الفصل الرابع والسبعون
**
بدأت ريليان تتراجع للخلف، تركت يد سليم، وضغطت على أذنيها بكل قوتها، وكأنها تريد ألا يصل صوت والدها إليها، وقف سليم أمام جرير وبرز الغضب في ملامحه بعدما رأى حالتها،:
- هل عودتها إلى دينها السابق وهو الإسلام، أمر يغضب العذراء؟
ثم أردف بنبرة أكثر حزمًا:
- من فضلك لا تتعب نفسك يا سيد جرير، فقد تعلق قلبها بالإيمان. والآن أطلب منك بكل هدوءٍ واحترام أن ترحل، فقد بدأت تثير أعصابي وأعصاب زوجتي... فارحل قبل أن أتصرف بطريقة لن تعجبك.
ابتسم جرير بسخرية، وأدار نظره نحو ريليان التي كانت تجلس في الزاوية منكمشة على نفسها، وما زالت واضعةً يديها على أذنيها، وكأنها تحاول الهروب من كلماته، ثم عاد بنظره إلى سليم، وقال ببرودٍ مستفز:
- ماذا ستفعل؟ هل ستسحرني كما سحرت ابنتي؟ فهذا ليس غريبًا عن كائنٍ حي ذو لحية وشارب وجلباب أبيض قصير... كاذب ماهر وكبير، وستكون كذلك دائمًا.
نظر سليم إلى ملابسه للحظة، ثم رفع حاجبه باستهزاءٍ هادئ:
- أين الجلباب الأبيض؟ فأنا أرتدي قميصًا أزرق وأسود.
خرجت ضحكة خفيفة من ابتهال التي كانت تتابع الموقف، رغم التوتر الذي يملأ المكان، فـ أغمض جرير عينيه بغضب، وكأنه لم يحتمل هدوء سليم وسخريته، ثم التفت نحو ريليان:
- تعالي يا ريليان.
زفر سليم بضيق من إصراره، ثم خاطبه بحزم:
- من فضلك، يمكنك الخروج الآن وعدم العودة. لقد أخبرتك زوجتي أنها لا تريد الذهاب معك.
شدد سليم على كلمة "زوجتي"...
لم تكن مجرد كلمة، بل رسالة واضحة لجرير بأن ريليان لم تعد تحت سلطته، وأنها أصبحت صاحبة قرارها وحياتها.
لكن جرير لم يتقبل ذلك، اندفع نحوه، وألصقه بالحائط، وصاح بغضبٍ ظهرت معه عروق رقبته:
- لا تقل زوجتي! ليست زوجتك، ولن أعترف بهذا الزواج مطلقًا... هل فهمت يا هذا؟
ثم ابتعد عنه متوجهًا نحو ريليان، وانحنى قليلًا، وأمسك يدها محاولًا إجبارها على الوقوف:
- ستأتين معي... وستعودين إلى دينكِ، وستتزوجين أمبر.
اشتعل الغضب داخل سليم عند سماع اسم أمبر، لم يعد يحتمل أكثر، تقدم نحوه وأبعد يده عن ريليان، وصوته يحمل نفاد صبره:
- ألا تفهم يا سيد؟ أخبرتك أنها زوجتي... زوجتي. ضع هذه الكلمة في عقلك، واخرج من منزلي الآن.
شهقت ريليان عندما باغته جرير بلكمةٍ أصابت فكه، وضعت يدها على فمها بصدمة، فلم تتوقع أن يصل غضبه إلى هذه الدرجة.
تحدث سليم من بين أسنانه، محاولًا كبح نفسه رغم الألم:
- لن أردها لك لأنني أحترم سنك يا سيد جرير... لكن أقسم بالله أنك إن لمست ريليان، فلن أرأف بك بسبب عمرك. هل فهمت؟
لكن جرير لم يفهم تحذيره، بل اعتبر ضبط سليم لنفسه ضعفًا، وجه إليه لكمةً أخرى، ثم توالت الضربات، بينما بقي سليم يحاول السيطرة على نفسه.
وفي لحظةٍ غفلة، وبعد أن التفت سليم نحو ريليان، اندفع جرير إليها وأمسك بشعرها.
صرخت ريليان بألم، وأمسكت يد والدها محاولةً تخفيف قبضته عنها، بينما انهمرت دموعها من شدة الخوف والوجع.
هنا...انكسر آخر خيطٍ من صبر سليم، لم يعد يرى أمامه سوى خوفها وألمها، مسح الدماء التي سالت من فمه ووجنته، والتي تسبب بها خاتم جرير، ثم اندفع نحوه.
أمسك بيده، وثناها خلف ظهره حتى شل حركته، وصوته يخرج بغضبٍ لم تستطع ملامحه إخفاءه:
- قلت لك لا تلمسها... وإلا فلن أرأف بك.
زاد ضغطه قليلًا، رغم أن جرير كان أطول منه، ثم تابع بحزم:
- إن كنت تريد أن تخرج من هنا سالمًا وبكامل قوتك... فاخرج الآن. وصدقني، لن أتردد في وضعك بالمشفى إن اضطررت.
