خداعٌ أبيض
تأخّرت «ابتهاج» وتأخّرت معها صورتها.
لا علينا...
بعد يومين، أخبرتني أمّي بنبرة مشجّعة أنّ أبي الذي على الحائط، فتح حساباً بنكيّاً باسمي للتّوفير، ضخّ فيه مبدئيّاً خمسمائة ألف دينار جزائريّ.
ألقتها باعتزاز، واستطردت بصوت يشبه الهتاف:
- إذا حصلت على شهادة «اللّيسانس»، ستكون هديّتك رخصة سياقة وسيّارة جديدة من نوع...
كدت أخرج من جلدي:
- آآآآآآآآآ، حقّا؟... أحبّكِ أمّي، أحبّكم جميعا.
وفتحت ذراعيها فارتميت في حضنها الدّافئ.
وتذكّرت قول الأستاذ مرّة وهو يخاطب «نورة»، بعد لقاء قصير مع أحد الآباء:
- النّشاطات اللاّصفيّة مرتكز إستراتيجيّ في النّجاح الدّراسيّ، رغم تخوّف الأولياء منها.
بعد مرور عيد الفطر بأسبوع، وبينما أنا في الصّالون أتفقّد جديد القنوات الفضائيّة:
- «إلهام»، اسمعيني جيّدا.
وصمتت للحظات ترصد ردّ فعلي.
- «منير»...
سكتت ثمّ ألقت كلّ ما في جعبتها من كلام دفعة واحدة:
- جارنا الميكانيكيّ يريد التّقدّم لخطبتك سيحضر هو ووالدته وشقيقتاه وعمّاته وخالاته مبدئيّاً ثمّ يأتي الرّجال لندخل في الرّسميات.
بعدها راحت تهوّن عليّ ما قالته:
- على كلّ حال هذا لقاء تعارفيّ، مجرّد تسريحة شعر بسيطة وانتهى الموضوع، كوني عاقلة يا ابنتي، اتّفقنا؟.
- ما شاء الله، كلّ هذا مبدئيّاً، ومتى سيحضر أجداده الموتى؟.
وانصرفت أحضّر فنجاناً من القهوة المركّزة أكثر من المعتاد.
تبعتني وهي تمسح يديها بمنشفة بنفسجيّة اللّون:
- يبدو أنّ أسئلتي أصبحت دون إجابات.
- أنتِ التي تصرّين على طرح أسئلة صعبة، هل يجب أن أفتح الملفّ مجدّدا؟، افهموني يا عالم، بأيّ اللّغات أتحدّث معكم؟.
انتفضت كعادتها:
- كفاكِ تكبّراً وثرثرة، هل أنتِ أوّل من حصلت على «البكالوريا»؟، والله لا تعرفين مصلحتك.
فجأة تغيّرت نبرتها وهي تتفرّس في قسماتي:
- إذا كان الذي تحبّينه جاهزاً فليتقدّم... ليرينا وجهه، ليرينا عينيه وعيون عائلته، ماذا ينتظر؟.
الرّمش هنا اعتراف بالهزيمة.
هل ارتبط بأخرى؟، هل أنساه الزّمن «السّوبرانو» التي صنعها بتشجيعاته؟.
يا لي من غبيّة، لو تركته يكمل حديثه أمام مكتب الإدارة، لذاب الآن غمّي مثل قالب الزّبدة.
ثمّ لماذا انقطعت أخباره هكذا دون سابق إنذار؟، لماذا لم يحاول الاتّصال بي؟، ليطمئنّ عليّ على الأقلّ، هو أستاذ ولن يُعدم حيلة في الوصول إليّ ولو كنت في غابات «الأمازون».
- إذن يوجد شخص في حياتك، شرودكِ الآن وأنا أحدّثك دليل واضح...
وهنا دخل «أيّوب»، متوجّهاً نحو الثّلاجة مباشرة، وأمّي تنظر إليه تستعجل مغادرته.
- إحداكنّ تقلِ البيض لي أوّلا.
وراح يستنشق عميقاً رائحة القهوة المسيطرة على المكان.
أجبته بحنوّ:
- أنا يا «أيّوب»، يا أخي الصّغير، يا «باتمان» المدينة.
