وضع القراءة:

... لكنّه يوظّف الموسيقى

كان ما سبق كلّه حصّة تعارف، أمّا الحصّة الثّانية فهي حصّة العمل الفعليّ.
أحضر معه هذه المرّة كمبيوتراً محمولا، ومضخّم صوت متوسّط الحجم، ثمّ ارتدى أمامنا زوجاً من القفّازات البيضاء، وعلّق كرونومترا في رقبته، فبدا يشبه أستاذ الرّياضة.
هذا التّصرّف جعل الأمر يبدو جدّياً أكثر ممّا جلبت شخصيّته من تصوّرات لأذهاننا.
كان الجميع ينظرون إليه في صمت، ثمّ قال:
- استمعوا لهذا وحاولوا تقليده، لا فرار من الخطأ، إنّها مرّتكم الأولى، وجلّ من لا يخطئ.
يا للعبء الثّقيل الذي أزاحته هذه الجملة عن كاهلي!.
ثمّ بدأ يُسمعنا صوت «البيانو» و«الكمان» من الكمبيوتر:
- استمعوا لهذا الصّوت رجاء، هذا صوت «دو»، من درسوا الموسيقى يعرفون ذلك، سأحاول الآن تقليده بصوتي، انظروا، دووووووو.
وأطال تقليد الصّوت، موعزاً لنا بتقليده معه في إشارة بيده.
همست لي «إشراق»:
- كيف نقلّده؟.
- مثلما يفعل الأستاذ، هل تجدين ذلك صعبا؟.
واصل الأستاذ تقليد صوت «دو»، تزامناً مع استصداره من الكمبيوتر، منتقلاً بين آلتي «البيانو» و«الكمان»، والدّهشة تخرس ألسنتنا، يصدر الصّوت الذي يشبه صوت «البيانو» تماما، ويردّد معه، دووووو مسترسلا، ثمّ يحوّل «البيانو» إلى «الكمان» بنقرة بسيطة، ويردّد معه بنفس الطّريقة.
تشجّعت وبدأت أردّد معه.
- هكذا يمكنكم سماع أصواتكم.
ووضع كفّيه بمحاذاة أذنيه، مثل مرتّلي القرآن الكريم.
قالت «حنان»:
- رأيت هذا عند الشّيخ «عبد الباسط عبد الصّمد»، غير أنّي لم أفهم جدواها.
- ما قمنا به الآن هو تصحيح الصّوت استناداً إلى آلة موسيقيّة لا تخطئ، وهو في الوقت ذاته إحماء للأحبال الصّوتيّة، وله قدر كبير في تفادي الإصابات.
وأشار إلى رقبته.
★★★
مضت حوالي ربع ساعة حتّى استوعبنا ما يحدث أمامنا جيّدا.
تبدو عملية تقليد أصوات «البيانو» سهلة، لكن عند التّنفيذ يتغيّر الاعتقاد إلى النّقيض تماما، كانت الواحدة منّا لا تتجاوز خمس ثوانٍ، أثناء محاولتها المستميتة.
- تنفّسوا من البطن وليس من الصّدر؛ شهيق من الأنف عميق، ثمّ أخرجوا الصّوت ببطء، نفخ البطن بالهواء هو ما يجب أن يكون، أمّا نفخ الصّدر، فينشئ ضغطاً على الرّئتين من عظام القفص الصّدريّ، إضافة إلى أنّ مساحة الرّئتين من الأسفل أكبر من مساحتها من الأعلى، حاولوا أن تركّزوا جيّدا كي تسجّل أدمغتكم الصّوت صحيحاً كاملا، فتستشعروا الخطأ وحدكم، دون تدخّلي المباشر للتّصحيح.
هذا ما كان يذكّر به من حين إلى آخر.
استمرّت العمليّة عشر دقائق أخرى، ثمّ انتقل الأستاذ إلى الصّوت الثّاني «ري»، الذي كانت عمليّة تقليده أسهل من الصّوت الأوّل.
