وضع القراءة:

نزاهة القاضي

- المراهقة مرحلة استراتيجيّة، قد تتغيّر فيها الاتّجاهات والمعتقدات مائة وثمانين درجة.
بعبارة أقرب، غمزت لي بها «ماما سوسو»، وتبقى العبارة الأصليّة موجّهة ضمنيّاً إلى أمّي.
لا أحتاج إلى إعادة ترتيب صورة ما حدث في ذهني؛ فقد كنت واثقة من مصداقيّة مركز الإصغاء.
أمّا المسكينة «بثينة»، فقد كانت تحتاج شخصاً تواجهه بما تخبّئه في صدرها من مكبوتات، خاصّة بعد صدمة وفاة أبيها، فهل ذنبها أنّها تعيش داخل أسرة فُقدت فيها تحيّة الصّباح والمساء كأبسط جسر للتّواصل؟.
بيت تمزّقت روابطه بمرض أمّها المفاجئ، فأضحت بين عشيّة وضحاها تعاني الضّغط والسّكري، كما وجد شقيقها نفسه المسؤول الوحيد عن إعالتهما، بعد اضطراره للتّخلّي عن مواصلة دراسته.
عثرت «بثينة» على ملجأ آمن؛ أستاذ طيّب، بكلّ ما تستطيع الكلمة حمله من معنى، فعكفت على التردّد على الفِرقة، التي طالما اعتبرتها بيتها الثّاني، وبرّ النّجاة.
وكلّما أرادت مغادرتها تذكّرت طيبته وعطفه علينا، فشُقّ عليها الأمر، لكن حين غيّرت أستاذة الرّياضيّات توقيت حصّة الدّعم بسبب حالتها الصّحيّة، وجدت نفسها فجأة بين المطرقة والسّندان، فلجأت إلى الكذب؛ وسيلة هروب مؤقّتة إلى الأمام.
لهذا بدا عليها القلق والتّوتّر في الآونة الأخيرة، حيث كانت تخشى أن يأتي شقيقها للثّانويّة متفقّدا، فيجدها في حصّة التّدريبات معنا.
غير أنّ نتائجها الضّعيفة في اختبارات الفصل الثّاني... كانت الشّرارة التي فجّرت كلّ شيء.
- هذا كلّه بسبب لا مبالاة الوالدين بما تعيشه ابنتهما المراهقة، هل تعلمين أنّه كان يريد تركيب كاميرا في غرفتها؟، هذا ما أخبرتنا به جارتهم.
تعجّبت أمّي:
- ألهذه الدّرجة؟!.
صعقتني كلمات «ماما سوسو» التي حملت نبراتها رنين التّحدّي، وهي تتأمّل فنجان القهوة الذي أمامها.
- لديها شقيق صعب.
عبارة أحسست أنّي أخاطب بها شخصاً آخر.
فأكملت وهي تنظر ناحية أمّي:
- المراهقة ليست كذبة، بل هي مرحلة عمريّة يصل إليها الإنسان مثلما يصل إلى مراحل عمريّة أخرى، لماذا نحرص قبل شيخوختنا على مرتّب التّقاعد حرصنا على وجود الأبناء من حولنا؟، المشكل أنّ للشّيخوخة ملامح جليّة لا تستدعي إقناع الآخرين بها، عكس هذه السّنّ الحرجة، هذا كلّ ما في الأمر.
أفرغت أمّي كل ما في جعبتها من كلام، وهي الآن لا تملك سوى استجداء كلمات خالتي.
ثمّ نطقت فجأة مكملة سرد ما حكته لها «طاطا عائشة»:
- ...وراح يصرخ بصوت كقصف الرّعد، ضارباً الباب بقبضته القارعة، مزلزلاً كلّ أركان البيت، ثمّ خرج مبتعداً يكلّم نفسه، مستغفراً الله حتّى تلاشى صوته.
كنت أستمع لحديثهما كدمية قماشيّة لا حول لها ولا قوّة، ثمّ انتبهت بعد فترة لما يدور حولي.
كانت «صفاء» وجدّتي جالستين بجانبي على الأريكة.
من فرحتي، نهضت وسجدت له تعالى أمامهنّ، وأيقنت أنّهن يحدّقن بي وأنا أتسلّل لغرفتي في خفّة القطّة.
يبدو الآن أنّ سرّي قد علم به كلّ من في البيت وتأكّد.
