50 المجد لنا... نحن الفتيات
- لقد أتوا لقد أتوا هو وأمّه يحملان طبقاً كبيراً وإكليلاً ضخماً من الورود.
كلمات ألقاها «أيّوب» دون توقّف في فضاء غرفتي، ومضى محبوراً لاستقبالهما في الشّارع.
وتملّكتني قشعريرة أحسّت بها «ماما سوسو» فاحتضنتني مهنّئة، ثمّ سمعت زغرودة سرعان ما بدأت تتعالى مقتربة من المنزل، لتساندها زغاريد الجارات، ثمّ صوت جرس الباب، وخفق قلبي بشدّة حتّى خلته سيتوقّف، واكتساني حياء فيّاض.
بعد قليل ستُقرأ فاتحتي على أستاذي الذي أُغرمت به منذ سنوات، وهذا الصّيف إن شاء الله، سأمرّ من تحت ذراع أبي متّجهة نحو منزله، هذا ما وعدني به حبيبي، وسيفي بوعده لي.
- «إلهام السّوبرانو»، ألف مبروك.
التفتّ ورائي مذهولة، ففاجأتني بالتقاط صورة لي من هاتفها.
- مفاجأة، كم هي المدّة التي لم تريا فيها بعضكما؟.
قالتها «صفاء» وهي تنظّف كاميرا هاتفها الجديد.
- «ابتهاج»، متى عدتِ من كندا؟.
- كندا؟... في اللّحظة الأخيرة قبل غلق الأجواء، العالم يغلي.
ثمّ أطلقت العنان للسانها:
- يا شرّيرة، من حسن حظّي أنّي ما زلت أتمتّع برادار قويّ.
- طبعاً طبعا.
قلتها وأنا أقبّلها قبلة حارّة على وجنتها اليمنى، دون أن أخفي إعجابي الشّديد بجسدها المنحوت نحتا، وقد زال عنها كلّ ما كانت تحمله من دهون ومياه، بل أشرق وجهها بعدما اختفت منه كلّ البثور.
- لا تستغربي، ليست عمليّة جراحيّة، ضبطت غريزة الأكل فقط... ليس مستحيلا.
- صحيح؟... يا للرّوعة، أنت حقّاً جميلة «ابتهاج»، والله جميلة.
ورحت أتأمّل ملامحها الجديدة، حتّى أيقظتني:
- انظري ماذا أحضرت، كاميرا من آخر طراز، هديّة خطوبتك، لكن اسمحيلي أن أقدّم لك موهبتي في التّصوير.
- شكرا «ابتهاج»، فعلاً أنتِ تعرفين جيّداً كيف تختارين هداياك.
فأضافت «ماما سوسو»:
- سنخلّد هذه المناسبة، استرخي الآن ولا تفكّري بشيء، نحن جميعاً هنا بجانبك، سنناديكِ يا عروستنا في الوقت المناسب لتقديم القهوة والحلويّات.
وخرجت آخذة «أيّوب» معها، بعدما رجع مسرعاً ليخبرنا أنّهما جالسان في الصّالون مع أبي.
- حفظه الله وسدّد خطاه.
قالتها وعيناها على هاتفها الجديد، ثمّ رفعت كفّيها إلى السّماء بعد وضعه في جيب حجابها الفيروزيّ، متلافية لكمتي التّحذيريّة الخفيفة على كتفها:
- سأراكِ في مكاني حين تأتي «اتّصالات الجزائر».
فابتسمت خجلة، وقد تجسّد وضعها المستقبليّ أمامها.
★★★
ورأيته... يا الله!... نعم، رأيته... والله رأيته، ولفّني عطر ملاكي... وتاجي، وسرّي الدّفين.
في قميص أبيض ناصع نصاعة ثلج قمم الجبال، وسترة كلاسيكيّة رماديّة، خفيف اللّحية والشّارب.
رأيته رابضاً كأسد ينتظر أنثاه، وأمامه باقة ورد كبيرة بلون فستاني، وبجانبه والدته التي ارتدت...
- آآآ... لقد رآني.
والتقت أعيننا... ففررت إلى المطبخ، وما إن دخلت حتّى كانت «صفاء» خلفي مع «ابتهاج»:
- لو التقطت لك صورة، أيّتها الشّرّيرة، كنتِ وراء الباب تتلصّصين.
- شششوت... من؟... أنا؟... أهنّئكِ على هذا الخيال الخصب.
