الفصل الخامس والأربعون
نظرت ريليان إلى سليم بخوف، ليلتفت إليها تلقائيًا، ويشاهد الرعب يرتسم على ملامحها. أخفض عينيه مستغفرًا ربه بضيق، ثم تنهد وهو ينظر باتجاه الباب بتوجس، مستمعًا إلى قوة الضربات التي كادت أن تخلعه من مكانه.
ازدادت الضربات على الباب، ليعتدل سليم في جلسته ويتوجه نحوه، مما جعل ريليان تقف تلقائيًا أمامه تمنعه من الذهاب، وتخاطبه بخوفٍ كبير:
- لا تذهب، أرجوك، إنها عائلتي، لا بد أنه أبي.
زفر بثقل، ثم توجه نحو الباب، لكنها اقتربت منه مرةً أخرى متحدثةً برجاءٍ وتوسل:
- أرجوك، لا تفتح الباب، سيؤذوننا جميعًا. غير ذلك، إن اليوم هو موعد زفافي بأمبر.
اعتدلت ابتهال، ثم توجهت إليها واضعةً يدها على كتفها مطمئنةً إياها:
- اهدئي يا ريليان، فسليم يستطيع التعامل معهم. غير ذلك، إن الله معنا، لا تقلقي.
نظرت إليه بعينين راجيتين ومتوسلتين، ليغمض عينيه متنهدًا بضيق. لم يعلم لماذا شعر فجأة بالغضب والضيق عندما أخبرته أن اليوم هو يوم زفافها.
خاطبها ببعض الضيق:
- لا تقلقي يا آنسة، لا يستطيع أي أحدٍ أن يؤذيكِ أو يزوجكِ دون إرادتكِ. اطمئني.
كانت طرقات الباب تزداد قوة، ليأخذ سليم نفسًا عميقًا، ثم يتقدم منه ويفتحه بحذرٍ شديد وتأهب، لينظر إلى الطارق بتوجس.
تنهد براحة، وقد انزاح ثقلٌ كبير عن عاتقه عندما وجده همام يقف أمامه، ليعقد حاجبيه باستغراب من ملامحه التي تدعو للقلق.
نظر همام إليه بعينين دامعتين، ثم تحدث باعتذار:
- أعتذر للإزعاج في هذا الصباح، لكن هل الآنسة سارة موجودة؟
نظر سليم إليه باستفسار، وهو يعقد بين حاجبيه:
- أجل، موجودة، لكن لماذا تريدها يا أخي؟
تحدث همام بصوتٍ متحشرج:
- إن أمل بحاجةٍ إليها، أرجوك أسرع بمناداتها.
خاطبه سليم بقلقٍ كبير:
- ما بها أمل؟ هل هي بخير؟
زفر همام بتقطع، لا يريد أن يبكي:
- إنها في المشفى.
نظر إليه سليم بصدمة، ليستمع إلى صوت شهقة الجميع من الداخل، ثم تساءل بقلقٍ أكبر:
- لماذا؟ ما بها؟ هل هي بخير؟
أغمض همام عينيه بضعف، ثم أجابه والدموع تملأ عينيه:
- لا أعلم، لكن أرجوك استدعِ الآنسة سارة من فضلك.
كاد سليم أن يجيبه، لتتقدم سارة منه بعدما وضعت حجابًا على رأسها، ودموعها تسيل على وجنتيها، ثم خاطبته ببكاء:
- أنا سارة، ما بها أمل؟ أرجوك أخبرني.
نظر همام إليها، ليجدها فتاةً صغيرة. كان يظن أنها فتاة في بداية العشرينات، وليس طفلةً بعمر الثانية عشرة أو الثالثة عشرة.
تحدث زافرًا بثقل:
- إنها مريضة، وهي بحاجةٍ إليكِ، وأنا هنا بناءً على طلبها.
نظرت سارة إلى سليم بتوسل:
- سليم، أرجوك خذني إليها.
نظر إليها سليم، ثم ابتسم بهدوء:
- حسنًا يا سارة، سأخذكِ.
