الفصل الثامن والعشرون
**بعد مدةٍ كبيرة، كان سليم يقود السيارة متوجهًا نحو منزل ريليان كي يقوم بإيصالها، نظرت إليه ريليان بتردد لتخاطبه بهدوء، مخفيةً ترددها بابتسامةٍ خفيفة:
- سليم، أريد أن أذهب إلى المركز التجاري، من بعد إذنك.
أبطأ سليم من قيادته قليلًا، ناظرًا إلى طريقه، إذ كان يجب عليه الرجوع مرةً أخرى إلى الطريق العام، وهذا يتطلب بعض الوقت، تحدثت وهي تعتذر بلطف:
- أعلم أنني أثقل عليك، وأعتذر لذلك، لكن كيف سأبرر غيابي لمدة أربع ساعات خارج المنزل؟
أدار سليم مقود السيارة للخلف متوجهًا نحو المركز التجاري حسب طلبها، تنهدت ريليان لتضع رأسها على كتف سارة، فارةً بتفكيرها نحو حياتها القادمة، كيف ستكون، وخاصةً بعدما سمعته اليوم.
أوقف سليم السيارة أمام المركز التجاري، وقبل أن تترجل ريليان من السيارة، أوقفها صوت سليم مخاطبًا إياها بهدوء:
- ماذا تريدين أن تشتري؟
نظرت إليه ببلاهةٍ كبيرة لتجيبه بعد أن استوعبت:
- ماذا؟
تنهد سليم بخفة ليعيد سؤاله:
- ماذا تريدين أن تشتري؟
أجابتها سارة التي كانت تتابع الموقف:
- أخبريه، ريليان، فهو لن يسمح لك بالنزول.
رفعت حاجبها الأيمن متسائلةً بتعجب:
- لماذا، بحق الرب؟
زفر سليم بضيق ليتحدث وهو يفتح باب السيارة:
- بعيدًا عن جملتك الأخيرة، أنهي الجدال وأخبريني.
لم تجبه البتة، ليترجل سليم من مكانه متوجهًا نحو الداخل، وضعت ريليان يدها على مقبض الباب لتجده مُؤمَّنًا، فعقدت يديها أمام صدرها لتتحدث بضيقٍ وحنق:
- لماذا انقلب فجأةً هكذا؟
ضحكت سارة بقوة لتجيبها، ومن وسط ضحكاتها:
- إنه هكذا، لا تهتمي ريلي.
نظرت إليها بضيقٍ كبير لتتساءل بجديةٍ تامة:
- سارة، إنني أتساءل حقًا لماذا لم يسمح لي بالذهاب؟
ابتسمت لها سارة بهدوء وقد ت قفت كليًا عن الضحك:
- سوف تعلمين فيما بعد، ريليان. حتى أنا لا يسمح لي أيضًا، فهو يحضر كل شيء بنفسه، وكانت المرة الأولى التي رأيتِني فيها داخل المكتبة، ولولا أنها ليست في طريقي لما سمح لي.
نفخت وجنتيها بقلة حيلة لتنظر إلى المارة الذين يسيرون أمامها وهي تفكر في تصرفه، بعد حوالي عشر دقائق، فتح سليم باب السيارة، وبيده عدة حقائب مختلفة الأحجام.
أخذتهم منه سارة وهي تنظر إلى محتوياتهم بفضول، ليتحدث سليم وهو يحرك المقود:
- لديكِ سبعة حقائب سارة، الثلاثة الذين بنفس اللون لكِ، والبقية أعطيهم لصديقتكِ.
أعطت سارة ريليان البقية، لتأخذهم الأخرى بفضول، ناظرةً إلى محتواهم، لتنظر إليهم بتعجب وهي ترفع حاجبيها للأعلى، نظرت إليها سارة متسائلةً:
- ما بك؟!
نظرت إليها بوجهٍ محمر، لتتساءل سارة بفضولٍ كبير:
- ما الذي بداخلهم، ريليان؟ هيا، أرني.
تحدث سليم بهدوء، بينما بدأ يقود:
- سارة، التفتي إلى الأمام، ويكفيكِ فضولًا، ما يوجد معكِ يوجد معها.
نظرت إليه عاقدةً بين حاجبيها بضيقٍ حقيقي:
- كيف هذا؟ إن معي ثلاثةً، ومعها أربعة.
لم يجبها بل بدا بالقسادة، لتنظر إلى ريليان بتساؤل:
- ريليان، أخبريني ما الذي يوجد بداخلهم.
كادت أن تجيبها، ليقاطعها سليم بحزم منهيًا الموضوع:
- سارة، كفاكِ تساؤلًا، وانظري أمامك، لستِ صغيرةً على هذه الحركات.
نظرت أمامها ببعض الحزن، تريد أن تعرف ما الذي يوجد بداخلهم حقًا، بعد مدةٍ، أوقف سليم سيارته أمام بوابة منزل ريليان، تحدثت شاكرةً بخجل:
- شكرًا لك سليم، لقد أتعبتك معي، وداعًا سارة، تصبحون على هير
وقبل أن تغلق باب السيارة، تحدثت متذكرةً:
- كيف نسيت أن أعطيك حقك؟
نظر إليها سليم بغضب، ليحرك مقود السيارة عندما أمسكت حقيبتها تريد أن تُخرج المال، نظرت باستغراب إلى السيارة التي تحركت، لتغمض عينيها غير مستوعبةٍ أنه رحل وتركها.
زفرت بقوة لتعيد المحفظة إلى حقيبتها، متوجهةً نحو الداخل.
