صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 1 من 14

الفصل الأول

**بدأت تسير بهدوءٍ وهي تضع سماعات الأذن داخلهما، تستمع إلى بعض الأغاني الأجنبية الهادئة، ونسمات الهواء العليل تداعب شعرها باستحياءٍ وكأنها تلاطفه.
جلست متنهدةً وهي تنظر إلى الفتيات حولها بعدم تركيزٍ وبعقلٍ شبه شارد، فهنا أمام ناظريها تقريبًا اثنتان تضحكان بصخب؛ فلقد وصل صوت ضحكاتهما إليها رغم وجود السماعات بأذنيها.
على يمينها مجموعةٌ أخرى، ويبدو أنهن يتحدثن عن إحداهن، أو بمعنى أصح السخرية منها، عندما رأت يدًا تقوم بالتأشير على الفتاة المقصودة، والتي كانت ترتدي ثيابًا غريبةً بعض الشيء بألوانٍ أغرب في حذائها، وتصفف شعرها بطريقةٍ لا تريد أن تتخيلها، وكأن الفتاة قدِمت من بلاد العجائب ذات الأطوار الغريبة.
صحيحٌ أنها ملفتةٌ للأنظار، لكن لماذا لا يلتفتون إلى أنفسهم ويتركون الآخرين على راحتهم؟!
هزت رأسها بضيقٍ منهم لتلتفت إلى الجانب الأيسر، لتجد مجموعة شبابٍ يتحدثون مع مجموعة فتياتٍ، وإحداهن تميل على كتف شاب مبتسمةً بحب.
هنا فتياتٌ وفتيانٌ من مقتبل الأعمار، وكل شخصٍ مشغولٌ بشيءٍ ما. حركت نظريها إلى الأمام وهي تشاهد فتاةً تجلس منزويةً في إحدى الأركان، تمسك كتابًا وتقرأ به، وبيدها قطعة حلوى، ويبدو عليها الاندماج والتركيز التام.
زفرت بضجرٍ وهي ترفع يدها اليسرى لتنظر إلى ساعة اليد خاصتها. يبدو أنها تنتظر أحدهم، والآخر بالتأكيد تأخر عن الموعد المتفق عليه. لحظاتٍ، ورفعت عينيها أمامها بابتسامةٍ واسعة، معتدلةً في جلستها، لتتوجه نحو القادمة نحوها بسعادةٍ وراحة.
فتحت ذراعيها لتقوم بعناقٍ كبيرٍ مشتاقٍ، بل محتاجٍ في الوقت نفسه، وهي تمسح دمعةً هربت منها. ابتعد الشخص الآخر عنها متسائلًا عندما شعر بتنهيدة البكاء خاصتها:
- لِمَ البكاءُ، عزيزتي؟
ابتسمت بوهنٍ وهي ترفع سماعات الأذن، واضعةً يديها داخل جيبي سترتها، تخفي ارتجافة يديها:
- لا شيء، فقط اشتقتُ لكِ.
ضيّق الطرف الآخر عينيه باستكشافٍ، ناظرًا إلى ملامح وجهها الحزينة، والتي تحكي قصصًا وحكايات:
- هل سوف تُخفين عني، أم تُخبريني بما حدث؟!
أحنت زوايا فمها لتبدأ بذرف الدموع بهدوء، وقد قررت البوح بما يعتمل في داخلها:
- سوف يتقدم لخطبتي، سارة.
محَت المسافة بينهما وقد ضمتها بمواساة، وهي تتنهد ناظرةً إلى طلاب المدرسة حولهما، لتهمس إليها داخل أذنها:
- كفكفي دموعكِ يا ريليان، جميع الطلاب بدأوا بالالتفات نحونا.
