وضع القراءة:

شكراً جزيلاً... لماء السّماء

يوم الثّلاثاء، قبل الحفل بحوالي ستّة أشهر.
- ما الأمر الذي بينكما أنتِ و«سعاد»؟.
- لا شيء أستاذة «نورة»، تريد أخذ مكاني في الفِرقة، هذه هي المشكلة باختصار.
- و«إشراق»؟.
- لا دخل لي، كانت تبكي متشنّجة، لا أعرف أكثر من ذلك.
- هل تعرفين من هو «نزيم»؟.
- وكيف لي أن أعرف أستاذة «نورة»؟، أنا محايدة.
- معكِ حقّ، الفضول قاتل، لا علينا.
ومضت تلصق إعلاناً يخصّ الذين صودرت هواتفهم، هامسة لنفسها:
- هكذا سأخرج الأمر من رأسي.
راجعنا الأنشودة الأولى بسرعة، ثمّ انتقلنا إلى نشيد «الحجاب»، للمنشد «أحمد أبي خاطر»، وأُسند منصب «المنشدة الأولى» إلى التي استحقّته بجدارة.
★★★
في ذلك الصّباح، تأمّلت وجهي في المرآة وكأنّي أكتشف خلاياه؛ بدا شعري جميلاً برّاقاً أكثر من الأيّام الماضية، وحين أرسلت خماري فوقه بعناية، وجدت بعض القطرات عليه، ربما تكون من بقايا الماء البارد الذي داعبت به بشرتي لأنتعش، وهنا راودتني فكرة الحجاب الشّرعي.
أيُعقل أن أمثّل رسالة لا أتمثّل هندامها جيّدا؟.
وفي ذلك الصّباح أيضا، رأيت الأستاذ مبلّلاً بالمطر الذي تساقط غزيراً منذ اللّيلة الماضية، قبل أن يتحسّن الجوّ في لحظات، وتظهر الشّمس ساطعة من بين الغيوم.
علمت من «ابتهاج» أنّ عطباً مفاجئاً أصاب سيّارته، فاضطرّ للقدوم ماشياً دون مظلّة.
مستسلماً للسّيل المنهمر عليه من السّماء، رأيته يسير مستسلماً لقدره، لكن الغريب أنّه لم يكن يرتدي سترة.
كانت قطرات المطر تغسله غسلا، بينما هو لا يبالي بها أصلا، وقد اكتسى حلّة من الاطمئنان تحتها في شاعريّة، فبدا لي كأحد أبطال أفلامي.
- هل يمكن أن يكون قد نسيها في البيت؟، المسكين... سيقتله البرد.
بكلّ ما تستطيع أن تحمله هذه العبارة من لهفة، استنفرت «ابتهاج» لعلّها تأتيني بالخبر اليقين، غير أنّها اكتفت بابتسامة واثقة، ومضت تتناول شريحتين من البيتزا، سرعان ما انتشرت رائحتهما في المكان.
- ألا تشبعين؟، يا حفيظ.
- كنت س...
- لا داعي.
هزّت كتفيها، بينما كانت آخر مضغة ممّا أحضرته معها في خبر كان.
غير أنّه سرعان ما ارتسمت على ملامحي علامات الخوف حين أتى إلى خلدي أنّه قد يذهب بسيّارته لجارنا الميكانيكيّ، وقد تحدث بينهما مناوشات.
