الفصل الثمانون
**
هزت رلين رأسها بتفهم، ثم نظرت إلى والدها الذي تقدم نحوهن، ويبدو أنه ذاهب إلى الكنيسة بعد انقطاعٍ دام مدةً طويلة، فقد كان يرتدي ثيابه الخاصة.
سألته بسعادةٍ كبيرة:
- هل أنت ذاهب حقًا؟
أومأ لها مؤكدًا.
اعتدلت سريعًا، ثم احتضنته بسعادة، ليسألها باستغراب:
- لماذا لم تذهبي إلى مدرستكِ يا رلين؟
ابتعدت عنه، ثم أجابته بضيق:
- لا أحب المدرسة يا أبي، لقد أيقظتني مايا لأذهب، لكنني بتُّ أكرهها كثيرًا.
ثم أكملت بحزنٍ وغضب:
- كنت أتشجع للذهاب مع أحدهم، لكنه لم يعد موجودًا.
ربت على كتفها بحنان، ثم أجابها بابتسامةٍ أخفى خلفها ضيقه:
- من المفترض أن تذهبي، حتى تثبتي له أنكِ تستطيعين الاعتماد على نفسكِ، حسنًا؟
قلبت عينيها، ثم زفرت وأجابته مسايرةً له:
- سأحاول يا أبي. أنت اذهب الآن، وأنا سأصلي للرب، وأطلب من يسوع أن يسهل لك طريقك.
ابتعد عنها، ثم وقف أمام جوليا، وقبّل رأسها هامسًا:
- اهتمي برلين جيدًا.
ثم اعتدل، وخاطب إلينا:
- أرى أنكِ جئتِ مبكرًا يا ابنتي.
أجابته بابتسامةٍ لطيفة:
- الساعة الآن التاسعة يا أبي، لقد جئت قبل قليل.
أومأ لها، ثم قال:
- هيا، إنني ذاهب، اعتنين بأنفسكن.
شيعته جوليا بنظراتها، ثم قالت:
- في حفظ الرب.
خاطبته رلين وهي تتجه إلى الأعلى بعد مغادرة جرير:
- إنني ذاهبة يا أمي، ربما أخرج بعد قليل لأتسوق من أجل زفاف ستيف، لكنني سأهاتف آليس أولًا.
تنهدت جوليا، ثم أومأت لها مجيبةً بهدوء:
- حسنًا يا حبيبتي، اذهبي.
صعدت الدرج، ودلفت إلى غرفتها، ثم اتجهت نحو هاتفها.
وما إن أمسكته، حتى تذكرت أن هاتف ريليان لا يزال معها.
انحنت على أطرافها الأربعة، وأخرجته من الصندوق الموجود أسفل سريرها، ثم فتحته وأخذت تتفحص محتوياته.
بدأت بحذف جميع صورها وهي تبكي بمرارة.
تلمست ملامحها في آخر صورةٍ لها، ثم مسحت دموعها بقسوة، وضغطت على زر الحذف.
واصلت تفحص الهاتف، ثم اتسعت عيناها فجأةً بتذكر.
لعل رقم صديقتها موجود هنا.
حاولت تذكر اسمها... أجل، تذكرت، سارة.
بحثت عنها حتى وجدتها، فحفظت رقمها في هاتفها الخاص، وقد شعرت بانتصارٍ كبير، بعدما وجدت أخيرًا طريقةً للوصول إليها.
أعادت الهاتف إلى مكانه، ثم نهضت، وأمسكت هاتفها الخاص، وهاتفت أمبر بسعادةٍ غامرة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة انتصار.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
وضعت ريليان آخر طبقٍ على الطاولة، فقد أصرت هي أن تقوم بإعداد الإفطار هذا الصباح.
خرجت إلى الخارج نحو ابتهال التي كانت تشاهد برنامجًا دينيًا على التلفاز، وبجانبها سارة تتحدث مع همام عبر الرسائل.
خاطبتهما بابتسامةٍ مرهقة بعض الشيء:
- لقد انتهيتُ يا أمي.
أجابتها ابتهال بتوبيخ وهي ترى ملامح الإرهاق على وجهها:
- سامحكِ الله يا ريليان، ماذا سيحدث لو أعددته أنا، أو لو ساعدتكِ أنا وسارة؟
أجابتها وهي ترسم ابتسامة حبٍ لها:
- أردتُ أن أخفف عنكِ قليلًا يا أمي، فأنتِ تقومين بكل شيء.
ثم تابعت بخجلٍ وهي تفرك يديها معًا:
- ثم إنني أريد أن أُعد الإفطار بنفسي لسليم، فقد أخذ إجازةً اليوم من دوامه الجامعي، وأتى قبل قليل من ممارسته لرياضة الركض.