قلتها والحرارة تغزو وجهي متظاهرة بتجهيز الصّينيّة، فقد نزلت إلى المطبخ بنيّة تفقّد ما سأقدّمه لهم، ثمّ وجدت باب الصّالون مواربا، فرحت أختلس النّظرات.
ثمّ اقتربت منّي «ابتهاج»:
- ألف مبروك «إلهام»، وأخيراً انتصرت الشّوكولاتة المرّة على السّكّر، لو لديّ شخص يحبّني كحبّ الأستاذ لك.
- إن شاء الله ستجدين من يقدّركِ كجوهرة ثمينة من جواهر التّاج.
- على فكرة... هل تذكرين المدير؟.
- مدير الثّانويّة؟... ما به؟.
- أُقيل من منصبه العام الماضي، بسبب سوء استخدام المنصب، ووضعوا مكانه مديرة.
ثمّ اقتربت منّي هامسة:
- والمديرة الجديدة -التي كانت أستاذة- اتّصلت بالأستاذ لإنشاء فرقة إنشاديّة.
- لم يخبرني.
- لأنّها اتّصلت به البارحة قبل المغرب بدقائق.
- أوف دعونا من ذلك، «ماما سوسو» تناديك، يا سلام على أختي «السّوبرانو»؛ ما شاء الله... قمر نزل من السّماء، انظري «ابتهاج»... انظري، سيجنّ الأستاذ اليوم... سيجنّ.
وارتعدت فرائصي وأنا أحاول حمل الصّينيّة التي أصبحت بين ليلة وضحاها تزن أطنانا، وأحاول في ذات الوقت إبعاد خصلات شعري التي تتداخل مع مجال رؤيتي، فتشوّش عليّ موضع خطواتي، وقرأت آية الكرسيّ تبرّكا، ودخلت متوكّلة على الله، مطأطأة الرّأس هامسة في استحياء شديد:
- السّلام عليكم.
- وعليكم السّلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً بعروستنا «إلهام»، ما شاء الله على هذا الجمال.
ونهضت من مكانها معانقة مبسملة، مسترسلة في عبارات الثّناء والمدح، بينما وقف هو إلى جانبها، وراحت تقبّلني وهي تضمّني لصدرها بين الفينة والأخرى، ثمّ أجلستني على يسارها ضاحكة:
- لقد حكى لي «سمير» عنكِ كثيرا، ستكونان أروع عروسين، أنا متأكّدة من ذلك.
وأسرّت في أذني:
- أنتظر أطفالكما، لا تتأخّرا كثيرا.
ارتبكت وأنا أنظر نحو خالتي، فأوعزت لي ضاحكة بعينيها أن أصبّ القهوة، وارتعشت يداي وأنا أملأ الفناجين المذهّبة، ومن فرط فرحتي نسيت أن أبدأ بوالدته بحكم التّقاليد، وقدّمت الفنجان الأوّل لحبيبي الذي أعطاه لها مبتسما، وكأنّه يعاتبني دون عتاب، ثمّ قدّمت له فنجانه مع قطعتين من الشّوكولاتة، كنت حريصة على حفظهما له منذ ليلة بشراه، وكأنّي أحفظ جبناً يجب أن يتخمّر طويلاً من أجل نكهته المميّزة.
- انظروا لحبّة الطّماطم، ستنفجر.
قالتها «صفاء» بمكر وهي تقلّد صوت الانفجار، مغرقة كلّ الحاضرين في الضّحك، بينما كانت الشّمس تقترب بحرارتها العظيمة من وجهي، وأنا أنظر للأرض استحياء من أبي، ورحت أكمل تقديم القهوة والعصير لباقي أفراد العائلة، بينما واصلت «صفاء» مشاكستها لي:
- احذري أن تسقطي شيئا، ارتعاشك لا يشي بخير.
- دعيها وشأنها، «إلهام» كانت وما زالت تفّاحة المنزل.
★★★
وألبسني الخاتم... نعم أنا متأكّدة من أنّه ألبسني الخاتم، الذي عرفت فيما بعد أنّه اقتناه لي منذ سنة حصولي على «البكالوريا»، وسط الزّغاريد المتهاطلة على قلبينا تهاطل المطر عليه قبل أربع سنوات من الآن.
ثمّ طبع قبلتين دافئتين، أولاها على جبيني، وثانيتها على ظاهر يدي مردفا:
- «غراثياس سوبرانو».
وارتجفت كأنّي أسمعها لأوّل مرّة منذ أربع سنوات.
- انظرا هنا.
والتُقطت لنا عشرات الصّور من «صفاء» و«ابتهاج» و«ماما سوسو»، و«بشرى».
