وضع القراءة:

تهديد داخلي

كانت عيناه لا تفارقان عينيّ، حتّى وإن وزّع نظرات تفقّد واستطلاع هنا وهناك على الأخريات، سرعان ما يعود إليّ وكأنّني وطنه.
قالت «حنان» بشغف:
- أستاذ، سألتك عن المقامات سابقا، فقلت سنتطرّق لها في العطلة.
- حسنا، هناك ثمانية مقامات أساسيّة تشكّل العبارة التّالية «صُنع بسِحرك»؛ «ص» مقام «الصّبا»، «ن» مقام «النّهاوند»، «ع» مقام «العجم»، «ب» مقام «البيات»، «س» مقام «السّيكا»، «ح» مقام «الحجاز»، «ر» مقام «الرّاست»، «ك» مقام «الكرد»، نقول المقام الصّوتي أو المقام الموسيقيّ أو مقامات القرآن الكريم، هي جميعها تسمية لشيء واحد، علاقة رياضيّة تجمع بين ثماني نقاط موسيقيّة تشكّل سلّماً وديوانا، مثل «دو» أو «ري» أو «مي» أو «فا» أو «صول» أو «لا» أو «سي»، تخضع لعلاقة تناسب مضبوطة قائمة على توزيع المسافات، وهناك مقام السلّم الخماسيّ المنتشر كثيراً في «السّودان» و«الصّين» مثلا، يُبنى على خمسة أصوات بدل سبعة، «دو»، «ري»، «مي»، «صول»، «لا» فقط، إذا استوعبتنّ هذا الآن جيّدا، فأنتنّ على الطّريق.
أخرجت «زينب» مشبك غسيل قائلة:
- انظر أستاذ، أنا أستعمل هذا للتّخلّص من «الصّوت الخيشومي»، أرتني إيّاه إحدى صديقاتي، قالت إنّها طريقة حديثة وجدتها صدفة في الإنترنيت.
- هذا لن يفيدكِ بشيء، ولا أعرف كيف يروّجه المنشدون على اعتباره وسيلة ناجعة، ولا من أين أخذوها، أنتِ تغلقين أنفكِ بهذا كي تتحكّمي في مجرى الهواء، صحيح؟.
أشارت برأسها إيجابا، فواصل:
- أكبر خطأ ترتكبينه، لا تنساقي وراء كلّ ما يُقال، الشّهيق ضروريّ، لأنّه يُدخل الأوكسجين إلى الرّئتين، طاقة إصدار الصّوت؛ والتّنفّس الطّبيعيّ يكون بالشّهيق من الأنف دون توسعة المنخرين، والزّفير من الفم.
ثمّ أخذت نبرة صوته مسحة واعظ:
- ركّزن معي في هذا، في الفكر الإنشاديّ الحديث، يجب أن يكون التّمرين الذي نطبّقه مستوفياً لعدّة شروط.
وجمت لبرهة محاولة استيعاب كلماته.
- من أهمّها ألاّ يلحق ضرراً بالمتدرّب أو ببيئته، وألاّ يعيق سير جهاز في الجسم البشريّ سيراً خلقه الله لأجله، وأن يثبت فعاليّته دون إلحاق انتكاسة بمهارة أخرى، سواء كانت متقدّمة أو متأخّرة وجب إخضاعها للتّدريب.
وتمتمت خلفه محاولة حفظ عباراته.
ثمّ تذكّرت ما أخبرتني به «صفاء» مرّة، حين تحدّثت عن الدّواوين الموسيقيّة، فسألت:
- أستاذ، لماذا نقول دائما «C4» أو «C3»؟.
- حرف C يرمز لصوت «دو»، مثلا نقول «C3» أي «دو 3»، نأخذ الحرف ونضيف له رقم الدّيوان الموسيقيّ، هذا كلّ ما في الأمر، كما يُرمز لصوت «ري» بالحرف D، ويُرمز لصوت «مي» بالحرف E، ويُرمز لصوت «فا» بالحرف F، ويُرمز لصوت «صول» بالحرف G، ويُرمز لصوت «لا» بالحرف A، وأخيراً يُرمز لصوت «سي» بالحرف B.
وراح يبتسم ليهوّن علينا ما اتّضح له أنّه وجبة فكريّة عسيرة الهضم:
- لا يوجد من تعلّم في يوم أو يومين، يُؤخذ العلم عبر مسارات معيّنة يضمن انتقال المعارف المنظّمة... لا بأس عليكنّ الآن، أرجو في الحصّة القادمة أن تقترحن ثلاثة أناشيد أو أكثر، نتدرّب عليها لتأديتها في حفل اختتام السّنة الدّراسيّة، لا تنسين أنّ الحفل سيكون في شهر رمضان المبارك، أعلموني في الإدارة أنّه سيكون حفلاً كبيراً يجمع بين ثانويّات المقاطعة، بحضور مدير التّربية شخصيّا، ووفد مرافق له من الأكاديميّة، إلى جانب السّلطات المدنيّة والعسكريّة، وربما يحضر الوالي.
