الفصل السابع والستون
**
اعتدل سليم في جلسته بتردد، ثم اقترب منها وجلس بجانبها، وقال بنبرة هادئة مليئة بالحنان:
- لا تتذكري أي شيء حدث في السابق... هذا أول طلب مني لكِ.
نظرت إليه، فرأت الجدية التامة في ملامحه.
فسألته بتعجب:
- هل أنت جاد؟ إنه شيء فوق استطاعتي.
أجابها بثبات:
- أجل، أنا جاد.
ثم حاول أن يخفف عنها بابتسامة:
- والآن عليكِ الابتسام بعد حزنكِ، ولا أريد أن أرى دموعكِ بعد ذلك.
نظرت إليه باستغراب، ليكمل بمزاح لكنه كان يعني كلماته:
- على الأقل ابتسمي في وجهي، فتبسمكِ في وجه أخيكِ صدقة.
لم تستطع منع نفسها من الابتسام، فتنهدت وهي تنظر إليه متسائلة:
- هل عليّ تنفيذ كل ما تطلبه يا سليم؟ لقد قلت في خطبتك إن الزوجة عليها طاعة زوجها في كل أمر، وأنت قلت الآن إنه عليّ طاعتك.
نظر إليها ليوضح لها ما التبس عليها:
- انظري يا ريليان، الطاعة ليست بلا حدود، وإنما تكون فيما يرضي الله. لقد جعل الله للرجل قوامة على المرأة، وهذه القوامة ليست تسلطًا، بل مسؤولية وقيامًا بالواجب.
ثم بدأ يوضح لها بهدوء ما أراد:
- قال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ...﴾
ثم تابع:
- أي أن الرجل مسؤول عن رعاية أسرته والقيام بحقوقها، والزوجة الصالحة تكون مطيعة لله أولًا، ثم لزوجها في المعروف، وتحفظ بيتها وزوجها وماله.
كان يتحدث بهدوء، لا كمن يفرض أمرًا، بل كمن يشرح لها شيئًا يريدها أن تفهمه.
قاطعته ببراءة:
- أن تحفظ بعلها؟ من تقصد بهذا البعل؟
ابتسم عندما أدرك ما فهمته:
- ليس كما فهمتِ. البعل يعني الزوج، وقد ورد في القرآن بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وهذا بعلي شيخًا﴾.
أومأت بتفهم:
- أجل، فهمت. أعتذر لمقاطعتك، أكمل.
ابتسم لها:
- لا تعتذري، فمن حقكِ أن تسألي حتى تفهمي.
ثم تابع حديثه، وبعد لحظة من التفكير قال:
- لا إله إلا الله... ماذا كنت أقول؟ أجل، تذكرت.
وأكمل حديثه عن مسؤولية الزوجين وحقوقهما، ثم نظر إليها متأكدًا من فهمها:
- أي أن الزوجة تطيع زوجها فيما يرضي الله، هل فهمتِ؟
أومأت له بخجل:
- أجل، فهمت. وأسأل الله أن يعينني على ذلك، وأن أكون خير زوجة لك.
نظر إليها للحظات، ثم زفر بهدوء قبل أن يقول:
- لا أريد أن أجبركِ الآن على ارتداء الحجاب، مع أنني أعلم أنه أمر من الله، وهو عبادة وطاعة قبل أن يكون مظهرًا.
ثم تابع:
- أريده أن يكون قرارًا نابعًا من داخلكِ، عن قناعة وحب لله، لا مجرد استجابة لأمر مني. لأنني لا أريد أن ترتديه اليوم ثم تخلعيه غدًا.
ابتسم قليلًا وأضاف:
- مع أنني لا أظنكِ ستفعلين ذلك.
ثم عاد للجدية:
- غضبت عندما خرجتِ اليوم بدونه، لأنني كنت أتمنى أن تبدأ حياتنا بطريقة خالية من الذنوب التي نعلمها أو لا نعلمها. لكنني أعلم أيضًا أنكِ حديثة عهد بالإسلام، وأن أمامكِ الكثير لتتعلميه.