- وإحداكنّ تعطيني خمسمائة دينار ثانيا، حالاً دون تأخّر أو تأجيل في الدّفع، أو إنقاص من المبلغ.
أجبته بحنوّ أيضا:
- أنا يا «أيّوب»، يا أخي الصّغير، يا «باتمان» المدينة، بل سأعطيك ألف دينار كاملة.
- وتعيدين لي شارة «أنا وأخي»؟، أريد أن أسمعها بصوتك «سوبرانو».
رنّت وعودي في أذنه أيّما رنين، فراح يقصّ علينا -وهو يمضغ ما كان في صحنه مع بعض الخبز- مغامراته المزعومة، راوياً في بطولة نادرة لا تُرى سوى في الأفلام الهنديّة، كيف استطاع إنقاذ امرأة عجوز من هجوم أحد الكلاب الضالّة، الذي جرى خلفه ثلاثة كيلومترات كاملة، وراح يتفاعل مع القصّة بكامل جسمه ومعالم وجهه، فقاطعته مبتسمة:
- من فضلك «أيّوب»... لحظة كي أستوعب، أنت جريت خلف الكلب أم الكلب جرى خلفك؟.
- أنا من جرى خلف الكلب طبعاً، هل هذا سؤال؟.
ولمّا بلع لقمته أضاف ببراءة:
- أنا أخوكِ أم الكلب؟.
وهنا، ثارت ثائرتها:
- «باتمان»، كل بسرعة واخرج من هنا حالا، نحن نتكلّم في أمور خاصّة بالنّساء.
- من الأحسن أن تأخذ وقتك كاملاً في الأكل كي تمضغ جيّدا، ولكي تعطي فرصة لهرمون «الأنسولين» أن يفرز ببطء، هل تعرف حجم المشكلة التي ستكون فيها إذا أُفرز هذا الهرمون بشكل مفاجئ؟.
نظرت إليّ أمّي بعيني صقر ميّز فريسته جيّدا، وخرجت تتمتم كعادتها.
بعد دقيقة، عادت تجذبني من يدي:
- انتهى عملك هنا، أحتاجك في الصّالون.
★★★
لا أعرف من أين ظهرت خالتي؛ إذ لم تكن في منزلنا أصلا، وهي التي عزّزت مكانتها بيننا بعد حصولي على الشّهادة، بمعدّل لم تتوقعه.
- اسمعي يا «إلهام»، الزّواج ليس لعبة، «منير» يريدكِ زوجة على سنّة الله ورسوله الكريم.
- صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فانتبهتْ إليها ثمّ واصلت:
- هو مستعدّ للعقد المدنيّ، ماذا أقول لهم؟، سنصبح جميعاً حديث الأعراس، وربما حديث الرّجال في المقاهي والشّوارع.
- قولي إنّكِ تريدين التّخلّص منّي بأيّ طريقة، كوني صريحة معي أمّي، أخبرتكِ أنّ «منير» ليس فارس أحلامي ولن يكون أبداً... أبداً، هل يُعقل أن أتزوّج شخصاً لا يعرف حتّى كيفيّة كتابة اسمه؟... هل تعرفين أنّ ذكاءه لا يتجاوز درجة حرارة الغرفة؟، أنتِ تتعسّفين في منصبك السّامي كأمّ؟.
ضحكت «صفاء» في تملّق، وسرعان ما أجهضت ضحكتها ناظرة صوب السّماء:
- كيف دخلتِ هنا؟.
وأتبعت في غضب:
- اخرجي الآن، اخرجي، إيّاكِ والعودة حتّى أناديك.
ومدّت يدها نحو طبق الفاكهة.
ما إن خرجت «صفاء» مسرعة حتّى طوت ذراعيها:
- اسمعيني يا فتاة، لن تقنعيني بسردكِ الرّنّان... لن أتعاطف معك... لن تخدعيني.
فيما راحت هي تخدعني خداعاً أبيض كالذي نستعمله مع الأطفال، حتّى يأكلوا شيئاً لا يحبّونه:
- إنّه جارنا؛ نعرفه ويعرفنا منذ زمن، لديه عمل دائم يكسب من ورائه مالاً وفيرا، ربما أكثر من أبيك الذي لا نراه إلاّ في المناسبات، وسيتكفّل برخصة القيادة، وسيشتري لكِ سيّارة أجمل من السيّارة التي وعدكِ بها «المسيو كادار»، ويستطيع إسكانك في فيلا كبيرة لوحدك.
