طريقتي الخاصّة في التّرحيب
- لا يمكن لأيّ أستاذ مهما كان علمه أن يعلّمك شيئاً ذا قيمة فعليّة، إلاّ إذا توفّرت بينكما مساحة معرفيّة مشتركة تتّسع باستمرار، هذا الاتّساع هو مرآة اكتسابكِ للعلم، ضعي هذا نصب عينيك... يُطلب العلم بالتّدرّج، ومن قال إنّه سيجعل منك دكتورة في ستّة أيّام، فهو جاهل أو كاذب.
هذا هو ردّه على «حنان»، التي تدرس السّنة الثّانية شريعة، حين سألته عن بعض المقامات النّادرة، مبدية رغبة عارمة في تعلّمها، بعد أن أعطته بعض التّفصيلات، أظهرتها خبيرة في ترتيل القرآن الكريم، بل راحت تناقشه في الأبعاد والمسافات.
أمّا «حبيبة» التي تدرس في الجذع المشترك «آداب»، فسألت عن إمكانيّة أن تتحوّل الأناشيد إلى بديل عن الفنون الغنائيّة الهابطة.
ألقى ببصره إلى الأعلى متنهّدا:
- الفنّ ليس للتّسلية فقط، بل هو للتّربية والتّوجيه، وأيّ شيء تستمعين إليه يا «حبيبة»، إنّما له تأثير على عقلك الباطن، تذكّري هذا جيّدا، وتذكّروا جميعا، الفنّ رسائل موجّهة؛ إمّا يكون باقات ورد فوّاحة تسعد وتنفع الكلّ، أو ألغاماً وقنابل موقوتة، تدمّر كلّ شيء في لحظة مستقبليّة، فكرة الفنّ من أجل الفنّ، فكرة ليست صحيحة إطلاقا؛ ولا يمكن أن تقنع شخصاً ذا عقل وبصيرة.
ثمّ نطقت «إشراق» التي تدرس السّنة الثّانية لغات:
- لديّ صوت معزاة، هل يمكن أن أتحسّن أستاذ؟.
انفجرنا ضاحكين على سؤالها، فيما انشغل هو بالإجابة، بعد أن ابتسم ابتسامة رسم بها كاريزماه الخاصّة.
كانت «نغم» صديقة «ابتهاج» القديمة، تحاول قول شيء ما، حين انتبه إليها:
- يبدو أنّ لديك سؤالاً يا آنسة... تفضّلي، كلّنا في الاستماع.
★★★
«إذا تكلّم إنسان عن سيرته في الحياة، فليس معنى ذلك أنّه يفتخر أو يتباهى؛ إنّما يريد تسليط الضّوء على الطّريق الذي سلكه في سفره في رحلة الحياة، فلربما استفاد من ذلك السّائرون بعده».
هذه هي مقولة شيخ المنشدين، التي ستترسّخ في نفسي بعد أربع سنوات، وأنا أتأمّل مرآتي ذات العشرة أعوام، وقد رسا تصوّري على بصمة أضعها عميقة في التّاريخ، ولا يهمّني من سيكتشف الأحفور.
ما زلت أعتبر ما قرأته من مطالعاتي على أهم المراجع جسراً يربط بين أهمّ مدرستين إنشاديّتين في العصر الحديث، مدرسة «التّتابع» التي تضمّ أبرز المنشدين، أمثال «محمّد منذر سرميني»، «أبو محمود التّرمذي»، «رضوان عنان»، وبين مدرسة «الأفكار»، التي ينتمي لها «مشاري العرادة»، وهذا الأستاذ.
- سؤالاكما يصبّان في ذات المجرى.
وأشار إلى «إشراق» و«نغم».
- في الواقع هذه مشكلة شائعة، إمّا يكون الصّوت خاطئاً أي «نشازا»، أو صحيحاً لكنّه ضعيف، هناك تمارين نقوم بها لتصحيحه إذا كان خاطئا، وتقويته إذا كان صحيحا، أصارحكم القول، هي تمارين صعبة نوعا ما، تتطلّب صبراً وجهداً ومثابرة، في الأصل... ما يحدث هو أنّ الأصوات الصّدرية متخلّفة، فتضطرّين لا شعوريّاً للاعتماد على أصوات التّجويف الأنفيّ، وإذا تقوّت الأصوات الصّدريّة، سيكون هناك توازن محسوس.
ثمّ اقترب من «إشراق» مدقّقا، كأنّه يختار كلماته بعناية فائقة:
- أعتمد عليك يا آنسة؛ النّتائج مضمونة إن شاء الله، لكن -وهزّ رأسه كبندول السّاعة- يجب بذل جهد، أليس كذلك؟.
وانتظر هنيهة يتحسّس ردّ فعلها، وحين لمح تفاعلاً إيجابيّاً في عينيها أكمل، موجّهاً كلامه إلينا:
- لا يمكن تحقيق النّجاح بالأمنيات والأحلام والحبّ فقط، الهواية فوضى تغذّيها الرّغبة النّفسيّة، وسيرورة يحرّكها الحماس نحو المجهول.
رأيت في عينيه عزماً غريبا، وإصراراً عجيباً على المضيّ قدما... مهما كلّف الأمر.
لم أفق من شرودي إلاّ على سؤال «ياسمين» عن التّعليق الصّوتيّ، وهي تثني بصوتها الذي يشبه صوت مقدّمي نشرات الأخبار على المعلّق «هاشم عبد السّلام الكفاوين»، فانساق يشرح الفرق بين مجال هذا الأخير و«الارتفاع بالنّغم»؛ مجالان مختلفان ومتشابهان في آن واحد، مسترسلاً في ما لم أستوعبه جيّدا.
وغبت عن واقعي هنيهة للمرّة الثّانية، حتّى نكزتني «ابتهاج»:
- لا تدعيه يأخذ انطباعاً سلبيّا عنك، إنّه يحلّل حركاتنا وعباراتنا.
- ماذا؟.
وتذكّرت لوح الشّوكولاتة الذي ما زال في حقيبتي ينتظر لحظة التّقديم، ورحت أطمئن نفسي أنّ الوقت المناسب له سيأتي بعد دقائق، حين ينصرف الكلّ.
في نهاية الحصّة، هبّ الجميع إليه، كمعتمر قدم لتوّه من البيت الحرام، فآثرت الانسحاب.
خشيت أن أوصف بالتملّق، واضطررت للعودة بهديّتي إلى المنزل، وغصّة مريرة في قلبي... كالمرارة التي تحدّثت عنها «ابتهاج».
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!