كانت عيناه تتنقلان بين الحضور مراقباً وضابطا، بينما بدأت بعض الأعراض الغريبة تظهر على الجميع.
«ابتهاج» تبكي وهي تحاول تنظيف نظّارتها، «حنان» تسعل بقوّة كأنّ شيئاً علق في حلقها، «آسيا» أصبحت خرساء في أقلّ من دقيقة.
ثمّ بدأت أسمع سعالاً متفرّقاً من كلّ جوانب المدرّج، سرعان ما يشتدّ إلى درجة لا يمكن تصوّرها، وحين نظرت خلفي، راعني ما رأته عيناي.
- يجب أن تدركوا أنّ ما ترونه الآن أشياء عاديّة.
قالها مشيراً لنا بالتّوقّف بحركة من يديه.
همست «إشراق» بصوت مبحوح، تحاول كبح سعال فاجأها:
- كدنا نموت... ويقول إنّها أشياء عادية.
- ما عايشتموه الآن هو أعراض بداية عمل أحبالكم الصّوتيّة، أو ما يسمّى «علامات بداية التّخلّص من الكبت الصّوتيّ»، سنتعرّف على الأحبال الصّوتيّة بالصّور والفيديوهات لاحقاً إن شاء الله، كي أضعكم في إطار احترافيّ.
ثمّ توجّه إليّ بالحديث:
- ما اسمكِ يا آنسة؟.
- «إلهام» أستاذ.
- هل يمكن يا «إلهام» أن تقلّدي هذه الأصوات الحلوة؟.
تملّكتني رعشة غريبة وقد تذكّرت لوح الشّوكولاتة القابع في حقيبتي منذ الأسبوع الماضي، وبقيت جامدة مكاني شاخصة ببصري نحوه، حتّى نكزتني «ابتهاج» فانتبهت.
- ركّزي فقط يا «إلهام»، لا أطلب منك الشّيء الكثير، ركّزي وحاولي تقليد هذه الأصوات حسب قدرتك، وإذا أخطأتِ فلا بأس، كلّنا نخطئ.
وراح يقلّد:
- دووو، ريييي، مييي، فااا، صووول.
كان يقلّد أصوات «الكمان» بصوته طالباً منّي مجاراته، ناظراً للكرونومتر المعلّق على صدره، ثمّ نظر للباقي شارحا:
- نحن هنا في مقام «العجم»، على درجة «دو»؛ أي في صوت «دو».
قلّدت الأصوات بدقّة استغربها هو شخصيّا، بطريقة سليمة كما طلب منّي، دون مشكلات، وسط دهشتي ودهشة الحضور، إذ استغرق كلّ صوت منّي في المعدّل حوالي دقيقة واحدة؛ غير أنّي لمّا وصلت إلى درجة «لا» توقّفت.
انقطع نفَسي وبحّ صوتي، فضحك الأستاذ معلّقا:
- لا بأس عليكِ يا «إلهام»؛ لا بأس، عمل جيّد، رائع، رائع بأتمّ معنى الكلمة، أنتِ «سوبرانو».
لأوّل وهلة اعتقدت أنّه اسم فتاة، حتّى أنّي كدت أن أذكّره باسمي، غير أنّ استرساله في الحديث أجهض فكرتي:
- أصوات النّساء نوعان رئيسان؛ الصّوت الحادّ مثل «إلهام»، وهذا يسمّى «سوبرانو»، والصّوت الغليظ «آلتو»، مثل هذه الآنسة.
وأشار إلى إحداهنّ.
همست «ابتهاج» للأخريات:
- من أقارب «غريندايزر»؟.
انفجرت «آسيا» ضحكا، وأشارت «حنان» بيدها إلينا أن اصمتن.
فيما اشتكت «إشراق» على ما يبدو من دوار مفاجئ، بيد أنّه اعتبر ذلك ملمحاً عاديا، لا يدعو مطلقاً للقلق، فهي غير معتادة على هذا الجهد، وجسمها الآن يحتاج بشدّة للأوكسجين، وبكميّة كبيرة، أكبر ممّا اعتادت عليه.