★★★
في عطلة الرّبيع عدنا للتّوقيت السّابق وضبطنا كلّ ما يتعلّق بالأناشيد، في انتظار حصّة وحيدة أخيرة بعدها، ثمّ يتوقّف كلّ شيء، حسب ما أعلمنا به الأستاذ، إلى غاية الانتهاء من امتحانات آخر السّنة، وامتحانات «البكالوريا».
بذلك، نضمن سيراً حسناً بما يتناسب مع الظّروف العامّة للدّراسة.
كان قد مرّ من وقت الحصّة أقلّ من ربع ساعة، حين دخل المدير ومعه خيّاطة، لم يترك عبارة معروفة للمدح إلاّ وأثنى بها عليها أمامنا.
غير أنّها لم تنطق ببنت شفة، بل شرعت في أخذ قياساتنا صامتة بوجه بارد برودة شهر ديسمبر.
انتظر المدير أن تردّ بمجاملة ما على مدحه المثير، ثمّ قال يائساً منها:
- أنا عند وعدي أستاذ، سأوفّر لك لباساً موحّدا، كي لا تتّهمني بالإهمال، وإنّي...
قاطعه:
- لا يجب أن يضيع الوقت، هذا كلّ ما قصدته البارحة، أرجوك سيّدي المدير، لا تقوّلني ما لم أقله.
فسارع إليه آخذاً بيده ناحية الباب، موشوشاً في جديّة متطرّفة:
- لا لا... العمل عمل، وأنا معروف في مديريّة التّربية بانضباطي الصّارم وسرعة استجابتي، سل عنّي أيّ مفتّش، أو مستشار... أو أيّ عامل بسيط، كلّهم متّفقون على نزاهتي وشجاعتي الفريدة في اتّخاذ القرارات.
ثمّ اقترب منه هامساً في أذنه:
- كنت محاميك في مديريّة التّربية.
انفجرت «ابتهاج» ضاحكة تحت الطّاولة، وتبعتها باقي العضوات اللاّتي كنّ ينتظرن دورهنّ في أخذ القياسات.
- على كلّ حال بارك الله فيك وفي أمثالك، أرجو أن تأذن لي.
وتركه ليتوجّه إلينا بالحديث وهو يعيد ارتداء قفّازيه:
- اتّفقن على لباس موحّد؛ أنتنّ راشدات بما يكفي.
هنا تدخّل المدير بعينين لامعتين:
- تنّورات حمراء، ستزيدكنّ جمالا، ستتألّقن كالبدر.
وراح ينظر إلينا بمكر متقنّعاً بابتسامة صفراء.
- أرجوك سيّدي المدير... أرجوك لا تتدخّل.
- عفواً على كلّ حال، أنا أحاول المساعدة.
وراح يتضاحك ناظراً إلينا، ثمّ تظاهر بردّ وهميّ على مكالمة طارئة فارّاً بجلده.
اتّفقنا على حجابات بيضاء، مع خمارات بنفس اللّون، مزركشة بزخرفة نباتيّة ذات لون أسود، بالإجماع، في شفافيّة تامّة، مع شريط أسود يمتدّ من أعلى الكتف الأيمن إلى يسار البطن، كُتب عليه اسم فرقتنا «أوميغا»، بخطّ ذهبيّ عربيّ أصيل، زاده البياض تألّقا، ومن المفروض أن توفّره لنا الإدارة قبل تاريخ الحفل المقرّر في الرابع من جويلية 2016.
في تلك الحصّة نظر إليّ، وكأنّه يخاطبني، أنا وحدي الموجودة أمامه:
- كلّ شيء مقدّر لنا قبل أن نُخلق، يقول تعالى: «وتلك الأيّام نداولها بين الناس»، أمّا ما نفعله، فلا يتجاوز كوننا نحاول تعزيز أقدارنا فقط، تذكّرن هذا جيّدا، لأنّكنّ ستحتجن لهذه الفلسفة في حياتكنّ، راقبن الله في تصرّفاتكنّ كي لا تحتجن لتبرير أيّ شيء أمام النّاس، واتقينه تعالى دائماً وإيّاكنّ والغفلة، اخجلن من الله عزّ وجلّ وراجعن أعمالكنّ معه... لا يغرنّكنّ حلمه.
ثمّ جلس، كأنّه يعاني ممّا يشبه التّعب، وواصل بثقة:
- ديننا كامل عكس كلّ الأديان الأخرى، أمّا العلم فهو ناقص، ويبقى ناقصاً مهما قفز إلى الأذهان أنّه اكتمل.
