وضع القراءة:

36 متلازمة الانسحاب

بقدر ما نألف شخصاً، بقدر ما تكون متلازمة انسحابه شديدة على القلب.
إذا انهار سور حمايتكِ ستفقدين كلّ شعور قويّ بالأمان، وسيتفكّك كلّ شيء في تصوّرك، سبق أن أقنعتكِ الظّروف أنّه في صلابة الفولاذ.
لقد سُلبت منّا جميعاً جوهرة التّاج.
كم أحتاج الآن لمن يوقظ الطّفلة الوديعة في داخلي، الطّفلة التي قديماً كانت تُدعى «إلهام»، قبل أن يزحف الشّرّ إليها.
ارتدت «صفاء» حجاباً شرعيّا، وأوقفت الاحتفال بعيد ميلادها، كما برز أخدود صغير بين حاجبيها، يشي بمعاناتها المكبوتة مثلي.
وراودتني فكرة تأسيس فرقة إنشاديّة جامعيّة، أكثر من أيّ وقت مضى، كي أملأ وقتي... فقد بدا لي النّهار واللّيل طويلين جدّا.
نعم، صدقت «صفاء» حين قالت إنّي مزاجيّة، ويجب أن أشغل نفسي بشيء ما على الدّوام.
★★★
هناك... وراء أسوار الحرم الجامعيّ، طرحت الفكرة على صديقاتي ونشرتها بين الطّالبات، ساعية -قدر المستطاع- لبناء شيء متين، لكنّي وجدت ثلاثاً منهنّ متحمّسات غيورات على الفنّ الأصيل، فآثرت الصّبر والتّريّث، حتّى تنضج الرّؤية لي جيّدا.
كانت تحدّق بي في حافلة النّقل الجامعيّ، وكأنّها تحاول التّعرّف على وجه مألوف.
هي طالبة سمراء متوسّطة الطّول، ذات خمار ورديّ.
لم أعر للأمر أهميّة وواصلت النّظر إلى الخارج، فلمحت أستاذة اللّغة العربيّة التي كانت تدرّسنا تتهادى ببطء عبر الشّارع العريض، مريضة هرمة، بالكاد تقدر على الحفاظ على توازنها بين المارّة.
كنت أريد النّزول من أجل تقبيل يدها اعتذاراً عن كلّ ذنب اقترفته في حقّها، وهي التي أفنت عمرها كلّه في خدمة التّعليم.
ولاحقتها ببصري مستأنسة بالماضي.
- مرحباً يا آنسة، أرجو المعذرة، أحاول التّعرّف عليك...
صمتت قليلاً لتختبر ردّ فعلي، ثمّ واصلت بنبرة حنان فيّاض:
- ألستِ... «إلهام السّوبرانو»؟.
لم تنتظر توكيدي أو نفيي، بل واصلت مباشرة بعيون مشعّة:
- اسمحي لي أن أعبّر لكِ عن مدى إعجابي الكبير بالمستوى المذهل الذي ظهرتِ به، أنتِ أيقونة إنشاديّة «سوبرانو»، شرف كبير لي أن ألتقيك وجهاً لوجه.
هل تستطيع اللّغة شرح هذا الذي تملّكني في اللّحظة التي سمعت فيها الكلمة السّريّة؟.
هل توجد عبارات أجزل، أثق فيها لتصف شعوري المتعاظم نظير هذا الغيث من الثّناء؟.
وانشرح صدري كطفلة صغيرة، وأنا أسمع ترجمة شعور كنت أحسّ به كلّما حدّقت في صورة الأستاذ.
يا ربّ السّماوات، كنت بحاجة لمن يلقي أمامي شيئاً يجعلني ألمس ذكراه، كنت بحاجة لمن يفتح كرّاساتي المنسيّة، ويريني أوراقها القديمة البالية، بما في ذلك خطّي الرّديء.
كنت في أمسّ الحاجة لمن يعيد لي أمجاد الماضي التّليد بكلّ رونقه وبهائه، لمن يسقي أشجار عزّي التي أضناها العطش لسنوات عجاف.
كنت بحاجة لمن يوقظ في فؤادي كلّ إحساس جميل نشأ مذ عرفت هذه الكلمة... لأوّل مرّة في حياتي.