مسحت دموعها قبل أن تبتعد عنها، وبداخلها نارٌ تحترق، ولو خرجت لأحرقت المدرسة بأكملها، أمسكت بيد سارة مبتعدةً عن أنظار الطلاب، متوجهةً خلف القاعة الرياضية المتواجدة داخل حرم المدرسة؛ لتمسك الأخرى كتفيها بابتسامةٍ تشجيعية:
- أخبريني، كيف علمتِ بالأمر ونحن بيننا اتفاقٌ، حبيبتي؟
جلست ريليان على المقعد المتواجد، متنهدةً بنار الغضب:
- لقد هاتفني بالأمس، وكما اتفقنا لم أجبه، ليرسل بعد ذلك رسالةً محتواها ست كلماتٍ فقط: "تجهزي، سوف أتقدم بعد غدٍ لطلبكِ."
لتتحول نبرتها إلى الحزن مرةً أخرى:
- سارة، لا أريده، إنني لا أحبه. لماذا لا يفهم ذلك؟ هل الزواج والخطوبة بالإجبار؟ نحن في أي زمنٍ نعيش؟
تنهدت سارة وهي تجلس على ركبتيها لتتحدث بحكمة:
- انظري يا ريليان، صحيحٌ أننا من ديانتين مختلفتين، لكن لا أعلم كيف هي حياتكِ سابقًا. إنني أعرفكِ منذ شهرين فقط، و...
قاطعتها ريليان باستغرابٍ، وقد شعرت بالغربة في كلماتها:
- كيف لا تعرفين حياتي، سارة؟ ألم أخبركِ بها كاملةً؟
أجابتها سارة بتريثٍ وهي تمسك بيدها، تمسد عليها بهدوء:
- أجل، لقد أخبرتني يا ريليان، لكن لا أعلم، أشعر أنكِ تُخفين شيئًا عني، وربما أيضًا شيئًا لا أحد يعلمه.
عقدت ريليان حاجبيها باستياءٍ تام من استمرار الأخرى في نفي معرفتها:
- سارة، بحق الإله لا تبدئي، لماذا لا تريدين أن تفهمي أنه لا يوجد شيءٌ أُخفيه؟! هل أختلق حكاوي وقصصًا عني؟
زفرت سارة بقلة حيلة، وقبل أن تجيبها استمعتا إلى صوت جرس المدرسة يعلن عن بدء اليوم الدراسي، لتنظر إلى ريليان بابتسامة، ثم تحولت تلك الابتسامة إلى ضيقٍ مصطنع، وهي تقوم بتعديل حجابها:
- سامحكِ الله، لقد أفسدتِه من بكائكِ الطفولي، كيف سأذهب إلى مدرستي الآن؟
وضعت ريليان خصلاتها البنية خلف أذنها بخجل:
- أعتذر، لم أكن أقصد ذلك.
ضحكت سارة بقوة، ويبدو أن الأخرى لم تفهم مزاحها:
- يا فتاة، إنني أمازحكِ، ألم تعتادي على مزاحي بعد؟
وقفت ريليان وهي تبتسم لها بكبرياءٍ زائف:
- لو لم تكن ريلين متغيبةً عن المدرسة لما احتجتُكِ، يا فتاة.
رفعت سارة حاجبيها باستغرابٍ من ردها لتتحدث بحزنٍ مصطنع:
- شكرًا لأنكِ تلجأين إليَّ في غياب شقيقتكِ، إنني المخطئة أولًا وأخيرًا.
تخطتها ناظرةً إليها بطرف عينها بمكر، لأنها تعلم أن الأخرى تتحدث بمزاحٍ فقط، تريد أن تخرجها من حزنها، لتسارع ريليان بإمساكها بخوفٍ من فقدانها، معتذرةً:
- أعتذر، أعتذر، أعتذر، إنني أمزح معكِ فقط، لا تخاصميني يا سارة.
التفتت إليها سارة بابتسامةٍ صادقة، وهي تملس على وجنتها:
- لن أخاصمكِ مطلقًا يا ريليان، لأنكِ أختي أيتها الحمقاء.