★★★
تقول كلمات النّشيد:
فليقولوا عن حجابي، أنّه يفني شبابي
وليغالوا في عتابي، إنّ للدّين انتسابي
لا وربّي لن أبالي، همّتي مثل الجبال
أيّ معنى للجمال إن غدا سهل المنال؟
حاولوا أن يخدعوني، صحت فيهم أن دعوني
سوف أبقى في حصوني، لست أرضى بالمجون
لن ينالوا من إبائي، إنّني رمز النّقاء
سرت والتقوى ضيائي، خلف خير الأنبياء
إنّ لي نفسًا أبيّة، إنّها تأبى الدّنيّة
إنّ دربي يا أخيّة، قدوتي فيه سميّة
فليقولوا عن حجابي، لا وربّي لن أبالي
فليقولوا عن حجابي، أنّه يفني شبابي
وليغالوا في عتابي، إنّ للدّين انتسابي
لا وربّي لن أبالي، همّتي مثل الجبال
أيّ معنى للجمال إن غدا سهل المنال؟
من هدى الدّين اغترافي، نبعنا أختاه صافي
دربنا درب العفاف، فاسلكيه لا تخافي
ديننا دين الفضيلة، ليس يرضى بالرّذيلة
يا ابنة الدّين الجليلة، أنت للعليا سليلة
بِحِجَابِي بِاحتِشَامِي، أفرض الآن احترامي
سوف أمضي للأمام، لا أبالي بالملام
فليقولوا عن حجابي، لا وربّي لن أبالي
فليقولوا عن حجابي، أنّه يفني شبابي
وليغالوا في عتابي، إنّ للدّين انتسابي
لا وربّي لن أبالي، همّتي مثل الجبال
أيّ معنى للجمال إن غدا سهل المنال
تمّ تمييز اللاّزمة ومنطقتي التدّخّل الصّوتيّ؛ منطقة المجموعة ومنطقة «الفرديّة»، على غرار العمل الأوّل.
اعتماداً على تقنيّة «الكونسيرتو»؛ أي الحوار بين «المنشدة الأولى» والمجموعة، وإدراج مقدّمة مشتقّة من اللّحن الأساسيّ، على شكل آهات متّصلة، سيكون التّوزيع كالتّالي:
تدخل المجموعة بالآهات الافتتاحيّة دون تكرار، ثمّ تبدأ «حنان» بشطر «فليقولوا عن حجابي»، لتكمل المجموعة بشطر «أنّه يفني شبابي»، ثمّ «حنان» بشطر «وليغالوا في عتابي»، ثمّ المجموعة «إنّ للدّين انتسابي»، مع الحرص أن يستشعر السّامع الأداء كحوار؛ باحترام وقت الدّخول احتراماً صارما، حيث يكفي أن تتأخّر «حنان» أو المجموعة نصف ثانية فقط ليضيع كلّ شيء.
ثمّ تكمل «حنان»؛ «لا وربّي لن أبالي، همّتي مثل الجبال، أيّ معنىً للجمال إن غدا سهل المنال».
ويُعاد ما سبق مرّة ثانية، لكن مع تغيير الأدوار هذه المرّة، لنصل إلى دور «حنان» في بيتيها، «حاولوا أن يخدعوني، صحت فيهم أن دعوني، سوف أبقى في حصوني، لست أرضى بالمجون»، ثمّ تتدخّل المجموعة ببيتيها، «لن ينالوا من إبائي، إنّني رمز النّقاء، سرت والتّقوى ضيائي، خلف خير الأنبياء»، ثمّ يأتي دور «حنان»، «إنّ لي نفسًا أبيّة، إنّها تأبى الدّنيّة، إنّ دربي يا أخيّة، قدوتي فيه سميّة»، ثمّ المجموعة في الشّطر «فليقولوا عن حجابي»، وتكمل «حنان» باقي البيت، وتعيد المجموعة اللاّزمة كاملة، من «فليقولوا عن حجابي» إلى غاية «سهل المنال».
وتتكرّر نفس التّوزيعات مع باقي الأبيات.
أوصانا الأستاذ بالتّحلّي بالخفّة والرّشاقة في الأداء، لتعويض غياب الإيقاع من جهة، ولإضفاء نوع من الأناقة والجمال التي تتحلّى بها المرأة من جهة أخرى.
من كان يعلم في نهاية الحصّة، أنّ رؤية انعكاسي في زجاج النّافذة، سيعيد ترتيب كلّ الأشياء في داخلي؟.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.