ثم أكمل بهدوء:
- لذلك سأكون معكِ خطوة بخطوة، ولن أطلب منكِ أن تعرفي كل شيء في يوم واحد.
ابتسمت له باستحياء، ثم أجابته:
- إنني أريد ارتداءه منذ مدة يا سليم، لكنني أنتظر شيئًا معينًا وسأرتديه بعد ذلك.
ثم أكملت مدافعة عن نفسها ببراءة:
- ثم إنني لا أخرج من المنزل يا سليم لأرتديه، وحتى إنه لا يوجد لدي حجاب خاص بي.
هز رأسه بقلة حيلة:
- هذا ليس مبررًا، لكن لا بأس... يمكنكِ استعارة حجاب من سارة، وإن كنتِ تخجلين من طلبه منها فسأذهب وأحضر لكِ حجابًا خاصًا بكِ وحدكِ.
ابتسمت بسعادة:
- أجل، شكرًا لك.
نظر إليها، وفجأة أدرك أنه نسي كل ما كان يريد قوله لزوجته.
حاول أن يستعين بذكر الله لعله يتذكر، لكن يبدو أن وجودها أمامه جعله ينسى كل شيء.
تنهد بهدوء ثم اعتدل في جلسته:
- إنني ذاهب الآن، لكن لدي طلب آخر منكِ. أريدكِ أن تبدئي بحفظ بعض آيات القرآن، ولا تقلقي، سأساعدكِ في ذلك.
أومأت له بطاعة، ليكمل:
- عليكِ حفظ أول أربعٍ وعشرين آية من سورة البقرة، وإن استطعتِ أن تحفظي سورة الرحمن أيضًا، فسوف تقومين بتسميعها بعد أسبوع من الآن... أي يوم زفافك، حسنًا؟
أومأت له بابتسامة هادئة خجلة.
ثم ابتعد متوجهًا نحو الخارج، وهو يحمد الله على كل شيء.
أما هي، فاعتدلت بخطوات فرحة نحو غرفتها، وقلبها ممتلئ بالامتنان، تشكر الله وتحمده على تحقيق أمنية ظنت يومًا أنها بعيدة.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
ها قد مرَّ أسبوع كامل، ولم يحدث فيه الكثير منذ آخر نوبة هستيريا أصابت رلين، فقد بقيت منعزلة في غرفتها ولم تخرج منها، وعادت إلى حالة الصمت والشرود أحيانًا، وفي أحيان أخرى كانت تتحول إلى وحشٍ ثائر يريد الانقضاض على فريسته بمجرد ذكر ريليان أمامها.
لقد زارتها آليس لتخفف عنها عندما سمعت بعودتها إلى تلك الحالة، لكن الأخرى كانت في عالمٍ آخر، ولم تتحدث معها. لم يكن ذلك تهميشًا لها، وإنما كان هذا حالها، فتقبلت آليس الأمر بحب، وقبلتها قبل أن ترحل.
ثم ذهبت إلى أمبر وأخبرته بأن ريليان تزوجت بحبيبها المحمدي، ليجن جنونه ويبدأ نوبة تحطيمٍ ووعيد. لم تنكر آليس أنها خافت منه في تلك الحالة، وأقسمت بالرب أنه لا يزال يحب ريليان، وإلا لما كانت ردة فعله بهذه القوة.
أما ستيف، فكان يحمد الرب لأن إليا سامحته، فهي تعشقه بجنون ولا تستطيع الابتعاد عنه أكثر من ذلك، وهذا ما أغضب أمبر أيضًا. فكيف لها أن ترتبط بهذه العائلة؟ لكنه عندما رآها تبكي أمامه وتخبره بأنها تحب ستيف، هدأ غضبه وبارك لها، رغم أن داخله كان يتوعد لريليان بالتدمير.
أما جرير، فقد غضب من جوليا كثيرًا، لكنه لم يشأ أن يثور أكثر بسبب رلين. أخبرها أن تهاتفها وتعرف مكانها، لكنها رفضت خوفًا عليها، فهي سابقًا كانت تملك نسبة شك بأنه لن يؤذيها، أما الآن فهي متأكدة أنه سيقضي عليها.