انفجرت سارة ضاحكة، لتحدجها ابتهال بنظرة توبيخ، إلا أن الأخرى لم تكترث، وخاطبت ريليان مازحة:
- قولي إنكِ تريدين إعداد الإفطار لسليم وليس من أجل أن تريحيني يا فتاة، يا لها من فتاة عاقة.
أجابتها ابتهال بجدية:
- من يعد الإفطار يا فتاة؟ اصمتي يا سارة، يبدو أن اشتياقكِ للمدرسة قد أثّر عليكِ.
ضحكت سارة، ثم أجابتها وهي تنظر إليها:
- أمي، ما بكِ اليوم؟ انظري جيدًا، إن مزاجي جميل جدًا، لقد انتهيت من سؤالٍ حاولت حله منذ البارحة.
سألتها ريليان بتعجب وسعادة:
- هل انتهيتِ منه حقًا؟
أومأت لها بحماسٍ مؤكدة:
- أجل، صحيح. لقد أنهيته صباحًا بعد أن صليتُ الفجر.
هزت ريليان رأسها بتفهم، ثم انتبهت إلى ابتهال التي خاطبتها:
- اذهبي وأخبري سليم أن الإفطار جاهز يا حبيبتي.
أومأت لها بهدوء، ثم توجهت نحو الأعلى قاصدةً الغرفة.
طرقت الباب، ثم فتحته بعد ذلك بهدوء، وتقدمت إلى الداخل، لتجد سليم يقف على سجادة الصلاة.
عقدت حاجبيها بتفكير؛ فأي صلاةٍ يصلي الآن؟ لقد ذهب إلى المسجد وأدى صلاة الفجر، ثم عاد ومارس رياضته.
أنهى سليم صلاته، ثم نظر إليها بعدما أنهى تسبيحه واستغفاره، فسألته بتعجب:
- ماذا صليتَ الآن؟!
أجابها بابتسامة:
- صلاة الضحى.
فركت مقدمة رأسها ببلاهة، وسألته:
- وما هذه الصلاة؟
أجابها معتدلًا وهو يطوي سجادة الصلاة:
- إنّ صلاة الضحى نافلةٌ مستحبة، وسنةٌ مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صلاةٌ تجزئ عن التسبيح والتهليل والتكبير، وتكون بمثابة الصدقة عن كل مفصلٍ في جسم الإنسان.
كما روى أبو ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى».
ثم تابع:
- وهناك أيضًا حديثٌ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.
أومأت بهدوء، ثم سألته باستفسارٍ أكبر:
- هل تُصلّى الآن؟
أجابها موضحًا وهو ينظر إليها بعدما أعاد السجادة إلى مكانها:
- إن وقت الضحى يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، ويحصل ذلك بعد خمس عشرة دقيقة تقريبًا من بزوغها، إلى أن يقوم قائم الظهيرة، وهو قبيل زوال الشمس بزمنٍ قليل.
ثم أكمل وهو يفرك لحيته:
- وقد قدّره بعض العلماء بعشر دقائق تقريبًا قبل دخول وقت الظهر، فيمكن أن تؤدى في أي ساعةٍ من هذا الوقت.
شعرت ببعض الدوار، فسألته وهي تضغط على عينيها بتركيز:
- وهل لها عددٌ محدد؟
اقترب منها بقلق، ووضع يده على كتفها:
- هل أنتِ بخير؟
أومأت له بابتسامة، واضعةً يدها فوق يده:
- بخير، لا تقلق، أكمل.
أكمل بتوجسٍ من تعابير وجهها:
- أقلها ركعتان بتسليمةٍ واحدة، وإن قام المسلم بصلاتها أربعًا أو ستًا أو ثمانيًا أو اثنتي عشرة ركعةً أو أكثر، يسلّم من كل ركعتين، فكله حسن.
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بسندٍ صحيحٍ أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله».
خاطبته باسمه وهي تعتدل رغم شعورها بالدوار:
- إذًا أريد أن أصليها الآن، لكن سأجدد وضوئي أولًا.
ابتسم لها بحب، ثم قبّل جبينها:
- بارك الله فيكِ، وجعلكِ من عباده الصالحين.
بعد أن جددت وضوءها، كان سليم قد أحضر لها ثياب الصلاة الخاصة بها، فشرعت في أدائها بعد أن ارتدتها.
ثم توجه بها نحو الأسفل ليتناولا طعام الإفطار الذي أعدته، وبعد ذلك بمدةٍ ذهب سليم إلى المسجد لأداء صلاة الظهر.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!