ووجدت نفسي أحضن هذا الرّزق الذي ألقاه الله أمامي، وكلّما حضنتها ازداد شوقي للأستاذ الذي أحببته من أعماقي في صمت، واستغربت «هناء» تصرّفاتي، هكذا عرّفت نفسها لي، متابعة كلامها بلهجة ولايات الشّرق الجزائريّ:
- أنا عضوة في إدارة إحدى الجمعيّات الثّقافيّة، ونحن نفكّر منذ أسابيع بإنشاء فرقة إنشاديّة للأطفال، وهذا -بطبيعة الحال- يقتضي التّعاون مع من لديها خبرة في الميدان، مثلكِ «سوبرانو».
وراحت تحكي عن مشاريع الجمعيّة وبرنامجها السّنوي، وعن تواجدها في الحفل الذي أقمناه في نهاية السّنة الدّراسيّة، وعن الصّدى الكبير الذي لقيه عند الجمهور الذي رأته يتدافع لالتقاط الصّور معنا، وحتّى الفيديوهات التي حصلت على نسب قياسيّة من المشاهدات.
وكلّما تحدّثت معي كان هو شخصيّاً من يحدّثني.
ثمّ عرضت عليّ زيارة الجمعيّة ذات يوم سبت، لمناقشة كلّ التّفاصيل، مع الرّئيسة وباقي عضوات المكتب.
- آسفة «هناء»، ليس الآن، لكن أعدكِ في أقرب وقت ممكن إن شاء الله.
- على مهلك، لسنا مستعجلات، العمل الجيّد يتطلّب وقتاً، نريد شيئاً احترافيّاً، مدروساً وراقيا.
يا ربّ السّماوات، هذه جملته.
ودّعتني وذهبت متفائلة، بعدما تبادلنا أرقام الهواتف، وكلّما ابتعدت عنّي أزداد شوقاً لصوته.
★★★
بقدر ما نألف شخصاً بقدر ما تكون متلازمة انسحابه شديدة على القلب.
هل هذه الجملة التي أكرّرها للمرّة الثانية يمكن أن تختزل حالة أبي الضّائع؟.
كثيراً ما أراه جالساً في الصّالون شارد الذّهن، ثمّ إذا رآني أقدّم له القهوة، أو رأى «صفاء»، يرسم ابتسامة مصطنعة على وجهه، يحجب بها على صوت ما يتمزّق داخله.
- لقد نزل أبونا من الحائط.
قلت هذا لأختي محاولة إعادة ابتسامتها، غير أنّها نظرت لي وخرجت من المطبخ.
- لقد تغيّر كثيراً عن السّابق، ألا تلاحظين أنّه يجلس معنا بالسّاعات؟، يستمع إلينا دون ضجر أو كلل؟.
هذا ما قلته لخالتي، الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بعلاقة جيّدة معي:
- نعم، وأراه يحاول إحداث توازن بين عمله، في الوكالة السّياحيّة والبيت.
- أبي المسكين، وحيد في المنزل، ووحيد في العمل، والله إنّه يثير الشّفقة، لماذا لا تتزوّجينه «ماما سوسو»؟، هل أفاتحه في الموضوع؟.
- أرجوكِ «إلهام»، لم يمرّ على وفاة المرحومة سوى أسابيع...
قاطعتها متحمّسة لفكرتي:
- علينا التّفكير في المستقبل... يجب أن نتصالح مع ماضينا «ماما سوسو»، وإلاّ سحبتنا الأحزان إلى الحضيض، إلى متى سنظلّ على هذه الحالة؟.
قلتها وأنا أكابد معاناتي في دورة مفرغة؛ كلّما تساقط المطر تذكّرت الأستاذ، وكلّما تلألأت الشّمس في كبد السّماء تذكّرت أمّي.
احمرّ وجهها خجلاً وهي تنظر إلى أظافرها في حركة لا إراديّة:
- سمعت من الجارات أنّه يميل إلى «بشرى»، سكرتيرة مكتبه.
ألقتها بسرعة على مسمعي، كأنّها تتخلّص من شيء يزعجها، وابتعدت تاركة لساني مشلولاً من المفاجأة.
- لن أقبل هذا الارتباط ما حييت، هل جُنّ أبي؟!.
قلتها في تلك اللّيلة قبالة مرآة غرفتي، وكلّي ثورة على قراره الذي وضعني به على كفّ عفريت.
بعد مرور شهر ونيّف، بدأنا نسمع بعض الشّائعات، كادت «بشرى» بسببها أن تترك العمل.