وبالتأكيد لم يترك أمر الحراسة، بل شددها حول المنطقة كلها، فليس من المعقول أن يترك منزله ولا يعود إليه حتمًا، وخاصة أن المنزل كما هو ولم يأخذ منه شيئًا.
أما سمر، فكانت تعيش حالة جمود مع عائلة والدتها. كانت تعلم أن ابن خالة والدتها يحبها، وقد طلبها أكثر من مرة من والدها، لذلك قررت أنه إن عاد بعد ذلك ستفكر في الموافقة عليه. فهي ليست غبية لتقبل به دون تفكير، لكنها كانت تأمل أن تتزوج بسليم.
لكن ماذا تفعل؟ يكفي مقاطعة هاشم لابتهال وسليم. لقد علموا أنها نصرانية وأسلمت، كما تعلم أيضًا أن والدها يكن الكره للنصرانيين بسبب حبه السابق لنصرانية، لكنها رفضته ورفضت الدخول في الإسلام عندما علمت ديانته، وعندما أخبرها أن تسلم نعته بالمتخلف والإرهابي، حيث كان ذلك قبل خمس سنوات من زواجه بوالدتها أماني.
أما همام، فقد عقد قرانه على سارة قبل ثلاثة أيام، وكم كان سعيدًا بذلك، والأكثر من ذلك هو شفاء أمل وسعادتها بأن سارة أصبحت زوجته وستسكن في ذات البيت وستكون معها.
لقد فاتح والدته السيدة نور قبل أن يتقدم لسارة، فوافقت، ففي المرة الأولى التي اتفقوا فيها ذهب معها هو ووالده، وفي المرة الثانية لعقد القران جاء معه إخوته بجانب والديه.
أما أمل، فقد بكت كثيرًا في ذلك اليوم لأنه لم يشأ أن يأخذها معه، لكن سليم أخبره أن يحضرها قبل أن يأتي، وبذلك لا تعرف عائلته بأمر أمل. فهم يعرفون أنها في دار لرعاية الأيتام، وأن همام يزورها بين فترةٍ وأخرى للاطمئنان عليها ليس إلا، لكن في أي دار لا يعرفون.
وبالفعل أحضرها همام قبل موعد قدوم عائلته، وكم كانت جميلة بفستانها الأخضر المتناسق مع لون عينيها.
أما ابتهال، فقد قضت هذا الأسبوع في تجهيز ريليان تجهيز العروس. فسليم لا يعلم بمثل هذه الأمور، مما اضطره إلى أخذها للأسواق لشراء ما تراه مناسبًا، ولم ينسَ شراء حلقة ذهبية لريليان وأخرى فضية له، بجانب المصوغات الأخرى.
لقد تعبت ابتهال وهي تجهز لسارة أيضًا، فقد استُنزفت طاقتها حقًا.
أما بالنسبة لسارة وريليان، فقد اختارتا الفرع العلمي، وتم نقل ريليان إلى مدرسة سارة، فالمدارس على الأبواب ولم يعد هناك وقت للتأخر.
كانتا طوال الأسبوع تساعدان ابتهال في أمور التجهيز، لكن دون خروج، فقد كان هذا الأسبوع شاقًا عليهما، وما زاده شقاءً هو قران سارة بهمام.
لقد حفظت ريليان ما طلبه منها سليم، بل زادت عليه ثلاث عشرة آية من سورة البقرة، ليصبح مجموع ما حفظته سبعًا وثلاثين آية. كما قامت ابتهال بإخبارها عن أمور الزواج وما الذي عليها فعله، ومن هذا القبيل، أي باختصار ما تقوم به الأم مع ابنتها.
أما سليم، فقد كان يتجنبها طوال هذا الأسبوع حتى لا يفعل شيئًا يغضب الله، مع أنها أصبحت زوجته، لكن هناك مشاعر تجتاحه كلما لمحها صدفةً. كان يكتفي بمنحها ابتسامة ثم يبتعد عنها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!