآن المعلمة لن تقوم بتصحيح الإجابة لها، لكنها تستطيع ذلك، ولو فعلت هذا لقلتِ إن هذه المعلمة غير عادلة. وإذا قالت للطالبة: لا تكتبي تسعة، واكتبي ثمانية، فسيقول بقية الطلبة: هذا اختبار، وليس تدخلًا. أي إن الله، لو أراد شيئًا، فمن السهل عليه أن يغيره، ولكن لأن للإنسان إرادةً حرة، فهو يترككِ تتخذين قراركِ بنفسك.
تحدث متنهدًا:
- إن هذه الدنيا هي اختبارٌ للآخرة. الله يوضح لكِ القواعد، ويبين لكِ ما هي الأشياء الجيدة، وبذلك يمنحكِ الإرادة الحرة، إذًا فالاختيار لكِ أنتِ. الله لا يتدخل في إرادتكِ الحرة، ويستطيع أن يفعل ذلك لو أراد. يقول الله في كتابه العزيز: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾.
وأيًّا كان الذي يحدث، فهو يحدث بإرادة الله تعالى، ولكن القرار قراركِ في النهاية، واعتمادًا على قراركِ يكافئكِ الله أو يعاقبكِ. أتمنى أن أكون قد أجبتُ عن سؤالكِ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!