الفصل التاسع والسبعون
**
زمّت أمل شفتيها بضيق، وهي على وشك البكاء، ليخاطبها هُمام متنهدًا:
- أميرتي، افهمي جيدًا، لا يجوز ذلك، فسارة مشغولة بدراستها.
بدأت الدموع تترقرق في عينيها، مما جعله يستغفر بضيق من عنادها، ثم خاطبها بهدوء:
- ما رأيكِ أن نعقد اتفاقًا؟
نظرت إليه باهتمام كبير، وأومأت له، مما جعله يُكمل:
- سوف ننام الآن، فالساعة متأخرة، وفي الصباح نهاتف أخاكِ سليم، وتخبرينه بما تريدين.
زفرت بضيق، وأخذت تفكر في الأمر جيدًا، ثم هبطت إلى الأرض على قدميها، وهي تعدل فستانها الوردي، وقالت:
- حسنًا، اتفقنا، ولكن سأخبره أن يأتي إلى هنا للأبد، وأن يروي لي قصة أيضًا. والآن تصبح على خير يا عمي.
قالتها وهي تقبل وجنته، ثم توجهت نحو غرفتها بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
زفر من عنادها الذي لا ينتهي، ولأول مرة لم تُجادله كثيرًا.
وما إن سمع رنين هاتفه، حتى اتجه نحوه ببعض الإحباط عندما علم أن المتصلة ليست سارة، فقد خصص لها نغمةً مميزة تختلف عن الجميع.
أجاب والدته باشتياق:
- مساء الخير يا أمي، كيف حالكِ وحال أبي؟
خاطبته بهدوء:
- مساء الخير يا بني، بخير والحمد لله.
ثم أكملت بجدية:
- همام، أريد أن أتحدث معك غدًا في أمرٍ ما.
أثار حديثها قلقه، فسألها وهو يعتدل في جلسته:
- ما الأمر يا أمي؟ هل كل شيءٍ بخير؟ وهل أبي بصحة جيدة؟
أجابته بالهدوء ذاته:
- لا تقلق، إنه بخير. تعال في الصباح، وستعرف ما هو الموضوع الذي أريد التحدث معك بشأنه.
عاد ليجلس على الأريكة زافرًا بقلة حيلة، فمنذ زمنٍ بعيد لم يذهب إلى بيت العائلة.
ثم أجابها باحترام:
- كما تشائين يا أمي، هل تريدين شيئًا آخر؟
أجابته بالنفي قبل أن تغلق الخط:
- لا يا بني، تصبح على خير.
ابتسم بهدوء وقال:
- وأنتِ من أهل الخير يا أمي.
أغلق الهاتف مع والدته، ثم أرسل رسالةً إلى سارة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يضغط زر الإرسال.
بعدها توجه إلى غرفة أمل، ودلف إليها بهدوء، ليجدها تحتضن دميتها "سوزي" التي كانت هديةً من سارة.
انحنى وقبّل جبينها، ثم خرج وأغلق الباب برفق، واتجه بعدها إلى غرفته، لعلّه ينعم ببعض النوم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
أغلقت سارة كتاب الفيزياء، ثم زفرت بتعب شديد وهي تُرجع رأسها إلى الخلف، مما جعل ريليان تنظر إليها بإرهاقٍ لا يقل عنها، وقد ارتسم التعب بوضوح على ملامحها.
اعتدلت في جلستها، وأخذت كتابها وقلمها، ثم خاطبتها بإرهاق:
- لقد تعبت، إنني ذاهبة. تصبحين على خير يا سارة.
وقبل أن تتحرك، سألتها متذكرة:
- غدًا إجازة، أليس كذلك؟
أومأت لها سارة مؤكدة، وأجابت بنعاس:
- صحيح، لأول مرة يمنحوننا إجازة. رزق الله كل محروم.
وضعت ريليان يدها على فمها وهي تتثاءب، ثم قالت بنعاس:
- اللهم آمين. لا أعلم لماذا أشعر بهذا التعب والنعاس الشديد. إنني ذاهبة، في أمان الله.
كادت أن تخرج، ليطرق سليم باب الغرفة بهدوء.
توجهت ريليان وفتحت له الباب، فقد أصبحت تحفظ طريقته في الطرق.
ابتسم لها بمجرد أن رآها أمامه.
لتتحدث سارة بابتسامةٍ خبيثة:
- ماذا يا سليم؟ هل اشتقت إليها، أم أنك تريد الاطمئنان عليّ؟ إن كان الأمر كذلك، فلا تقلق، لم آكلها، ها هي أمامك سليمة، كنا نذاكر ليس إلا.
ضحك لمزاحها المحبب إلى قلبه، ثم توجه إليها وقبّل رأسها قائلًا:
- حسنًا أيتها المشاكسة، أغلقي كتابك ونامي، ولا داعي للسهر، فقد سمعت أن غدًا إجازة.
