وضع القراءة:

47 طعنة بسكّين المطبخ

وقفت الحافلة أمام مقرّ الجمعيّة، يلمع سقفها في ذلك اليوم المشمس، لتأخذ الفرقة لمشاركة ما كانت في الحسبان، وقفت دون أن يدرك سائقها أنّه هو السّكّين الذي ضُربت به في منتصف شهر فيفري من سنة 2020.
★★★
قبل ذلك بأسبوعين.
- أرجوك أستاذ، فسّر لي ما يحدث، الفِرقة غير جاهزة، ستحدث فضيحة أمام الجمهور.
- لا تتهاوني أبداً في المعايير، ولا يجب أن تقودك العاطفة.
ثمّ ابتسم ابتسامة غامضة وأردف هامسا:
- ثقي بي «سوبرانو».
وكلّما قال هذه الكلمة... أصبح في عيني هو الإمبراطور.
أسبوع يفصلنا الآن عن المشاركة المرتقبة.
- لدينا الآن أمامنا خمسة وثلاثون طفلاً وطفلة، سنفجّر الحفل.
قالتها رئيسة الجمعيّة وهي تحاكي بيديها قوّة الانفجار.
- بالتّأكيد ماما، من الآن فصاعداً سيُحسب للجمعيّة ألف حساب، سيحضر الوالي، والصّحافة، أتعلمين؟، أخبرتني «هناء» قبل ساعة.
وتوسّعت عيناهما كفنجاني قهوة من الحجم الكبير.
- جيّد... «عفاف» لا تخاف من الجمهور، سنضعها في المقدّمة.
في ذلك اليوم الذي مرّ عليّ ثقيلاً ثقل أيّام الصّيف الرّطبة، وضعت اللّمسات الأخيرة على إحدى الأناشيد التي اخترتها عشوائيّا في إطار موضوع المشاركة، خاصّة وأنّ هناك مجموعة من البنات ممّن التحقن بالفرقة سيشاركن من أوّل مرّة، دون تدريبات كافية.
كنت أريد إحداث مشكل لأمنع مشاركة هؤلاء الذين يُستغلّون استغلال العبيد، لكن ما إن نظرت إلى الأستاذ حتّى هزّ رأسه نافيا.
لم يترك لي فرصة التّعجّب من حركته:
- ممتاز، ستختار الأستاذة «إلهام» العناصر الجاهزة للمشاركة.
قالها وهو ينظر إليّ بثقة مشجّعا، بينما بدت الرّئيسة وابنتها التي راحت تلتفت يميناً وشمالا، قد أُخذتا على حين غرّة.
- هل سترافق الفرقة على المنصّة؟.
هذا ما استطاعت «ابتسام» قوله، وهي تعدّل خمارها الذي أضحى على رأسها مجرّد ديكور.
- الفرقة فرقة الأستاذة «إلهام»، ويجب أن نضع فيها كلّ ثقتنا.
فهمست الرّئيسة لابنتها التي يتعكّر مزاجها كلّما ذُكر اسمي أمامها:
- سينهار كلّ شيء.
فأجابتها على الفور:
- لديّ خطّة بديلة.
وغمزت بعينها اليسرى شبه غمزة.
وحانت نظرة منّي إليه، مستعلمة عن كيفيّة التّصرّف، فهزّ رأسه إيجاباً هذه المرّة، باطمئنان وهدوء ظلّ إلى الآن يدهشني، مشيراً لي ببدء اختيار العناصر.
اخترت أربعة فقط من أصل خمسة وثلاثين طفلاً وطفلة، وسط دهشة الرّئيسة وبعض العضوات اللاّتي لم يفهمن شيئا، ثمّ سمعت الثّعلوبة تتحدّث مع نفسها:
- تريدين اللّعب معي؟، سنرى من ستربح في النّهاية.
- هؤلاء هم كلّ الفرقة؟.
- نعم «هناء»، هذه هي الفرقة التي ستشارك باسم الجمعيّة.
قلتها باطمئنان تامّ وأنا أرى السّرور في عينيه، ثمّ أضفت بنبرة باردة برودة ذلك اليوم:
- ألم تطلبا فرقة إنشاديّة جاهزة للعمل تحت أيّ ضغط؟.