كانت أعيننا ملتصقة بوجهه، لا تنحرف عنه مقدار ملّيمتر واحد، فراح يكمل مستغلاًّ تركيزنا الشّديد:
- ومع هذا فنحن مطالبون جميعنا بطلبه إلى اللّحد، العلم الشرعيّ وسائر العلوم المفيدة للبشريّة، في آن واحد، تذكّرن هذا جيّدا، العلم الشّرعيّ وحده دون العلوم الدّنيويّة الأخرى لن ينفع، والعلوم الدّنيويّة وحدها دون العلم الشّرعيّ لن تنفع.
وأحسست أنه يكرّر الكلمات عمدا.
- تذكّرن أنّ أوّل آية نزلت في القرآن الكريم هي «اقرأ باسم ربّك الذي خلق»، الإنشاد رسالة، ولا يمكن أن تنجح الرّسالة دون معرفة ما يكتنفها من غموض، وما يحيط بها من ملابسات، إنّه العلم بدوائر المعرفة المنظّمة المتداخلة المحيطة، التي تمثّل سنن الله في الكون، نحن نحاول -منذ نزول آدم إلى الأرض- أن نتحكّم في العلم، ورغم ذلك، فإنّ التّحكّم لا يعني الغرور والتّطاول على الله وقضائه، قضاء الله نافذ فينا، مهما توهّمنا أنّنا نتحدّى هذا القضاء، بتحكّمنا اللاّمتناهي في متغيّراته.
كأنّها خطبة مودّع.
يقول إنّ الإنشاد رسالة؟.
جميع أساتذة الموسيقى ينظرون إلى الإنشاد كونه لا يعدو أن يكون طربا.
ثمّ تهيّأ لي ما أكّدته «ابتهاج» لاحقاً أنّه درس يقدّم مجّاناً للشّلّة التي تحدّثت عنه بسوء.
قلت والحزن يتولاّني:
- ألا تتراجع أصواتنا أستاذ؟، ألا تنهار؟.
- لا بأس «إلهام»، ليس لدينا خيار آخر، دراستكنّ أولى عندي من كلّ شيء.
وأفحمني جوابه.
ثمّ نكزتني «ابتهاج» هامسة:
- انظري إليهنّ الآن، منكّسات الرّأس، يخجلن حتّى من النّظر ناحيته، ببغاوات، لا يعرفن شيئاً سوى تناقل الإشاعات المغرضة، دون أسس، وتقول متبجّحة إنّها جارتها، وتعي جيّداً ما تقول، انظري... البريئة... يا عمري.
وهزّت رأسها ناحيتهنّ بأسلوب استفزازيّ، وهي تتناول شريحتين من البيتزا وضعتهما فوق بعضهما البعض، كانت قد أبقتهما معها احتياطا.
وعاد المدير للمرّة الثّانية، وخلفه طالبة نعرفها جيّداً من لون شفاهها.
- والله يا أستاذ لولا معزّتك في قلبي لاتخذت ضدّها موقفاً صارما، أنا لا أرحم هكذا طالبات... هكذا تصرّفات مخجلة.
نظرنا إليه متعجّبات من لون وجهه الجديد، فراح يأمر من اختبئت خلفه:
- اعتذري حالاً عن وقاحتك، الأستاذ «سمير» أيقونة في ثانويّتنا، هذا الصّرح العملاق الذي...
- حسناً حسناً لا بأس.
بحركة عنيفة من يده اليسرى، دفعها المدير لتجلس في أقرب مساحة، وراح يشيد بمواقفه البطوليّة السّابقة، فاغتنمت «ابتهاج» نظرة خائفة طارئة من «سعاد»، وهمست:
- ماذا تفعل هذه هنا؟... لو كان للرّائحة صوت.
وسدّت بإصبعيها فتحتي أنفها، في حركة مشابهة تماماً لما قامت به في السّاحة قبل أيّام.
هذه المرّة لم تستطع «سعاد» الرّدّ عليها مثل المرّة الماضية، فقد ثبتت عليها التّهمة.
قلت محاولة إظهار براءة سؤالي:
- هل من جديد حول «بثينة»؟.
- أوقفتها أمّها من الفِرقة، وسيحوّلها شقيقها إلى الثّانويّة الثّانية، إذا لم يرحلوا إلى مدينة أخرى.