ورفعت سبّابتها اليمنى، ثمّ واصلت في نبرة توسّل:
- ما يثنيك عن الزّواج منه؟، أنا أمّك وأعرف مصلحتك، وستحبّينه فيما بعد.
- هل نلت شهادة «البكالوريا» كي يسجنني في المنزل؟.
تفرّست في خالتي وهاجت في وجهها:
- لماذا أتكلّم أنا وحدي وكأنّ الأمر لا يعنيك؟، أم تريدين أن تبقى عانساً مثلك؟... تكلّمي الآن «سميّة»، أنتِ خالتها، أقنعيها، افعلي على الأقلّ شيئاً مفيداً في حياتك.
وركلتها بحركة خفيفة.
قلت في ثقة متأنّية:
- لا أريد أن أتعجّل في قرار مصيريّ كهذا، ما زالت أمامي على الأقلّ ثلاث سنوات في الجامعة، لا تدرين لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرا، هذا أوّلا.
- وثانيا؟.
- ليست هناك أيّة قواسم مشتركة بيننا، من المستحيلات السّبع أن نسعد في حياتنا، القضيّة واضحة من البداية، ما جدوى الدّخول في متاهات أنا في غنًى عنها؟.
- ما هذا الكلام؟، الرّجل يغار عليكِ ويريدكِ له، هل تريدين أن نقرأ فاتحتكما مؤقّتاً ريثما تتخرّجين؟، الفاتحة فقط، سورة فيها سبع آيات.
ونظرت نحو «ماما سوسو» تلتمس دعمها، لكنّها سرعان ما عادت إلى خداعها الأبيض مجدّدا، وأعرف أسلوب أمّي ذات الوجه المدوّر، حين تريد أن تخدع شخصا.
فجأة رنّ جرس الباب، ثمّ دخلت علينا «ابتهاج» التي ما زال وهج «البكالوريا» في عينيها:
- «سوبرانو».
انفجرت في وجهها:
- لماذا جئتِ الآن؟.
تجاهلت سؤالها عمداً وراحت تستفسر عن صحّتها، فردّت بعصبيّة:
- لست بخير، لست بخير.
وهمّت بالخروج، ثمّ تراجعت:
- أقنعيها أنتِ، ألستِ صديقتها الحميمة؟.
- سبحان الله، قبل عام فقط رفضتِ تدخّلها في مسألة انضمامي للفِرقة الإنشاديّة...
قاطعتني كسيل جارف:
- هذه الفِرقة هي سبب كلّ مشاكلنا، هل تنصتين لي؟... سبب كلّ مشاكلنا.
ثمّ قالت باكية:
- منذ أن كنّا نُعرف في الحيّ وفي البلدة باسم «دار المسيو كادار» «Monsieur KADER»، أصبحنا الآن «دار السّوبرانو»، يا لخيبتي فيك، سأخبر أباكِ بما تفعلينه في غيابه.
- أبي اليابانيّ؟، هل تستطيعين الاتّصال به ليحضر الآن؟، ما زلنا لا نراه إلاّ في المناسبات.
- تذكّري أنّك تتحدّثين مع أمّكِ يا بنت.
ربّتت خالتي على كتفها لتهدئتها، فصاحت في وجهها:
- سينفجر لي عرق في رأسي، هنا هذه الأيّام، سأموت وأرتاح من مشاكلكم، وسترتاحون منّي جميعا.
وأشارت بإصبعها ضاغطة على مساحة تقع فوق أذنها اليسرى.
- اهدئي «مونيا»، «إلهام» فتاة كبيرة...
- ما زالت صغيرة وستبقى صغيرة، ليست لها أيّة خبرة في الحياة، لقد وُلدت بملعقة ذهب، مدلّلة مغرورة متكبّرة جاهلة حمقاء، ويجب عليّ كأمّ إيقاف هذه المهزلة قبل أن تخرج عن السّيطرة.
ثمّ التفتت نحوي كأنّها تقدّم لي خلاصة نهائيّة:
- شكّلي أسرتكِ أوّلاً ثمّ شكّلي العالم.