وصمتّ لبرهة أتأمّل الوجوه التي تحوّلت إلى تماثيل، ثمّ أكملت وأنا أشير بسبّابتي:
- هذه هي الفرقة؛ «عبد النّاصر» و«جانت» و«عفاف» و«رغد».
- هل أنا جاهزة الآن؟.
- نعم «عفاف»، أنت وكلّ من اخترتهم، جاهزون للمشاركة في أيّة تظاهرة ثقافيّة.
فقالت رئيسة الجمعيّة دون أن ترفع بصرها عن ابنتها:
- لماذا إذن أحضرنا البنات الجديدات؟.
فقالت وهي تحاول ضبط خمارها مجدّدا، متظاهرة أنّها تسيطر على الوضع:
- لو كنت مكانك لاخترت «فوزي» مثلا، منشد قديم في الفرقة، و«بهيّة»... «مازن»، «عبد الباقي»، تشجيعاً للوجوه الجديدة.
- على الرّحب والسّعة، لم يطردهم أحد ولن يطردهم أحد، لكن هناك فرق شاسع بين الفِرقة ككلّ والفِرقة المشاركة، أمّا «فوزي» فكما ترين، لديه إنفلونزا، وصوته متغيّر.
لم تقنعها مبرّراتي، وهي تنظر قلقة صوب اليمين واليسار كمن تبحث عن شيء، بينما حاولت إحدى الأمّهات التّدخّل لصالح ابنتها وكأنّ الأمر حقّ من حقوقها:
- لماذا لم تختاري «ميسلون»؟، لديها صوت جميل، هكذا قالت لي «ابتسام» في البداية حين أتت لبيتي.
- لأنّ لها صوتاً جميلاً... لكن ليس سليماً بما يكفي، هذه مسائل تقنيّة.
ورأيت دموعاً تنساب على وجوه بعض البنات، فنطقت إحدى العضوات معترضة:
- والله حرام أن تكسري بخاطر هؤلاء الملائكة.
ساندتها كلّ الحاضرات، إلاّ أنّي قطعت نظرتهنّ القاصرة بعبارة صارمة:
- لقد انتهى زمن المعجزات، فكيف نكلّم من كان في المهد صبيّا؟.
قلتها وأنا أنظر في عينيه، فأخذت بيد ابنتها تجرّها جرّاً إلى الخارج، مقسمة ألاّ تطأ رجلها المكان ثانية.
لم أكن في وضع يسمح لي بشرح ما يعنيه موقفي، ولن تعي أنّ تصرّفها معناه دفع طفلتها دفعاً لتكون جزءاً من مهزلة كبيرة، يصفّق فيها الحضور على بيادق، تمّ استغلال رغبتهم في حبّ الظّهور والتّألّق وصوت التّصفيق.
أمخطئة أنا لو حكّمت ضميري المهنيّ؟.
وتذكّرت جملته حين نظرت إليه؛ «لا تتهاوني أبداً في المعايير... لا يجب أن تقودك العاطفة».
- آه يا «ماما سوسو»... لو رأيت الصّدمة على وجه رئيسة الجمعيّة وابنتها بعد الحفل.
ودسست رأسي في حضنها، ثمّ أكملت على مهل:
- ما كنت أدري أنّها وعدته بشيء حتّى انفجرت في وجهه أمام المارّة؛ «هل أنت رجل؟».
التفت حوله، ثمّ سرعان ما استعاد قوّة شخصيّته:
- ما دخلي أنا؟، لقد أخبرتها بما يجب عليها قوله أمام...
فقاطعته موجّهة إصبعها إلى وجهه المنتفخ:
- تذكّر أنّك خنتني.
- أريد مستحقّاتي.
قهقهت في وجهه:
- لن أدفع شيئاً، وأمامك القضاء.
- لستِ أنتِ الرّئيسة.
وولج مقصورة القيادة، وهو ينظر لابنته التي جلست بجانبه في المقعد الأماميّ للحافلة مرفوعة الرّأس.
★★★
بدت القاعة فسيحة؛ تتكوّن من ركح مسرح يمتدّ لأكثر من عشرين متراً عرضا، تقابله مساحة واسعة مخصّصة لمقاعد المتفرّجين.
