حدثَ يوم الخميس
هل جرّبتِ يوماً إحساس الوقوف أمام إعلان يتلاشى أمامه الضّابط والمعيار؟.
هل ارتجفتِ مرّة كالقطّة الصّغيرة، وأنتِ تقرئين بكلّ حواسّك الخمس، ومندفعة -غير عابئة بالزّحام الذي من حولك- عبارات تقع في القلب كمكعّبات السّكّر؟، بل تجدين نفسكِ مرغمة على إعادة قراءتها المرّة تلو المرّة تلو المرّة، وأنتِ في قمّة النّشوة، غير مصدّقة البتّة، أنّ ما كان يراودك طفلة، وتحلمين به مراهقة، ترينه الآن بأمّ عينيك يتجسّد.
تعيشين زمن اللّحظة، بكلّ وضوح للصّورة وتعميق المشهد، وبكلّ صدق وسلاسة... وأناقة التّعبير.
وكلّما تعيدينَ تلك الأناقة في داخلك، غمرتكِ هرمونات السّعادة، وانتشرت في الجوّ رائحة صاحب الإعلان.
«تُعلم إدارة الثّانويّة جميع الطّلبة والطّالبات ذكوراً وإناثا، أنّه سيتمّ إنشاء فرقة إنشاديّة (بالإيقاع فقط)، فعلى المهتمّين والمهتمّات الحضور هذا الثّلاثاء على السّاعة الواحدة زوالاً إلى المدرّج الكبير.
ملاحظة: التّدريب مرّة واحدة أسبوعيّا».
هذا ما نُشر للتوّ حسب ما نقلته لنا «ابتهاج»، التي كانت غائبة هذا الصّباح، حين ولجت باب القسم، وبيدها شريحة بيتزا تحاول التهامها دفعة واحدة، مصارعة صعوبة تنفّسها، جرّاء صعودها السّريع إلى الطّابق الأوّل.
كانت حصّة اللّغة الفرنسيّة قد انتهت، ونحن الآن في انتظار أستاذة الرّياضيّات.
- رأيت الآن المراقب العامّ يلصقه على لوحة الإعلانات، وكان معه على ما يبدو أحد الأساتذة.
- من؟.
- لا أعرفه «آسيا»، يبدو جديدا، كان يتحدّث معه بسرعة، وكانت معهما أستاذة الكيمياء، ثمّ انصرف فوراً وهو يجري مكالمة هاتفيّة، تاركاً خلفه رائحة عطره.
قالتها وهي تحاول استرجاع أنفاسها المقطوعة، أو كالتي تحاول استرجاع ما علق بأنفها من رائحة شذيّة.
من لهفتي الشّديدة نزلت بسرعة البرق، محاولة تفادي حشود الطّلاب والطّالبات الذين بدؤوا يملؤون الرّواق والسّاحة، ولم يهنأ لي بال حتّى قرأت الإعلان بنفسي، حرفاً حرفا، وأعدت قراءته، ثمّ أعدت قراءته للمرّة الثّالثة، والرّابعة، والخامسة.
ما زلت أتذكّر ذلك اليوم جيّدا، الخميس من أواخر شهر سبتمبر من سنة 2015؛ حين كانت السّاعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا.
★★★
حين رجعت إلى القسم، وجدت الجوّ مشحوناً بشيء آخر، فلم يُفسح المجال للحديث عن فِرقة الإنشاد، وتوسّع النّقاش فجأة، ممتدّاً نحو الشّكل المأساويّ الذي بات سمة مميّزة تُعرف بها «ابتهاج».
- من الأفضل لكِ أن تمارسي الرّياضة، وزنكِ فظيع، ويزداد فظاعة بمرور الوقت، سيأتي يوم لا تستطيعين فيه حتّى التّنفّس.
هذا ما نصحتها به «آسيا» زميلتنا، ذات الشّعر المجعّد الخفيف.
- أمارس الرّياضة؟، هل تريدين التخلّص منّي وأنا في ريعان شبابي؟.
هي جارتي البدينة التي يتجاوز وزنها المائة والأربعين كيلوغراما، نطلق عليها هنا في الثّانويّة اسم «الرّادار»، الطّالبة الوحيدة المعفاة عندنا من الرّياضة، التي تثيرها مغامرات «غريندايزر»، وتبكيها قصّة «هايدي».
- تحجبين قرص الشّمس وما زلت تشاهدين الرّسوم المتحرّكة؟، نساء آخر زمن!.
هذا ما تلومها عليه «نورة»، مراقبة الأقسام النّهائيّة، كلّما رأتها أمامها ضاربة كفّاً بكفّ.
منتفخة الجسم والوجه، لا تكاد تفرّق بين وجهها ورقبتها، متوسّطة الطّول، بيضاء البشرة، ذات شعر فاحم يصل إلى ما دون الكتفين، حين تنظر إلينا من خلف نظّارتها المربّعة الشّكل، تبدو عيناها الزّرقاوان صغيرتين جدّا كعيني النّملة.
مشكلة «ابتهاج» تتبّع الأخبار والشّائعات؛ ومأزقها إدمانها على البيتزا.
سأشرح لكم أكثر.
نترافق إلى إحدى محلات الأكل السّريع المجاورة للثّانويّة، فتطلب قرصين كبيرين، تلتهم واحداً في رمشة عين، بينما آكل أنا شريحة من القرص الثّاني، ولا أستطيع تناول شريحة أخرى، لأنّه ببساطة شديدة، حين كنت آكل وأتصفّح «فيسبوك» في الهاتف، كانت هي تفترس الشّرائح التي تركتها، في شراهة لا تنافسها فيها سوى «صفاء»، تسرح يداها الاثنتان وتمرح على المائدة وهي ما زالت تمضغ، ثمّ تشير للطّاهي أن يسرع في تحضير الثّالثة.