ثم خاطب همام بعدما نظر إليه:
- في أي مشفى هي الآن؟
تنهد همام براحةٍ لموافقتهم، فقد علم أن سليم صعب التعامل منذ المرة السابقة:
- في المشفى الخاص بمركز المدينة.
تقدمت ابتهال من سليم، مخاطبةً إياه بقلب أمٍ مفطور:
- وأنا أريد أن أذهب إليها أيضًا، لقد جهزت نفسي.
عقد سليم حاجبيه باستغراب وتعجب:
- أين تريدين أن تأتي يا أمي؟ ثم من سيبقى عند ريليان؟
تقدمت ريليان منه، متحدثةً بصوتٍ باكٍ:
- وأنا أريد أن أذهب أيضًا، أريد أن أطمئن عليها.
زفر سليم بقلة حيلة، ثم نظر إلى سارة مخاطبًا إياها بهدوء:
- اذهبي وبدلي ثيابكِ بعباءةٍ بسرعة يا سارة، فلا يجوز هكذا.
أومأت له، ثم ذهبت نحو الداخل، لتلحق بها ريليان وتساعدها في تبديل ثيابها.
بعد مدة، كان الجميع في المشفى يقفون خلف زجاج إحدى الغرف، وينظرون إلى ذلك الجسد الضئيل الذي يتوسط السرير الأبيض.
نظرت سارة إلى أمل بحزنٍ شديد، لتجدها جسدًا بلا روح، نائمةً على سرير المشفى، وهناك عدة أسلاك موصولة بها. سلكٌ يصل بيدها اليسرى وموصول بعدة أسلاكٍ أخرى، وسلكٌ يحاوط أنفها، وعدة أسلاكٍ موضوعة على صدرها، وجهاز دقات القلب يصدر أصواتًا مختلفة.
احتضنتها ابتهال عندما بدأت دموعها بالهبوط، ثم خاطبتها ببعض الثقة:
- كفاكِ بكاءً يا سارة، سوف تكون بخيرٍ بإذن الله.
لم تتفوه بأي حرف، لتقترب منها ريليان وتربت على كتفها، وهي تمسح دموعها التي كانت تسيل هي الأخرى.
التفت سليم إلى همام الذي كان يجلس بعقلٍ شارد، ثم جلس بجانبه مخاطبًا إياه مستفسرًا:
- هلّا أخبرتني ما الذي حدث معها؟ كيف لها أن تكون هكذا بلا أي روح؟
نظر إليه، ثم تنهد مجيبًا:
- عندما كنا في ألمانيا، ارتفعت درجة حرارتها، واستطعت خفضها بسهولة دون أخذها إلى أي طبيب، كما كنت أفعل في الأيام السابقة. لكن الأمر تكرر في اليوم التالي، ولم تقبل أن تنخفض بأي مضاد حيوي أو بأي مياه كنت قد استخدمتها معها. أحضرت لها طبيبًا، وكتب لي مضادًا حيويًا آخر، لكن يبدو أنه كان مبتدئًا ولا يعلم أي شيء، لأنها حينها انخفضت، ثم عادت ترتفع مرةً أخرى في الطائرة ونحن عائدون إلى الوطن.
تنهد بحزنٍ، ثم أكمل بغصة:
- هذا غير إصابتها بالغثيان، والتقيؤ، وإصابتها بالتشنجات العديدة. كانت أحيانًا تشعر بألمٍ في رقبتها، وأحيانًا في منطقة الظهر، ثم فجأة أصبحت تعاني من حساسية تجاه الضوء. صحيح أنني لا أكون معها في جميع الأوقات؛ لأنني أسافر بسبب طبيعة عملي، لكنني كنت متابعًا لحالتها مع مشرفتها. كانت ترفض أن يتم عرضها على أي طبيب؛ لأنها تخاف منهم لسببٍ لا أعلمه.
كانت سارة تستمع إليه، لتنفجر ببكاءٍ أقوى من ذي قبل.
نظرت ابتهال إلى ريليان التي كانت تبكي هي الأخرى، لتقع في حيرةٍ من أمرها. تنهدت بقلة حيلة، ثم ربتت على كتفها بهدوء، وبعد ذلك توجهت نحو المقاعد وجلست، وأخذت الاثنتين في أحضانها.