لم أعر اهتماماً لطريقة جلوس «نغم»، التي تبدو بظهرها المقوّس كعجوز صغيرة، لكنّ الأستاذ كان يقصدها بكلامه:
- حاولوا الجلوس معتدلين، باستقامة تامّة للظّهر، لأنّ الطّريقة الخاطئة ستؤدّي إلى اعوجاج فقرات العمود الفقريّ بمرور الزّمن، ولن تعمل أجهزة الجسم حينها بالصّورة المرجوّة، وخاصّة الجهازين التّنفسيّ والعصبيّ، لأنّ الاعوجاج سيضغط على النّخاع الشّوكيّ بصفة خاصّة.
ما فهمته من كلامه أنّه حين نرتفع بالنّغم سنكون في أمسّ الحاجة للهواء، أي للأوكسجين، وغيابه معناه عدم القدرة على إخراج الصّوت، وفوق ذلك زيادة الإحساس بالتوتّر والقلق، وتوارد الأفكار السّلبيّة.
ثمّ أضاف وهو يطوي الكمبيوتر المحمول:
- يجب أن نفهم ونعي كيفيّة عمل أجسادنا، لا بأس عليكم اليوم، ستجدون أصواتكم مبحوحة، أرجوكم، ليس هناك أيّ داع للقلق، أحبالكم الصّوتيّة هنا بدأت تعمل بشكل لم تكن تعمل به سابقا، لا تتناولوا العسل بعد التّدريب، من لديها زيت الزّيتون فلتشرب منه مقدار ملعقة صغيرة، تذكّروا، زيت الزّيتون بعد التّدريب، والعسل قبل التّدريب، فاحفظوا هذا التّرتيب، لا تستعجلوا النّتائج، العمل الجيّد يتطلّب وقتا، أريد شيئاً احترافيّاً، مدروساً وراقيا.
استغرق كلامه أقلّ من خمس دقائق، ثم نظر للذّكور باسما:
- لم أسمعكم يا شباب.
كان المساكين الثّلاثة يثيرون الشّفقة، أحدهم يمسك برأسه، والآخر يسعل بشدّة، والثّالث يمسح عينيه خفية، من دموع أحرجت رجولته.
- أصواتكم كلّها من نوع «تينور»، أريدكم يوم السّبت القادم إن شاء الله للتّدريب، على الثّالثة مساء هنا في المدرّج، اتّفقنا شباب؟.
هزّوا رؤوسهم إيجابا، ومن أين لهم بقوّة الحديث؟.
وأكملنا التّدريب على نفس السّياق السّابق، بعد استراحة قصيرة، كانت حديثاً هامشيّاً مع المدير الذي أتى يتفقّد الأوضاع.
هذه المرّة زادت الأعراض كثيرا، فأشار لنا بالتّوقّف، وهو يوصينا بتوخّي الصّمت، كي لا نتعب أحبالنا الصّوتيّة بالكلام، وخرجنا من حصّة لم تدم أكثر من خمس وأربعين دقيقة، والغريب أنّ الأعراض السّابقة لم تصبني، ولم أفكّر في سؤال الأستاذ حينها.
لقد غطّت فرحة ما حقّقته على كلّ شيء، أثبتّ جدارتي عن استحقاق، لم أكن أعرف أنّ الأستاذ قد انتبه لي، بل إنّي الآن أشكّل جزءاً لا يتجزّأ من خططه المستقبليّة.
★★★
في السّاحة عند المغادرة، أقسمت «آسيا» بصوت وصفته «ابتهاج» بصوت مومياء مصريّة:
- هذه المرة لن أعود، والله لن أعود، هل أنا مجنونة حتّى أفعل بنفسي كلّ هذه الأفاعيل؟، ما الذي يجبرني على هذا العذاب؟.
ثمّ أضافت ساخرة:
- ويحذّرنا من إعادة هذا التّدريب في المنزل؟.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.