تنفست ريليان براحةٍ لتسيرا معًا نحو خارج المدرسة حتى تستطيع سارة الذهاب إلى مدرستها الخاصة؛ لأنها قدمت لأجلها، لتتساءل ريليان متذكرةً:
- بالمناسبة، لماذا تأخرتِ؟ لقد فقدتُ الأمل من قدومكِ.
نظرت سارة أمامها ببعض الضيق:
- ومن يكون غيره؟
ضحكت بخفةٍ وهي تتخيله لتجيبها:
- هل قام بتشغيل المذياع ككل صباح؟
أجابتها متنهدةً بهدوء، ناظرةً لها بيأس:
- أجل، لقد فعل، وهذا للعلم.
ضحكت ريليان بابتسامةٍ وهي تقلده كأنه هو:
- إنني أعلم، يا فتاة، انتظري، أُعيد تشغيل المذياع لكِ مرةً أخرى.
ثم بدأت بتضخيم صوتها بعض الشيء، وهي تقلد أحد الأشخاص:
(بالله عليكِ يا سارة، هل سوف تتسببين بتأخري ككل يوم؟ أرجوكِ، ولو لمرةٍ واحدة، لا تنامي بعد صلاة الفجر، هيا أنجزي بسرعة، أمي، لماذا لا تتفقدينها؟ هل يرضيكِ هذا التأخير؟)
انفجرت سارة وهي تكتم ضحكاتها، واضعةً يدها على فمها:
- يا فتاة، لقد شككتُ بوجود سليم هنا ويتحدث معي.
شاركتها الأخرى بالضحك لتتوقف وهي تستمع إلى صوت المعلمة من خلفها، لتعانق سارة بسرعة:
- انتظريني بعد انتهاء الدوام، سوف آتي معكِ، لقد اشتقتُ لخالتي ابتهال.
خاطبتها سارة وهي تتوجه إلى الخارج باسمةً:
- حسنًا، لكن أظن أن سليم سيأتي لاصطحابي.
أومأت لها وهي ترفع يدها، مبادلةً الأخرى التلويح لها، لتشعر بوجود المعلمة خلفها، لتنظر إليها بعيون جروٍ صغيرٍ يريد السماح:
- أعتذر، معلمتي، كنتُ مشتاقةً إليها.
نظرت إليها المعلمة بضيقٍ طفيف:
- ريليان، أنتِ فتاةٌ مجتهدة وذكية، لماذا كل يومٍ تأتي صديقتكِ المسلمة إلى هنا؟ انظري، لقد بدأتِ تثيرين غضب المديرة، ولولا منصب والدكِ لطردتكِ من هنا.
سارت ريليان بجانب المعلمة لتتحدث بحزنٍ وضيق:
- لماذا؟ ألسنا بشرًا واحدًا، معلمتي؟
تنهدت المعلمة وهي تنظر إليها بعدما توقفت عن السير:
- صحيح، لكن هناك نصرانيون متشددون كـ والدكِ والمديرة مثلًا، يرون أن المسلمين إرهابيون. لا أنكر أن لدي صديقةً مسلمة، لكن لا أجعلها تأتي كل يومٍ إلى هنا وأثير حولي الشكوك، هل فهمتِ ما أعنيه، صغيرتي؟
أومأت لها بحزن وقد امسكت بيد المعلمة بقوة:
- حسنًا، لن أجعلها تأتي إلى هنا مرةً أخرى، لكن لا تجعلي المديرة تخبر والدي، أرجوكِ.
دلفت إلى فصلها بعدما شكرت معلمتها بامتنان، مبتسمةً لطرق صديقتها بالتسلل فوق جدار المدرسة، لتجلس على مقعدها وهي تشاهد نظرات الجميع إليها، حسنًا فلينظروا! لن تهتم لهم، سوف تضع كامل تركيزها على شرح المعلمة أمامها.
بعد انتهاء اليوم الدراسي، تلاقت الفتاتان خارج أسوار مدرستهما لتسيرا نحو بيت سارة، فلقد هاتفت سليم بألّا يأتي لاصطحابها؛ لأنها ستذهب مع صديقةٍ لها.