________**
دلفت سارة المنزل وهي تتحدث بكلامٍ غير مفهوم، لتجد ابتهال تجلس وهي تقرأ في كتاب الله، جلست بجانبها، لتنظر إليها ابتهال بعدما أغلقت ما بيدها، لتخاطبها مستفسرةً:
- ما بكِ، حبيبتي؟
نظرت إلى سليم الذي دلف لتوِّه، لتجيبها بحنق عاقدة بين ذراعيها:
- اسألي سليم ما بي.
توجه سليم نحو ابتهال ليقبل رأسها، متحدثًا بحب بعدما جاس بجانبيها:
- كيف حالكِ، أمي؟
ربتت على يده بحنان ثم نظرت الى سارة:
- لله الحمد، بني. أخبرني، ما بها سارة؟ ألم تعجبها الندوة أم ماذا؟
نظر إلى سارة ليضحك بخفةٍ على منظرها الحانق:
- إن تصرفاتها تصرفاتٌ صبيانية، أمي.
نظرت ابتهال إليهما باستغراب:
- ما الذي حدث بينكما؟
أجابها سليم بضحكةٍ خفيفة وقد ظهرت غمازته:
- إنها تغار من صديقتها.
أجابته سارة نافيةً بصدق مدافعة عن نفسها:
- لا، ليست قصة غيرة، سليم.
نظر إليها مستفسرًا، بينما عقد بين حاجبيه:
- إذًا ما هي القصة؟
نظرت سارة إلى والدتها مخاطبةً إياها بحنق مرةً أخرى:
- أمي، أنتِ احكمي بيننا، الآن سليم ذهب إلى المركز التجاري، وابتاع العديد من الأشياء لي ولريليان فأحضر لي ثلاثة حقائب، ولها أربعة، وعندما سألتها ماذا معكِ؟ قال إن الأشياء كالتي معي.
نظرت ابتهال إلى سليم بتعجبٍ من تصرفه، فهو لم يميز أي أحد من قبل على سارة:
- ولماذا اشتريت لها؟
تحدثت سارة بضيق من سؤال ابتهال:
- أمي، هل نحن الآن عند لماذا اشتريت لها؟ قولي لي ما الذي أحضره زيادةً عني، فقط أريد أن أعلم محتوى الأخير.
ضرب سليم كفًا بكف، ليجيب ابتهال أولًا:
- لماذا اشتريت لها؟ لأنها طلبت ذلك حتى لا تتعرض للمساءلة من قبل والديها، وتعرفين أنني لا أسمح لكِ ولا لسارة بالذهاب للتسوق أيضًا.
هزت ابتهال رأسها متفهمةً، ناظرةً إلى سارة:
- وما الذي يزعجكِ بذلك؟
نظرت إليها سارة بحزن، لتعتدل في جلستها متوجهةً نحو غرفتها، أوقفها سليم نادمًا:
- تعالي، سارة.
توقفت في مكانها لتنظر إليه بعبوس بطرف عينيها:
- ماذا هناك؟
أجابها متوجهًا نحوها مستائلًا:
- يا ذكية، ما الذي يوجد معك؟
زمت شفتيها بضيق متذكرة محتويات الحقائب:
- بعض الحلوى، وبعض السراويل، وأيضًا سترةً شتويةً طويلة.
ضرب رأسها بخفة مجيبٌا بابتسامة حفيفة:
- وهي كذلك.
نظرت إليه بعدم تصديق مضيقة عينيها:
- والأخير، ما به؟
أجابها متنهدًا وقد عاد للحلوي بجانب ابتهال:
- وضعت بعض السراويل في واحدٍ آخر حتى يتبين أنهم كُثر.
تنهدت براحةٍ تامة، لتلحق به تعانقه بسعادة:
- شكرًا لك، سليم.
أبعدها عنه باسمًا بتعجب:
- لماذا؟
رفعت كتفيها إلى الأعلى ثم أخفضتهما:
- لأنك ساعدتها.
تنهد بهدوءٍ وقد تذكر ريليان:
- هذا واجبنا، سارة، أليس كذلك؟
أومات له ثم نظرت الى ابتهال تقبل وجنتبها:
- تصبحين على خير أمي.
فعلت ذلك مع سليم الذي قبل رأسها مرة أخرى:
- تصبحين على خير سارة، واعلمي انني لا افضل اي شخصٍ مهما كان على صغيرتي وابنتي وحبيبتي سارة، اتققنا؟
أومأت له، ثم توجهت نحو الحقائب ممسكة اياهم متوجهة نحو غرفتها.
تنهد سليم بقلة حيلة على عقلها الذي يشبه الأطفال، ثم نظر إلى والدته:
- ما أخباركِ، أمي؟
أجابته ببعض التعب وقد عادت لأبصارها نحوه:
- بخير، بني. أخبرني، كيف كانت الندوة اليوم؟
أجابها بسعادةٍ حقيقية لم تخفى على والدته:
- لقد أعلن أحدهم إسلامه اليوم، لا تعلمين، أمي، كمية السعادة التي تلقيتها.
ابتسمت ابتهال بسعادةٍ كبيرة:
- ما شاء الله، تبارك الرحمن، الحمد لله، اللهم اهدِ وأصلح شباب وفتيات الإسلام، وأبعدهم عن الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
بعد مدةٍ من الحديث، اعتدلت ابتهال في جلستها، مخاطبةً سليمًا بنعاس:
- تصبح من أهل الجنة، بني.
اعتدل سليم ليمسك بيدها كي يوصلها:
- هل تريد أمي الذهاب وحدها من دوني؟ وماذا أفعل وأنا جالس بمفردي هنا؟ هل أتحدث مع نفسي أم مع الأريكة؟
ضحكت بخفة، لتسير معه وهي تحمد الله على صلاح أبناءها.
________****
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!