فنظرت إليها «حبيبة» وهي تصلح خمارها:
- يبدو أنّهنّ متّفقات من البداية على كلّ كلمة يقلنها لو سألهنّ، آهٍ منهنّ... الشّقيّات.
فأجابتها بسخريّة دون أن ترفع بصرها عنهنّ، وكأنّه استفزاز جديد للمشاجرة:
- هل رأيتِ يوماً ذئباً يأكل أخاه؟.
انصرف المدير بعدما ربّت بيده على كتف الأستاذ مرّات، وهو يبتسم كعادته ابتسامته الصّفراء.
بدت «نور الهدى» كالتي تخشى الطّرد من الفِرقة، بعد كلامها المجحف في قضيّة «بثينة»، أمّا «مليكة» فقد أنكرت ما قالته أمامنا جملة وتفصيلا، فيما ارتدت «ليندة» ثوب براءة طويل بأكمام فضفاضة، بينما اكتفت «حنان» و«حبيبة» والأخريات بالحوقلة، والنّظرات المستنكرة.
وراح الأستاذ يواصل كلامه، شامخ الهامة أمامنا تعلوه أنفة الحقّ.
نظرت إلينا «إشراق» قائلة بالفرنسيّة وهي تتناول منديلاً ورقيّاً من النوع الفاخر:
- يا إلهي العادل... سأبكي.
وراحت «حنان» تربّت على كتفها في حنوّ، ثمّ انفجرت إلى جانبها في البكاء.
ثبّت العفو على رأسه تاج العزّة فتأمّر، ومن كان الله شاهده، لا تهمّه نزاهة القاضي.
- تفرّغن الآن لدراستكنّ، أريد أن أسمع شيئاً عن التّفوّق والنّجاح والتّميّز، أنا أتابع أخباركنّ عن كثب.
★★★
ها هي لحظة الفراق قد حانت.
أفلتت دمعتان سخيّتان منيّ، بذلت كلّ ما في وسعي لإخفائهما.
- لا أعرف لماذا تتأثّرين بهذه السّرعة؟.
عبارة وشوشت لي بها «ابتهاج» وهي تراقب دموع الأخريات الجارية.
- لن أسمح له أن يرى دموعي.
- أعرف جيّداً سبب بكائك.
فانتبهت فزعة، فقالت:
- على كلّ حال... لست وحدكِ من تبكين.
وراحت تخرج من حقيبتها كيساً ورقيّاً يغلّف شريحتين كبيرتين من البيتزا، امتزجت رائحتهما مع عبق الأستاذ المنتشر مع النّسمات العليلة القادمة إلينا من أقرب نافذة.
- تريدين قليلاً منها؟.
- أهذا وقت الأكل؟.
كنت أسمع بعض الشّهقات هنا وهناك، وبكت «حبيبة» بكاء مرّا، حتّى خلت أن مكروهاً سيصيبه.
- أرجوكنّ... حافظن على رباطة جأشكنّ.
وجمع أغراضه وهمّ منصرفا.
- انظري إليها، لم ترفع بصرها منذ أن دخلت.
- دعينا من ثوراتكِ يا «ابتهاج»، لنخرج، أنا متأخّرة.
- أنا أبحث اليوم عن الشّجار.
وتفرّست في وجهي قائلة:
- ليس لي ما يشغلني.
جذبتها من ذراعها الممتلئ بمشقّة، كأنّي أجذب فيلاً إفريقيّاً ضخما، ونصب عينيّ هذا الذي نما حبّه في داخلي وترعرع، وما انقادت لي حتّى هدّأتها «حنان» مستغفرة.
ماذا كان سيقول لو رأى ضعفي نحوه؟، وأنا التي أعتزّ دوماً بكبريائي وأتجمّل، على الرّغم من أنّني سأفتقده، وأفتقد عبارته التي طالما أورثتني السّؤدد والمجد والثّناء.
وعدت إلى المنزل وأنا أفكّر في كلامه، وارتميت في حضن وزيرة سعادتي، عازمة على ارتداء الحجاب، حجاباً شرعيّاً هذه المرّة، مستغفرة ربّي عمّا غفلت عنه لسنوات.
لقد أغرقني سبحانه وتعالى في نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، وكان عليّ صبورا، ينبغي لي الآن أن ألتزم معه كلّ الالتزام، خاصّة وأنّ «إشراق» كانت قد ارتدته قبل شهر من الآن.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.