أوقفت ريليان سيارة أجرة لتخبره بموقع منزل سارة، طوال الطريق ظللن صامتات، فكل واحدةٍ منهن تفكر في أمرٍ ما يشغلها انتبهتا للسائق وهو يخبرهما بوصولهما، لتقوم سارة بإعطائه أجرته بعد معارضة ريليان لذلك.
تنهدت ريليان وهي تشعر بالراحة بمجرد رؤيتها لهذا البيت، فهو يتكون من طابقٍ واحدٍ وبه حديقةٌ صغيرة خلف المنزل،  سارت معها لتدلفا إلى الداخل، لتقوم سارة بفتح الباب وهي ترفع صوتها مخاطبةً والدتها:
- يا أمَّ سليم، لقد أتيتُ لكِ بالزوار.
خرجت ابتهال من الداخل لتتسع ابتسامتها وهي تشاهد ريليان خلف سارة، لتقترب منها الأخرى معانقةً إياها بقوة، ابتعدت عنها مرحبةً بها:
- يا أهلًا، يا أهلًا، صغيرتي، كيف حالكِ؟ هل أنتِ بخير؟
أومأت لها بابتسامةٍ سعيدة وهي تنظر إليها، لقد أحبتها جدًا؛ بها حنانٌ وأمومةٌ توزع على بلدٍ بأكمله:
-إنني بخير، خالتي، كيف حالكِ أنتِ؟
نظرت لها ابتهال مبتسمةً:
بخير، صغيرتي، هيا، سوف أضع لكم الطعام، لم يتبقَّ لنضجه الكثير، أم ستنتظرون سليمًا حتى يأتي؟
نظرت ريليان بتوترٍ إليها، لتهتز بؤرتاها متحدثةً بتوتر:
-هل سوف يأتي، خالتي؟ لا أريده أن يراني، يكفي نصيبي من العداء في المرات السابقة.
ابتسمت لها مطمئنةً بحب:
-لماذا تقولين عداءً، صغيرتي؟ أنتِ لا تعرفين سليمًا، إنه لا يكنُّ أي عداءٍ لكِ، حبيبتي، عندما تعرفينه جيدًا ستغيرين طريقة تفكيركِ بالتأكيد.
تنهدت بتمنٍّ وهي تنظر إلى سارة التي أبدلت ثياب المدرسة بأخرى بيتية تتكون من سروالٍ من خامة الجينز وقميصٍ باللون الزهري، لتجلس على الأريكة أمامها وهي تمسك بشعرها لترفعه على هيئة ذيل حصان، لتنتبه إلى صوت ابتهال البعيد، والتي يبدو أنها ذهبت لتحضير الطعام:
-هل أخبرتِ والدتكِ، صغيرتي؟
أجابتها بتأكيدٍ وهي تتوجه نحو سارة:
-أجل، خالتي، لا تقلقي، لقد أرسلتُ لها رسالةً بأنني سأذهب مع صديقةٍ لي.
نظرت إليها سارة وهي تربّع قدميها، ناظرةً لها باختراق:
-أخبريني يا ريليان، بماذا تشعرين بكل صدق؟
تنهدت الأخرى لتجلس بجانبها وهي تنظر إلى التلفاز، الذي يخرج صوتًا يريح النفس البشرية، لا تعلم ما نوعه لكنها ترتاح له بمجرد سماعه:
-لا أعلم حقًا، فقط ما أشعر به هو الضياع.
تنهدت الأخرى بضيقٍ من جوابها:
وكأني علمتُ بماذا تشعرين. ريليان، كوني صريحةً معي في هذا الموضوع.
كادت أن تجيبها لتقاطعهما ابتهال وهي تأمر سارة بالنهوض لمساعدتها في إعداد آخر طبق. توجهت ريليان لتساعدهما، لتنهاها ابتهال بعدما شاهدتها أمامها:
-اذهبي واجلسي بالخارج، صغيرتي، أنتِ ضيفةٌ هنا فقط. انتظري الطعام، لم يتبقَّ شيء، إنها بعض المقبلات ليس إلا.