يقولون إنّها تحوم حوله لماله الكثير، وإنّه أضحى فريسة سهلة، بعد رحيل زوجته «طاطا موني»، بل وصلت بهم الوقاحة إلى اعتبارها المتسبّبة في قتلها بالسّمّ ليخلو لها المجال!.
- هل رأيتها «ماما سوسو»؟!.
لم تجبني بشيء، فتذكّرت قول أمّي رحمها الله:
- ألسنة النّاس دون عظام، تتحرّك في الهواء أكثر من تحرّك السّمكة في الماء.
يشجّعني حسن استماعه لفتح الموضوع.
بعد العشاء، أعددت له فنجان قهوة من البنّ اللاّتينيّ الرّفيع، وجلست أرقب اللّحظة المناسبة، جرعتين وانفرجت أسارير وجهه.
كانت السّاعة تقترب من العاشرة ليلا.
- أبي، أريد الحديث معك في موضوع يهمّك ويهمّنا جميعا.
- أعرف، لا تتركي الأفكار تأخذك بعيدا، «أيّوب» ما زال صغيرا، لا تنسي أنّه الآن يعيد سنته الدّراسيّة، رحيل المرحومة المفاجئ سبّب له صدمة نفسيّة حادّة، سأتحدّث معه... امنحيني بعض الوقت، سيتقبّل الوضع الجديد إن شاء الله، الصّغار ينسون بسرعة.
- حسناً هذا شيء، لكن هناك شيء آخر أكثر أهميّة من ذلك.
وضع قهوته جانباً بعدما رشف منها رشفة كبيرة أفرغت كلّ الفنجان:
- نعم، أنا أستمع.
- أسرتنا مفكّكة، ويجب لحمها في أقرب وقت.
- هذا ما قاله لي عمّك منذ أسبوع، ولأنّ «صفاء» على مشارف شهادة «البكالوريا»، اقترح عليّ أن أتزوّج خالتكِ لتتماسك العائلة.
وهنا دخلت «صفاء»، وبصوت ملائكيّ أطلقت صرخة مرحة:
- «ماما سوسو» ستكون أمّنا جميعا، يا الله!، يا له من شعور رائع.
- جيّد إذن، لقد سهّل عليّ المهمّة، أعتقد أنّ «ماما سوسو» شخصيّة توافقيّة.
قلتها ببشاشة وحذر، منتظرة ضحكة أختي الأسطوريّة المتفجّرة، غير أنّها اكتفت بالابتسامة، وراحت تشرح لأبي خصال خالتي الحميدة، ثمّ صاحت بصوت حاسم:
- هل أعرض عليها الموضوع؟... هل أزغرد؟.
ووضعت يدها على فيها تمهيداً لإطلاق زغرودة قويّة.
وهنا انفجر ضاحكا.
- ليس الآن، هناك ترتيب آخر.
ثمّ راح يكلّمنا عن «بشرى» سكرتيرة المكتب، مستعرضاً بدوره خصالها الحميدة، وكأنّه يقارن بينهما، وأنا أستشيط غضباً في داخلي:
- لكن أبي، ألا ترى أنّ «ماما سوسو» أولى؟، لماذا تريد جلب غريبة إلى العائلة؟.
- أنتِ ترين من زاويتكِ الخاصّة يا «إلهام»، لنحاول النّظر من زوايا بعضنا البعض، لنتبادل الأماكن، ما رأيك؟... لنحاول تبنّي أفكار الأطراف الأخرى ولو لبرهة.
تنحنح ناهضا:
- لا علينا الآن، تأخّر الوقت وأنا لديّ موعد غدا، ويجب أن أكون مستعدّا له، تصبحان على خير.
في تلك اللّيلة، اكتشفت أنّ أبي محاور جيّد، ومفاوض عنيد، لا يصمد أمامه خصم.
★★★
بعد أسبوع زارنا عمّي «خالد» رفقة زوجته، التي كانت فرحة جدّاً بتوقّفه عن التّدخين، ففاتحته في الموضوع.
قال بنبرة محيّرة:
- ركّزي معي يا «إلهام»، حين تكبرين أكثر، سترين الحجم الحقيقيّ للأشياء.
ثمّ تناول فنجان الشّاي الموضوع أمامه، وهو ينظر إلى «عائشة»، التي هزّت رأسها موافقة:
- الوضع معقّد أكثر ممّا نتصوّره كلّنا، خالتكِ صمّام الأسرة، و«بشرى» صمّام العمل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.