واتّفقنا على كلّ شيء، استعداداً لليوم التّاريخيّ، الذي بتّ أنتظره أكثر من انتظار عودة الإنترنيت.
ما إن أنهينا فاتحة الكتاب، حتّى أطلقت «ماما سوسو» زغرودة طويلة أخرى كالتي عهدتها عند أمّي، وتبعتها «صفاء» و«بشرى» و«ابتهاج»، وأطالت والدته «طاطا خديجة» زغرودتها أيضا، وهنا انفجرت باكية في حضنها الذي كثيراً ما احتضن حبيبي، وهي تضمّني لصدرها بكلّ ما أوتيت من قوّة، وكأنّها أدركت من ردّ فعلي التّلقائيّ، ما ألمّ بي فجأة من لوعة الشّوق، للّتي أتوق أن تكون هناك جالسة قبالتي.
وأخرج أبي من جيبه مفتاحا، أخذ يلوّح به كحركة بندول السّاعة قائلا:
- هذه من أجلك، لكن لا تلمسيها قبل حصولك على رخصة السّياقة.
وكاد قلبي يتوقّف، فيما تهاطلت عليّ التّبريكات تهاطل المطر على وجه حبيبي.
- ستكونين ابنتي يا «إلهام».
أسرّت بها والدته وهي تنتقل بعينيها بين عينيّ، بنظرات تشبّعت بأسمى آيات الحبّ والتّقدير.
كم تمنّيت أن يلبثوا عندنا أكثر، خاصّة لمّا حضر عمّي «خالد» وزوجته، متأخّرين بسبب ازدحام الطّريق.
تمنّيت لو توقّف الزّمن هنا، ولا أعرف لماذا لم يتوقّف، كي يظلّ «سميري» جالساً مع أبي، يتجاذبان أطراف الحديث، متناغمين كأنشودة عذبة متعدّدة الأصوات.
- هل ستقصّين شعرك عند هذا الحدّ؟.
وراحت تريني بيدها في الرّواق الشّكل الذي تخيّلته لي، واللّون الذي سيناسبني، فهمست لها دون أن أرفع بصري عنه:
- إذا أراد زوجي.
ابتسمت قائلة:
- انظري لهما، إنّهما مثل «دو» و«مي»، ستكونين «صول»... ألف مبروك «سوبرانو».
وكرّرت تهنئتها وهي تطبع على وجنتي أعمق قبلة أخويّة.
★★★
- «سوبرانو»... هناك من تريدك.
جائني صوتها من بعيد، فأسرعت نحوها للمطبخ.
كانت والدته جالسة أمام المائدة تتناول فنجاناً ثانياً من القهوة العربيّة التي حضّرتها، وما إن رأتني أمامها حتّى ابتسمت لي قائلة:
- لديكِ صديقات كثيرات، وأظن أن هاتفكِ لن يتوقّف عن الرّنين مدّة أسبوع.
- نعمة من الله «طاطا خديجة».
وأخذت الجوّال من خالتي التي انشغلت بضبط الفرن الكهربائيّ.
- من «ماما سوسو»؟.
قلتها وأنا أحاول التّعرّف على الرّقم الظّاهر على الشّاشة.
- لم تذكر اسمها، قالت إنّها صديقتك القديمة وتريد تهنئتك بصفة شخصيّة.
واستمرّت في عملها دون اهتمام.
- نعم أنا «إلهام» من معي؟.
- مبروك «سوبرانو».
كانت الصّوت مستتراً بشيء ما وُضع على ميكروفون الهاتف، غير أنّي ميّزتها لامرأة ليست غريبة عنّي.
- شكراً شكراً... من معي؟.
- سلي عمّا يهمّك يا من تسكنين بين الغيوم.
- أسكن بين الغيوم؟... ماذا تعنين؟، من أنتِ أوّلا؟.
قلتها متأفّفة محاولة التكتّم على نبرة صوتي المرتعشة، لكنّها أجابت ببرود شديد:
- تستطيعين مناداتي «نغم».
- «نغم»... «نغم»... لحظة كي أستجمع تركيزي.
في نبرة بلغت أعلى مراتب القسوة، ألقت بما عكّر صفوي لذلك اليوم سرّا.
- لا تتفاءلي كثيراً «سوبرانو»... إنّه مخادع، أنا أعرفه أكثر منك.
وتسمّرت عيناي بعينيّ والدته، التي ألصقت الفنجان المذهّب الصّغير... بشفتها السّفلى.
تمّت الرّواية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!