خرجت إلى الخارج بعد إصرار ابتهال بأن تذهب وتستريح، لتستمع إلى صوت فتح باب المنزل، بدأت دقات قلبها بالدق بسرعةٍ تجاوزت الألف؛ لأنها علمت من يكون، لتستمع بعد ذلك إلى صوت الجرس، لتعقد ما بين حاجبيها باستغراب، لماذا قام بقرع جرس المنزل وهذا منزله؟
خاطبتها سارة من الداخل:
-ريليان، قومي بفتح باب المنزل، لا بد أنه سليم. لقد نسيتُ أنه سيأتي وأقفلت الباب بالمفتاح، ويداي متسختان.
توجهت إلى الباب وهي تجر قدميها جرًّا بعد أن أخذت نفسًا عميقًا، وهي ترتب خصلات شعرها بتوتر، لتقوم بفتح الباب بأنفاسٍ منقطعة.
انتابتها رجفةٌ بمجرد النظر إليه، لتستمع إلى صوته الهادئ بعد مدة:
-هل يمكنني الدلوف، يا آنسة؟
يبدو أن قدميها لم تساعداها على التحرك، لتستمع إلى زفيره الغاضب، لتنظر إليه جيدًا، إنه لا ينظر إليَّ مطلقًا، إذًا كيف عرف أنني لستُ سارة؟ تحدثت ببعض الضيق، مخاطبةً إياه:
-لماذا لا تنظر إليَّ وأنت تتحدث؟
استغفر ربه بصوتٍ مرتفعٍ بعض الشيء، ليجيبها بهدوء:
-هل سوف أبقى خارج منزلي لمدةٍ طويلة، يا آنسة؟
أفسحت له المجال وهي تزفر بضيقٍ من تصرفه، لتنظر إليه مخاطبةً ببعض التوبيخ:
- إنني هنا ضيفة، يا أستاذ، ومن الجميل والأدب أن تتحدث معي.
توقف للحظاتٍ قبل أن يجيبها وهو يوليها ظهره:
- لكن ديني أمرني ألّا أتحدث مع أجنبية، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.
نظرت إليه بغضب، لماذا لا ينظر إليها؟ لماذا لا يريد التحدث معها؟ ثم ما الذي قاله قبل قليل؟ هل هي نكرة؟ هل بها مرضٌ معدٍ وهي لا تعلم؟ هل هي غير جميلة حتى يتجنبها؟
لقد بدأ وجهها الأبيض بالتحول للون الأحمر، لتجيبه بصوتٍ مرتفعٍ بهجوم:
- أنت شخصٌ معقدٌ جدًا.
أغمض عينيه وهو يستغفر ربه، لا يريد التطاول معها بالحديث، إنها لا تقربه، وليس من شيمه التحدث مع الأخريات، وفوق هذا ما زالت صغيرةً بعض الشيء، لكن أن تنعته بالمعقد فقط لأنه يطبق أوامر ربه، لا، لن يكتفي بالصمت.
أجابها بضيقٍ وقد وصل إلى منتصف الصالة:
- لستُ معقدًا، يا آنسة، يبدو أنكِ أنتِ المعقدة، فلا أحد ينعت الآخر بشيءٍ إلا وقد نُعت به مسبقًا.
أغمضت عينيها بحزن، وقد آلمتها كلمته، أجل، الجميع ينعتها بالمعقدة، وهذا صحيح، لكن لا تعلم لماذا أطلقوا عليها هذا.
توجهت بهدوءٍ نحو الأريكة لتأخذ حقيبتها، تنوي الرحيل، لتقترب منه وقد وقفت أمامه، ليخفض الآخر بصره أرضًا:
- شكرًا لضيافتك وحسن تعاملك معي.