أومأت له مؤكدة:
- أجل، صحيح. لقد منحنا وزير التربية والتعليم إجازة؛ لأن الله رزقه أول طفلٍ له بعد سنواتٍ من الحرمان، ولا تقلق، سأنام بعد أن أنهي ما بيدي، فلم يتبقَّ سوى سؤالٍ واحد.
أومأ لها بتفهم، ثم التفت إلى ريليان التي كانت تنتظره بابتسامة، فأخذ كتابها منها، ثم خاطب سارة قبل أن يخرج:
- لا تتأخري، أنهي ما بيدك، ثم اخلدي إلى النوم.
أعادت نظرها إلى كتابها بعدما أُغلق الباب، ثم زفرت بضيق وهي تحدق في السؤال أمامها.
وفجأة، سمعت إشعار وصول رسالة.
زحف اللون الوردي إلى وجنتيها عندما بدأت تقرأ ما وصلها:
"جنةُ الحب أسميتكِ، وروحي وقلبي أهديتكِ، وعلى رأسي وضعتكِ، وبأجمل مساءٍ سألت الله الذي لن تطيب الدنيا إلا بذكره، ولن تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولن تطيب الجنة إلا برؤيته، أن يديم الحب بيننا، ويقوي إيماننا، ويرفع قدرنا، ويشرح صدورنا، ويسهل خطانا إلى دروب الجنة معًا."
قرأت الرسالة أكثر من خمس أو سبع مرات، ثم أغلقت الكتاب، فلم يعد هناك مجال للدراسة بعد كلماته.
اعتدلت متوجهةً نحو سريرها، تحاول النوم، بينما ترتسم على شفتيها ابتسامةٌ غامرة بالسعادة، بعدما أرسلت إليه رسالةً قصيرة لم تحتوِ سوى كلمتين:
- اللهم آمين.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
دلفت ريليان إلى غرفتهما قبل سليم، ثم وضعت كتابها في حقيبتها بعد أن أخذه منها.
نظرت إلى السرير باشتياقٍ كبير، ثم ارتمت عليه بإرهاق.
صحيحٌ أنها لم تُجهد نفسها في ترتيب المنزل مع ابتهال وسارة، لكن هذه الدراسة الجديدة أرهقتها كثيرًا، وهي تحاول فهم المواد التي تسمع عنها لأول مرة، بسبب انتقالها إلى مدرسةٍ جديدة واختلاف ديانتها السابقة.
تدثرت بالغطاء، محاولةً مقاومة النوم حتى يخرج سليم من الحمام.
وبعد دقائق، خرج سليم وقد بدّل ثيابه، فنظر إليها بابتسامةٍ هادئة، ثم اتجه وجلس بجانبها.
بادلته الابتسامة، ثم خاطبته بصوتٍ لم يكن مفهومًا كثيرًا من شدة نعاسها:
- أخبرني قصة إحدى زوجات النبي كما وعدتني اليوم.
أومأ لها متذكرًا، ثم قال وهو يتدثر بالغطاء إلى جوارها:
- سأبدأ لكِ بأول زوجةٍ له، لكن عليكِ أن تنتبهي جيدًا، حسنًا؟ مع أنكِ قرأتِ عنها في أول يومٍ من زواجنا.
أومأت له، ثم اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى ذراعه، ودسّت نفسها بين أحضانه، مغمضةً عينيها.
ابتسم لحركتها التي بات يعشقها، ثم بدأ يتحدث بهدوء:
- لقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة زوجة، وكانت أولاهن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوجها خمسًا وعشرين سنة، بينما كانت السيدة خديجة في الأربعين من عمرها، وكانت ت...
قطع حديثه عندما شعر بأنها قد غفت.
نظر إليها مبتسمًا بحنان، ثم قبّل رأسها وهمس قبل أن يغمض عينيه:
- هداكِ الله يا ريليان.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
استيقظت رلين في الصباح، ثم هبطت إلى الطابق السفلي، لتجد إلينا تجلس بجانب والدتها، ويبدو أنهما تتناقشان في أمرٍ ما.
تقدمت نحوهما، وجلست بجانب والدتها، ثم سألت باستغراب:
- لماذا جئتِ يا فتاة؟ أليس زفافكِ بعد أربعة أيام؟ ثم إن ستيف في عمله.
ابتسمت لها إلينا مؤكدة، وهي تضع ساقًا فوق الأخرى، وقالت:
- هذا صحيح يا عزيزتي رلين، لكنني جئت لأسأل جولي عن أمرٍ يخص ستيف.
هزت رلين رأسها بتفهم، ثم نظرت إلى والدها الذي تقدم نحوهن، ويبدو أنه ذاهب إلى الكنيسة بعد انقطاعٍ دام مدةً طويلة، فقد كان يرتدي ثيابه الخاصة.
سألته بسعادةٍ كبيرة:
- هل أنت ذاهب حقًا؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!