أكمل همام ببعض الراحة:
- لكنها استيقظت صباحًا، وطلبت رؤية الآنسة سارة، والحمد لله، وها هي قد رجعت لحالها مرةً أخرى، لكنها حتى الآن لم تستيقظ.
تنهد سليم متحدثًا براحة، وهو ينظر إلى والدته التي تحتضن الاثنتين:
- الحمد لله.
««:::::::::::::::::::::::::::»»
أبعدت سما ناظريها عن إبراهيم، ثم تحدثت بتوتر:
- كنت أقول بما أن ريم لديها عمر وعليّ، فيكفينا هما في البيت، أليس كذلك؟
نظر إليها بشكٍ، مخترقًا عينيها بنظراته، ثم تحدث:
- ماذا تقصدين بهذا الكلام يا سما؟ يبدو أن استيعابي أصبح بطيئًا بعض الشيء.
نظرت إليه سما بتوتر، وهي تتحدث بريبة مما هو قادم:
- أقصد أنه لا داعي لأطفالٍ آخرين مني، أي أنني لا أريد أن أنجب أطفالًا، كما أخبرتني قبل شهر بأنك تريد أن يصبح لديك طفل مني.
نظر إليها إبراهيم بصدمةٍ من حديثها، ثم خاطبها متسائلًا:
- لماذا؟ ألا تريدين أن تصبحي أمًا وتجربي شعور الأمومة يا سما؟ ألا تريدين أن تنجبي طفلًا مني؟
صمت قليلًا، ثم تحدث بشكٍ كبير:
- أم أنكِ لا تريدين أن تنجبي حتى لا يكون هناك رابط بيننا يا سما؟
نظرت إليه سما باستغراب من حديثه، ثم أجابته نافية:
- ما الذي تقوله يا إبراهيم؟ اعقل حديثك وكفاك...
قاطع حديثها بغضب، مبتعدًا عنها:
- نعم، لا تريدين الإنجاب حتى إذا أردتِ الانفصال عني تنفصلين بسهولة ووقتما تشائين، أليس كذلك؟
تنهدت سما بيأس، ثم أجباته وهي تنظر إليه:
- أهذا الذي ظننته؟ لا، ليس هذا تفكيري إطلاقًا يا إبراهيم.
نظر إليها مستفسرًا:
- إذًا ماذا تقصدين؟ لم أعد أفهم شيئًا.
أغمضت عينيها، ثم نظرت إليه بعد لحظة:
- إنني أخشى أنه إن أصبحتُ أمًا وأنجبت طفلًا، سوف أصب كل اهتمامي على هذا الطفل. ألن تغضب إن لم أعد أهتم بك؟ أليس هذا كان كلامك عن ريم؟ وأنك تقول إنها أصبحت تهتم بالطفلين ولا تهتم بك، على الرغم من أنني لا أرى ذلك إطلاقًا. وبالرغم من ذلك تتهمها بالتقصير وتغضب منها دون أي سبب، إذًا ستغضب مني حينها وتتهمني كما تتهم ريم تمامًا، أليس كذلك؟
أومأ لها إبراهيم مؤكدًا:
- بالطبع سوف أغضب.
خاطبته سما بتأكيد:
- إذًا كيف تطلب مني الإنجاب وأنت تعلم العواقب؟
صمت لبعض الوقت مفكرًا، لتتابع سما مقترحة:
- ما رأيك أن نترك الأمر للظروف يا إبراهيم؟ وأنا بنفسي سوف أطلب منك ذلك الطفل.
أغمض إبراهيم عينيه بيأس من ذلك، فهو يتمنى أن تربطه بها رابطة قوية، لا يريدها أن تتركه، ويريد منها طفلًا.
أجابها بعدما فتح عينيه:
- حسنًا يا سما، كما تشائين. سوف أترك الموضوع جانبًا الآن، ولكني لن أنساه، وسنتحدث فيه في وقت قريب.
بعد ذلك توجه إبراهيم باتجاه الباب ليخرج إلى الخارج، فقد شعر بضيقٍ شديد وغضبٍ كبير من حديثها هذا.
««:::::::::::::::::::::::::»»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!