الفصل الحادي والسبعون
**
اعتدل سليم في جلسته بعدما أنهى تسبيحه، ثم اقترب منها قليلًا، وقبّل رأسها بحنانٍ قبل أن يجيبها، وهو يعدل أطراف حجابها برفق:
- قيام الليل هو نافلة يتقرب بها العبد إلى ربه... وهي من أعظم الطاعات التي يرفع بها الإنسان منزلته عند الله، وفيها يجد المؤمن راحةً وسكينةً لا تشبهها راحة.
تأملته ريليان بصمت، وكأنها تستمع إلى شيءٍ جديد لم تعرفه من قبل.
تابع وهو يبعد يديه عنها، وينظر إليها بابتسامةٍ هادئة:
- هي صلاة تترك نورًا في قلب المؤمن ووجهه، لأنها تكون في وقتٍ يترك فيه الإنسان نومه وراحته، ويقف بين يدي الله وحده.
ثم أردف موضحًا:
- فقد جاء في الحديث أن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فيقول:
"هل من داعٍ فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له" حتى يطلع الفجر.
بقيت تنظر إليه باهتمام، ثم خرج سؤالها بتوجسٍ لطيف:
- هل أفهم من ذلك أن موعدها الآن؟
ظهرت السعادة في ملامحه بسبب تفاعلها ورغبتها في الفهم، فأجابها:
- أجل... صلاة القيام تبدأ بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولكن أفضل وقتٍ لها هو الثلث الأخير من الليل.
ثم ابتسم لها متأكدًا من فهمها:
- هل فهمتِ؟
أومأت برأسها بتفهم، ليبتسم وهو ينهض:
- إذًا هيا بنا.
وقف سليم ليشرع في الصلاة، ووقفت ريليان خلفه للمرة الأولى وهي تؤدي صلاةً لم تكن تعرف عنها شيئًا من قبل.
لكنها لم تقف خلفه بجسدها فقط...
بل وقف قلبها قبل ذلك.
كان قلبها متعلقًا بالله، يبحث عن رحمته، ويرجو قربه، وكأن كل ما حدث في هذه الليلة دفعها أكثر للجوء إليه.
وحين سجدت، انهمرت دموعها بصمت.
لم تكن دموع حزنٍ فقط...
بل كانت دموع عبدٍ وجد بابه الوحيد مفتوحًا.
دعته في سجودها أن يرد عائلتها إليه ردًا جميلًا، وأن يحفظهم من كل سوء، وأن يكفيهم شر خلقه وقسوة الحياة.
دعته أن يلين قلب أختها، تلك التي كانت جزءًا من روحها ونصف قلبها، وأن يجعلها تتقبل ما حدث، وأن يزرع المحبة بينهما من جديد.
ولم تنسَ نفسها...
سألته أن يجعلها زوجةً صالحة، وأن يجعل سليم خير زوجٍ لها، وأن يتم عليها نعمة الإسلام والإيمان، وأن يثبت قلبها على طريقه.
ثم همست بدعاءٍ خرج من أعماقها:
أن يجعل سليم يصدق براءتها تمامًا، وأن يلقي حبها في قلبه.
بعد أن انتهيا من الصلاة، جلس سليم مقابلًا لها، مربعًا قدميه، ثم مد يده نحوها وقال بهدوء:
- أعطني يدكِ.
نظرت إليه ريليان بتوجس، وكأنها تخشى من شيءٍ لا تعرفه، ليضحك بخفة وهو يطمئنها:
- لا تخافي... لن آكلها، أريد أن أعطيكِ شيئًا.
مدت يدها نحوه بتردد، فاحتضنها بين كفيه برفق.
بدأ يسبح ويستغفر الله وهو يمرر أصابعه عليها بحنان.
نظرت إليه باستغرابٍ واضح، وسألته:
- ما هذا؟!
رفع عينيه إليها بعدما انتهى، وأجابها بابتسامةٍ صغيرة:
- أعطيتكِ أجر التسبيح والاستغفار... كان أبي يفعل ذلك مع أمي بعد انتهاء الصلاة، وقد أحببت هذه الحركة منه كثيرًا.
ابتسمت ريليان له بحب...
نسيت للحظةٍ كل الألم الذي مر بينهما قبل ساعات.
كان لطفه معها يمسح شيئًا فشيئًا أثر الجرح الذي تركه السؤال في قلبها.
ثم نظرت إلى يديها بين يديه، وسألته بفضول:
- كم ركعةً هذه الصلاة؟... إنها طويلة جدًا.
بقي محتفظًا بكفها الصغير بين يديه، وأجابها:
- ليس لصلاة قيام الليل عددٌ مخصوص من الركعات، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة".