ثم تحركت متوجهةً نحو الباب، وقد همت بالخروج، لتستمع إلى صوت ابتهال وهي تخاطبها، والتي يبدو أنها خرجت قبل قليل من المطبخ:
- إلى أين يا صغيرتي؟
التفتت إليها بحزنٍ، باسمةً محاولةً عدم البكاء:
- سأذهب إلى منزلي يا خالتي، يبدو أنه ليس مرحبًا بي هنا.
نظرت ابتهال إلى سليم، وهو يتوجه نحو غرفته بعدما قبّل يديها ورأسها باحترام، لتوقفه متسائلةً:
- هل قمت بطردها يا سليم؟
التفت إلى والدته بهدوء، ثم أجابها نافيًا:
- لا يا أمي، أنا لا أقوم بطرد من هو ضيفٌ في بيتي، وأنتِ تعلمين هذا، لكن الآنسة يبدو أنها تختلق أفكارًا في مخيلتها وتقـ...
قاطعته ريليان بغضبٍ مستعر:
- لستُ مجنونةً يا أستاذ.
نظر لوالدته بقلة حيلة، يشهدها على تصرفات الأخرى:
- هل رأيتِ؟ لم أتحدث بشيء، وأجابت بأفكارٍ تخيلتها بنفسها.
زفرت ابتهال بضيقٍ منهما:
- يكفيكما أنتما الاثنان، هل في كل مرة ستتشاجران كالأطفال؟
أجابها سليم بهدوءٍ واحترام:
- لو أني طفلٌ لأريتها تصرفًا غير هذا، لكني لا أضع عقلي بعقل أطفال، أمي.
ضغطت ريليان على كتف حقيبتها التي ترتديها لتجيبه بحدةٍ كبيرة:
- لستُ طفلةً يا أستاذ، إنني في السادسة عشرة من عمري.
ابتسمت ابتهال لطفولتها، حقًا إنها طفلةٌ بتصرفاتها، لتوجه لها الحديث بحنان:
- هل سوف ترحلين حقًا يا صغيرتي؟
أجابتها بحزنٍ وقد أخفضت رأسها:
- أجل.
اقتربت منها ابتهال، واضعةً يدها على كتفها:
- وإن قلتُ لكِ ابقي من أجلي، هل سوف ترحلين أيضًا؟ لقد أعددت النقانق التي تفضلينها.
أجابتها بعد عدة ثوانٍ من التفكير:
- حسنًا، فقط من أجلكِ.
نظرت إليها ابتهال بمكر:
- هل من أجلي أم من أجل النقانق؟
فركت مؤخرة رأسها بخجلٍ تجيبها:
- من أجلكما أنتما الاثنتان.
ضرب سليم كفًّا بكف بعدما استمع لصوتها، ليتوجه نحو غرفته، لتكمل بحزنٍ بعدما نظرت إلى حركته:
- انظري إليه يا خالتي، هل أنا نكرة حتى لا ينظر إليّ وألّا يعاملني بلطف؟!
تنهدت ابتهال بقلة حيلة:
- هناك الكثير والكثير الذي لا تعرفينه عن سليم وعن عقيدتنا، ريليان، إنه مع الجميع هكذا، أي إن الأمر لا يقتصر عليكِ وحدكِ.
وضعت ريليان حقيبتها على الأريكة ببعض الارتياح لتجيبها بندم:
- أعتذر يا خالتي لحركاتي الصبيانية قبل قليل، لكنه يثير جنوني حقًا.
ضحكت سارة، التي كانت تتابع الموقف وبيدها كوب عصير ليمونٍ بارد، تقوم بارتشافه:
- وأنتِ أيضًا تثيرين جنونه، لا أحد حتى الآن استطاع أن يتحدث معه أو أن يجادله، لكنكِ نجحتِ بذلك، لقد نلتِ الشرف يا فتاة.
تنهدت ابتهال وهي تتوجه نحو المطبخ:
- تعاليا، ساعداني بنقل الأطباق إلى المائدة، وكفاكما حديثًا.
لتتوجه الاثنتان خلفها للمساعدة.
««::::::::::::-::::::::::::::»»
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.