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف جرير، أغمض سليم عينيه بضيق، ثم تركه وابتعد عنه، توجه فورًا نحو ريليان، التي كانت تبكي بانهيار، وانحنى أمامها، محيطًا كتفيها بذراعيه ليهدئ ارتجافها.
كان بكاؤها يؤلمه أكثر من أي ضربة تلقاها، شعر وكأن صوت دموعها يمزق قلبه.
نظر جرير إلى الهاتف، ثم أغلق الاتصال، وبعدها وجه نظره إلى سليم:
- صدقني... ستندم.
ثم أضاف ببرود:
- وحتى الآن لم أقم بأذيتكم، لأن هذا كان طلب رلين... وأنا لا أستطيع رفض طلبٍ لها.
التفت نحو ريليان، ونظر إليها طويلًا:
- أما أنتِ يا ريليان... فقد اخترتِ طريقك، فلا تطرقي بابي مرة أخرى، وانسي أن لديكِ عائلة. كانت هذه محاولة أخيرة لمسامحتك، لكنك رفضتها بكل قوة.
ثم تابع بصوتٍ يحمل تهديدًا:
- أريد فقط أن أخبركِ بشيء، رلين حقًا متعبة، وإن حصل لها شيء، فلن أرحمك حينها أبدًا. ولن يستطيع زوجك هذا أن يقف أمامي أو يخلصك مني.
ثم نظر إلى سليم بسخرية:
- تلك الدماء بجانب فمك... هدية مني. أظنها أعجبتك، وأتمنى أن تكون تذكارًا جميلًا لزواجكم.
استدار جرير متوجهًا نحو الخارج، وفي اللحظة التي اختفى فيها صوته، ارتمت ريليان بين ذراعي سليم وهي تشهق بالبكاء.
ضمها إليه بحنان، وربت على ظهرها محاولًا تهدئة رعبها، ثم همس بجانب أذنها:
- يكفي بكاءً... أنا بجانبكِ.
اقتربت ابتهال منهما، وعيناها تحملان الحزن لما حدث، ثم خاطبته:
- خذها للأعلى يا سليم... اجعلها ترتاح قليلًا.
ثم همست له بألم:
- ليس هينًا ما حدث لها، إنه صعبٌ جدًا.
اعتدل سليم، وحمل ريليان بين ذراعيه، وقلبه مثقل بما تعرضت له، توجه بها نحو الأعلى، لكنه توقف عندما رأى سارة تجلس عند أول السلم، تبكي بصمت.
ابتسمت له فور رؤيته، ثم اندفعت تعانقه وتعانق ريليان التي كان يحملها:
- حمدًا لله أنه ذهب، كنت خائفة يا سليم.
انحنى قليلًا وقبّل جبينها بحنان:
- لا تخافي يا سارة... أنا موجود لحمايتكم، حبيبتي. هيا اذهبي إلى غرفتكِ أو اذهبي إلى أمي.
أومأت له، ثم اتجهت للأسفل، أما سليم، فأكمل طريقه نحو غرفته، بينما كانت ريليان تزيد تشبثها بقميصه، وقد ابتل القماش بدموعها.
لم تكن تخشى جرير فقط...بل كانت تخشى كل الألم الذي عاد معها من الماضي، لكن بين ذراعي سليم، شعرت للمرة الأولى أنها ليست وحدها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في المساء، جلست سما بجانب ريم بعدما تأكدت من خلود إبراهيم للنوم.
طوال الوقت كانت هي وريم تتناوبان على مساعدته وتلبية طلباته، فحالته بعد خروجه من المشفى كانت تحتاج إلى عنايةٍ مستمرة.
نظرت سما نحو عمر الذي كان يجلس يرسم، لكن شروده كان واضحًا على ملامحه، فاقتربت من ريم وهمست لها:
- ما به منذ الصباح هكذا؟
تركت ريم قطعة الثياب التي كانت تخيطها لإبراهيم بعدما طلب منها ذلك، ثم رفعت نظرها نحو عمر وأجابت بهدوء:
- ماذا برأيك يا سما؟
تنهدت سما، وأسندت رأسها على كتف ريم، وكأنها تبحث عن مكانٍ تشارك فيه ثقلها:
- ليس وحده من يشعر بالجفاء يا ريم...
صمتت للحظة، ثم تابعت بصوتٍ يحمل الكثير من الألم:
- صحيح أنني أحب إبراهيم، وهو يحبني أكثر منكِ، لكن ما فائدة هذا الحب إن كان يتحول إلى قيودٍ تحاصرني في كل تصرفاتي؟!
رفعت رأسها عن كتف ريم، ونظرت إليها بحزن:
- هل يُعقل أن يكون مجرد اتصالي بوالدتي أمرًا ممنوعًا؟ هي الوحيدة التي يسمح لي بالحديث معها، ومع ذلك عليّ أن أصور الوقت قبل المكالمة وبعدها.
ابتسمت بمرارة:
- هل هذا حب يا ريم؟ هل الحب يعني أن يمنعني من الخروج أو أن أشعر بأنني محاصرة؟ أنا فقط أريد أن أشعر أنني حرة.
ترددت قليلًا قبل أن تخرج ما تخفيه داخلها:
- ريم... أنا أفكر بالطلاق بجدية تامة. هل تساعدينني في ذلك؟**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!