صفّقت «سعاد» في حركة مفاجئة ناظرة إلى «نور الهدى» و«ياسمين» و«زينب»، بينما شحب وجه «بثينة» وقد تسلّلت إليه بعض الصّفرة، وشخصت ببصرها نحو السّماء، فيما صاحت «حنان» بتفاؤل مسرورة:
- دون إيقاع أستاذ؟.
- كما تشائين، المهمّ أنّنا سنكون أمام تحدٍّ كبير، سيقام الحفل يوم الإثنين الرّابع من جويلية، وأنا أعتمد عليكنّ من أجل ترك بصمة خالدة في أذهان الحاضرين، لا يجب أن تحدث هفوة أثناء العرض، لا مكان للخطأ أو للمفاجأة.
ثمّ نظر ناحية الإدارة:
- ستكون حصّة الثّلاثاء في الأسبوع الثّاني مخصّصة للأناشيد.
رفعت «سعاد» يدها:
- أستاذ، أريد أنشودة خاصّة بي وحدي.
لكنّه أثار ريبتها وانزعاجها الشّديد حين ذكر لها شروطاً لمنصب «المنشدة الأولى».
- إذا توفّرت فيك فعلى بركة الله.
وهو كلام لم يعجبها أبدا.
★★★
في الحصّة الثّانية خرجنا للسّاحة، وعلى منوال التّمارين السّابقة مع التّركيز على إكمال كلّ أصوات الدّيوان، جعلني الأستاذ أرافق «بثينة»، و«نور الهدى»، و«حبيبة»، و«عائشة» و«شيماء»، فساعدتهنّ على بلوغ صوت «سي»، إلاّ أنّ الشّقيّة التي أرادت أنشودة خاصّة بها بدأت تفتعل المشاكل.
في فترة الرّاحة طبّقنا تمارين جديدة للتّنفّس، قال الأستاذ إنّها ستكون مفيدة لنا في هذه المرحلة، وشرع يوزّع علينا بالونات ملوّنة:
- انتبهن هنا رجاء، انفخن البالون دون أن تبرز خدودكنّ.
تمرين غريب ومضحك.
انشغل الكلّ في تطبيقه، ورحنا نتنافس في النّفخ، بينما كان الأستاذ يراقب بالون كلّ واحدة ناظراً للكرونومتر، ثمّ أشار إلينا بالتّوقّف:
- جهّزن أنفسكنّ، حين أعطي الإشارة ابدأن في النّفخ بسلاسة من جديد، حافظن على وتيرة واحدة في عمليّة النّفخ... واحد، اثنان، ثلاثة، الآن.
همست لي «ابتهاج»:
- لو أحضر لنا بيتزا مع هذه البالونات، أما كان أفضل؟، هل تصدّقين أنّي تناولت قليلا من العسل فقط هذا الصّباح؟، سأموت قبل بلوغي المنزل.
مثلما انشغلت كلّ واحدة ببالونها، انشغلت «سعاد» بمراقبتي.
- الهدف من هذا التّمرين أساساً هو تقوية الزّفير وحصر القوّة في مجرى التّنفّس؛ لا تبرزن خدودكنّ... ليكن الوجه على طبيعته، وعند استرجاع الهواء لا توسّعن المنخرين مطلقاً لئلا يتشوّه شكلهما مع مرور الوقت.
ثمّ ابتسم منكّتا:
- «حبيبة»، لا أرى بالونك ينمو.
هكذا هي طبيعته حين لا يريد أن يحرج واحدة منّا، فابتسمت بخجل، كشفت فيها عن أسنان متناسقة في نصاعة الثّلج.
التصقت نظراتي بوجهها البشوش أشجّعها، حتّى سمعته يخاطبني وهو ينظر لي بفرح:
- ممتاز «سوبرانو»، أنتِ تبلين بلاء حسنا، انظرن هنا رجاء.
وصفّق:
- لاحظن البالون، إنّه يمتلئ بالهواء شيئاً فشيئا، لاحظن وجهها، إنّها تطبّق جيّداً ما أقول.
رمقتني «سعاد» وعلامات السّخرية على ملامحها أوضح من شمس الظّهيرة، فلم أهتمّ لسمّها الزّعاف، ولمَ الاهتمام أصلا؟.
- حاولن القيام بهذا التّمرين في المنزل، إنّه يقوّي الرّئتين أيضا.
وحانت مرحلة اختيار الأناشيد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.