- آه يا «ماما سوسو» لو رأيتِ ما رأيت، صدمة على وجوه الحاضرين، مثل الصّدمة التي كانت على الوجوه في حفل نهاية السّنة، هل تتذكّرين؟.
- والأستاذ؟.
- كان بقربي بقفّازيه مستعدّاً للتّدخّل إن اقتضت الضّرورة.
قلتها بفخر وقد تغيّرت نبرة صوتي لمّا ذُكرت سيرته، ثمّ أكملت سردي مفتخرة:
- من المستحيل أن تقنعي أيّ أحد ممّن جلسوا مقابل الرّكح، أنّ ما سيقدّمه لهم هؤلاء الأربعة من الأطفال، شيء سيبقى منحوتاً في الذّاكرة.
لا أحتاج إلى وصف أصوات الأطفال، فقد كانت «عفاف» بلباسها الأحمر الأنيق سفيرة النّوايا الحسنة.
مرتبكة من الضّجيج الذي لم تستطع التّأقلم معه، اقتربت صحفيّة من «عفاف» رفقة مصّور معها، وبعد أن ألقت عبارة مدح قصيرة قالت:
- أنتِ على المباشر الآن، هل تعرّفيننا باسمك صغيرتي؟.
- «عفاف» من فرقة «اللآلئ».
- «عفاف» رأيناكِ تصولين وتجولين بصوتك القويّ، هل لنا أن تحدّثينا عن سرّ هذه القوّة باختصار؟.
- أوّلاً بسم الله الرحمن الرّحيم، أشكركم على هذه اللّفتة الإعلاميّة الكريمة، كما أشكر المنظّمين على ثقتهم بنا، ودعوتهم لنا لإحياء هذا الحفل...
قاطعتها قائلة وهي تضغط بيدها اليمنى على أذنها:
- نعم زميلي «رشيد»، أسمعك جيّدا.
ثمّ نظرت إلى «عفاف»:
- من هي المشرفة على الفرقة؟، اقتربي من الميكروفون.
ودفعتها من ظهرها بباطن يدها بلطف.
- الأستاذة «إلهام» التي أشكرها بالمناسبة على جهودها وتضحياتها، وأشكر الأستاذ «سمير» على جهوده أيضا...
- شكراً «عفاف» شكراً، الوقت يداهمنا للأسف.
ثمّ أكملت حديثها وهي تضغط مجدّدا بيدها اليمنى على أذنها، بعد أن نقلت الميكروفون إلى اليسرى:
- نعم زميلي «رشيد»، كما قلت تعدّ هذه المبادرة الأولى من نوعها في المنطقة بعد حملة التّشجير... نعم... نعم ونغتنم الفرصة للحديث مع السيّد محافظ الغابات، السيّد...
وراحت تسير مبتعدة نحوه وهي تحاول تذكّر اسمه.
كانت عضوات الجمعية واقفات على مقربة، ومعهنّ الثّعلوبة التي أخفت وجهها بيديها، أمام أمّها المصعوقة من تصرّفها، ثمّ سمعتها تهمس لها بحدّة:
- لقد انهار كلّ شيء ماما، لقد انهار كلّ شيء، ماذا أفعل الآن؟.
- ماذا تفعلين أنتِ خلف ظهري؟.
لم تجب ببنت شفة، وكأنّها في عالم آخر، وبقيت تكرّر جملتها في تسارع جنونيّ، ثمّ شخصت ببصرها نحوي، لمّا رأت الوالي يقترب من الأستاذ مصافحاً بحرارة، وظلّت تنتقل بعينيها بينهما وبين وسائل الإعلام التي تحلّقت حولهما تطلب تصريحا.
ثمّ نظر الجميع إليّ حين أظهرني الأستاذ لهم بسبّابته، ولم يكتفِ بهذا، بل بقي يمسك بيد الوالي، مترجّياً أن يسير معه نحوي، وعلامات الرّضى في عينيهما.
بينما تسلّلت هي منتفضة، كالقطّة المبلّلة بماء المطر، تهمس بحدّة كعادتها حين يغلبها الغضب:
- سأريه من أنا... سأري السّائق اللّعين من تكون «ابتسام».
وكان سائق الحافلة هو والد «عفاف».
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.