وخرجت تغلي غلي القدر، بعدما كالت لي كلّ أنواع الشّتائم المنزليّة، فما لبثت «ماما سوسو» أن تبعتها محاولة تهدئتها من جديد، وأصبحت أنا و«ابتهاج» وجها لوجه في الصّالون.
★★★
- ماذا في عينيكِ «سوبرانو»؟.
- أنتِ صديقتي.
- وبعد؟.
- هل ترضين لصديقتك المقرّبة أن تغرق في مستنقع؟.
- لا تراوغيني، أعرف لماذا أُغمي عليكِ في السّاحة، واعرف خلفيّات ما حدث أمام الطّاهي، أنا رادار الثّانويّة، ومن خصائص الرّادار الجيّد التقاط الإشارات مهما بعدت أو ضعفت.
غريب زهدها في القول، رغم أنّها في موضع فخر.
- هل يُعقل أن أتزوّج شخصاً لا يعرف كيف يكتب اسمه، إنّه غير متعلّم يا عالم، ما الذي يجبرني على الارتباط بشخص أمّي ولو كان غنيّا؟، المسألة ما كانت في المال مطلقا.
- باختصار.
- تقول أمّي إنّي متكبّرة ومدلّلة، فلتقل عنّي ما تشاء، هي تفكّر بطريقة غير مناسبة لي، بل تقرّر في مكاني، وكأنّها هي من ستتزوّج، تقول إن أحداً لن يتقدّم لي إذا رفضته، هل يعجز من خلقه عن خلق غيره؟.
ما إن هزّت رأسها مثل بندول السّاعة حتّى انتقلت إلى مستوى آخر من الإقناع:
- إذا تعجّلت الآن وقبلت، سيكون من الصّعب التّخلّص منه مستقبلاً حين يكون بيننا أولاد.
- طبعاً، كلّما كنتِ في مكان أعلى كلّما زادت درجة اتّساع رؤيتك.
- ممتاز، رائعة أنتِ يا «ابتهاج» كلّ الرّوعة، بدأنا نتّفق الآن.
اتّكأت على الأريكة:
- يجب أن يكون فارس أحلامي وسيماً حنوناً متديّنا، محافظاً على صلاته، يحترم المرأة لشخصها، هل رأيتِ كيف ينظر إليّ حين كنّا نمرّ عليه صباحاً ونحن في طريقنا إلى الثّانويّة؟.
- هل رأيتِ نظّاراته الشّمسيّة؟، من المؤكّد أنّه دفع فيها مبلغاً محترما.
- «ابتهاج»... تزوّجيه وأريحيني، يا حفيظ.
- والله لو يقبل لما تردّدت لحظة.
- هل أكلّمه لك؟.
وجمت قليلاً كأنّها تفكّر في الأمر الذي بدا لها مستحيلا مع وزنها، فهمست مباشرة في أذنها:
- إذن ساعديني.
قلتها وأنا أحاول اختصار المسألة برمّتها تفادياً لأيّة فكرة هامشيّة، قد تتخذها ذريعة للتّهرّب من مساعدتي.
- وهذا برهان على أنّي إلى جانبك.
وأرتني صورة الأستاذ حين تبلّل بماء المطر في ذلك اليوم.
- حمقاء، لماذا لم تريني إيّاها من قبل؟، من التقطها له؟، وهذه النظّارات... يا للرّوعة!.
- ليس ذنبي، كلّما أردت الحديث معكِ عنها قلتِ لي «فيما بعد، فيما بعد».
وراحت تلوك العبارة بين أسنانها، متهكّمة بأسلوبي في الكلام.
وعاد لي شريط الذّكريات.
- نحن هنا.
انتبهت لهزّتها العنيفة.
- أخبركِ بمن التقطت له الصّورة؟.
- من؟.
- خمّني.
- آه، لماذا أرهق أعصابي؟، المهمّ أنّه أمامي الآن.
ثمّ نظرت تجاه الباب مشيرة لي بالاقتراب، وبدأت توشوش في أذني.
قلت مستغربة بعدما فهمت كلّ ما يجب عليّ القيام به:
- إنّ كيدهنّ عظيم!.
فرفعت قبضتها نحو السّماء قائلة في زهو وتبختر:
- المجد لنا نحن الفتيات.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!