ثم أوضح لها:
- أي أن المسلم يصلي ركعتين ركعتين، ويسلم بعد كل ركعتين.
اتسعت عيناها مرةً أخرى حين ذكر اسم النبي، وكأن قلبها يفرح كلما سمعت سيرته.
فسألته بمحبة:
- هل نحن نفعل كما كان يفعل النبي دائمًا؟
أومأ لها مؤكدًا:
- أجل، فنحن نحاول أن نسير على نهجه وخطاه.
ظهر الفضول على ملامحها، وسألته كطفلةٍ تكتشف شيئًا جديدًا:
- وكم ركعةً كان يصلي قيام الليل؟
نظر سليم إلى ساعة الحائط، فلم يبقَ على أذان الفجر سوى القليل.
ثم أجابها:
- كان يصلي إحدى عشرة ركعة، فقد قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة.
وفي اللحظة التي انتهى فيها من كلماته، صدح صوت أذان الفجر في المكان.
فالتفت إليها بهدوء وقال:
- ردي خلف الأذان.
بعد أن انتهى الأذان، بقيت ريليان للحظاتٍ صامتة، تستعيد ما حدث منذ ساعات...
ذلك السؤال الذي مزق قلبها، والخوف الذي تسلل إليها من فكرة أن يفقد سليم ثقته بها.
وحين اعتدل سليم في جلسته، لم تستطع منع نفسها من العودة إلى الأمر، فخرج صوتها حزينًا يحمل بقايا ذلك الألم:
- سليم... هل صدقتني؟ أقسم أنني...
لم يدعها تكمل.
رفع إصبعه السبابة ووضعه برفق على شفتيها، يمنعها من إعادة فتح الجرح ذاته، ثم ابتسم لها ابتسامةً مطمئنة، وكأنها كانت تحتاج فقط إلى تلك النظرة حتى يهدأ قلبها.
- سبق وقلت لكِ... انسي ما حدث سابقًا. هل تتذكرين؟ كان هذا أول يومٍ لعقد قراننا.
ثبت عينيه عليها، ثم تابع بهدوء:
- والآن لا تفتحي هذا الموضوع مرةً أخرى يا ريليان. أجل... أنا أصدقكِ، وأعلم سبب هذا الأمر، وهو الاحتمال الثاني الذي خطر لي... أنكِ من النوع الخاص.
توقف قليلًا، ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة:
- لذلك لا أريدكِ أن تتحدثي عنه مرةً أخرى.
تنفست ريليان ببطء، وكأن كلماتِه أزاحت حملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق قلبها.
ثم أكمل سليم بصوتٍ يحمل الندم:
- وبالمناسبة... أنا أعتذر عما بدر مني.
اقترب منها، وضمها إليه برفق، ثم طبع قبلةً طويلة على جبينها، وكأنه يعتذر لها بتلك الحركة أكثر من الكلمات.
ابتعد عنها بعدها وهو يزفر بهدوء:
- أما الآن فسأذهب إلى المسجد لأصلي... انتبهي لنفسك.
تابعته ريليان بعينيها حتى وصل إلى الباب، لكنها فوجئت به يتوقف ويلتفت إليها.
خاطبها باسمها بنبرةٍ هادئة:
- لا تنامي... انتظريني حتى أعود، حسنًا؟
أومأت له، وقد ارتسم على وجهها خجلٌ لطيف:
- حسنًا... مع أنني لا أنام بعد الفجر، أجلس مع أمي ابتهال وسارة.
ابتسم سليم، ثم حرك رأسه قليلًا وهو يتمتم:
- استودعكِ الله.
ابتسمت ريليان رغم كل ما مر بها، وكأن قلبها بدأ يستعيد طمأنينته من جديد، وردت عليه:
- في أمان الله.
خرج سليم، وبقيت هي تتابع أثره بنظراتٍ هادئة.
لأول مرة منذ ساعات، شعرت بأن قلبها بدأ يهدأ...
فقد كانت تخشى أن يكون ذلك السؤال قد كسر شيئًا بينهما، لكنها أدركت أن سليم، رغم ضعفه أمام غيرته وصدمة الموقف، لم يتخلَّ عنها.
وضعت يدها على قلبها، وكأنها تطمئن نفسها أن كل شيءٍ سيكون بخير.
أما سليم...
فقد خرج وهو يحمل في داخله شعورًا مختلفًا؛ مزيجًا من الندم والامتنان.
ندمًا لأنه تسبب بألمها، وامتنانًا لأنه عرف حقيقة قلبها أكثر.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!