- هل تعلمين ما مشكلتك المعقّدة عزيزتي «ابتهاج»؟، الدّقيق الأبيض والسّكر المكرّر والزّيت المهدرج، هذه المصائب الثّلاثة أسباب البثور التي تملأ وجهك، وسبب بدانتك، وستسبّب لك مستقبلاً أمراضاً كثيرة، يكفي أن تعرفي أنّك الآن تعانين من شيء اسمه «مقاومة الأنسولين».
هذا ما أحاول تذكيرها به، مستميتة في الدّفاع عن فكرتي، إلاّ أنّي لا أجني منها سوى كتفين يهتزّان في استهتار:
- لا أبالي، أموت وأنا شبعانة أحسن من التّضوّر جوعاً طول اليوم.
ثمّ تعقّب في اعتراض:
- لا أعرف تحديداً ما قصّتك مع الشّوكولاتة الدّاكنة؟؛ يا إلهي!، إنّها فظيعة المذاق... لا تُؤكل، هل تسمعين؟، لا تُؤكل... ياي!.
تعلنها عالياً مركّزة على فظاعة المذاق، متبعة ذلك بتقزّز، تعرف جيّداً كيف ترسمه على وجهها الممتلئ.
- السّكّر هو الذي يرفع «الأنسولين» في دمك، ويبقيك في جوع دائم، ليس غريباً إذن أن يذهب كلّ مصروفك اليوميّ في الأكل، ألا تلاحظين أنّ ذوقنا واحد؟، غير أنّ ملابسك تساير حجمك يوماً بعد يوم.
فتنظر إليّ بابتسامة باهتة، لكنّي أتعمّد وضعها في مواجهة الواقع:
- إدمانكِ على السكّر هو ما يجعل مذاق كلّ شيء آخر مرّا.
ولكي لا نتشاجر، يجب أن تنهي إحدانا النّقاش سريعا، بعد أن ألقي إليها شيئاً أداعب به أنوثتها:
- السّمنة مقبرة الجمال، أنتِ جميلة يا «ابتهاج»، والله جميلة، ألم يخبرك أحد بهذا؟.
ويحمرّ وجهها خجلا، حمرة أخفّ من لون الفراولة، فتتظاهر بتنظيف زجاج نظّارتها السّميك.
★★★
طرقت باب منزلنا طرقاً حثيثا، ففتحت أختي متذمّرة والقلم بيدها:
- ما بك؟، يا لطيف، ما فائدة جرس الباب؟، لماذا اخترعوه؟.
لم أعبأ بها، وتوجّهت مباشرة نحو أمّي في المطبخ معانقة:
- وأخيراً ماما... وأخيراً سيتحقّق الحلم.
- عيونك تتلألأ من الفرح، ما الخبر؟، بشّرينا بشّرك الله.
ونطق أخي الصّغير، بنبرة تحمل الحيرة والتّحدّي في آنٍ واحد:
- هل ستقيم «سبيس تون» حفلاً في الجزائر؟، جهّزوا لي المال من الآن، ها قد أعلمتكم مسبقاً كي لا تتهرّبوا من الدّفع.
ثمّ جاءت «صفاء» لتسكته معتمدة على إشارة من يدها، وفي عينيها بريق مرح:
- شششوت؛ سيخطبك؟، صحيح؟، وسيشتري لك سيّارة؟، حظّ... يا دنيا.
قالتها مشيرة برأسها نحو الجنوب في حركة ماكرة.
بعثرتني نشوة الفرح، فرحت أخلط بين الجمل والعبارات، وهم ينظرون إليّ كأنّ على رؤوسهم الطّير.
- نعم؟، يا لكِ من مجنونة؛ لديكِ امتحان يسمّى «بكالوريا»؛ انسي الأمر كلّه والتفتي لدراستك فقط، لا أريدكِ أن تعيدي السّنة؛ أكرّر... لا أريدكِ أن تعيدي السّنة.
- لكن أمّي...
- شششوت.
وانشغلت بمقلاة متوسّطة الحجم، كانت ترغب في تنظيفها في حوض المغسلة، استعداداً لتحضير طبق البطاطا المقليّة بالبيض، لأخي «أيّوب».
كانوا يقولون إنّ حنجرتي معجزة الله في أمَتِه، لكن حين أتت فرصة صقله واستثماره علميّاً ومجّانا، رفضوا جملة وتفصيلا، نعم هكذا... دون نقاش أو توضيح.
هل يرضيكم هذا؟.
باغتتني بالتفاتة، تاركة المقلاة تحت ماء الحنفيّة:
- لديكِ «بكالوريا»، ويقولون إنّها ستكون صعبة هذا العام، وأبوكِ يدفع مبالغ كبيرة مقابل دروس الدّعم التي لا تعدّ ولا تحصى.
- أخذ دروس دعم في كلّ الموادّ أمر لا يبدو لي منطقيّاً البتّة، مقرف... ويستنزف طاقتي العصبيّة، بل يحرمني من استغلال وقت فراغي على النّحو المرجوّ، هل خُلقت للدّراسة فقط؟.
- والحلّ في رأيك؟.
- سأحاول التّوفّيق بين الدّروس والهواية، هذه مشكلتي، حصّة واحدة أسبوعيّاً لن تفسد الطّبخة.
- ستحاولين؟، أعيدي الكلمة لأنّي لم أسمعك جيّدا، لا تغامري بمستقبلك، الأمر مفروغ منه يا بنت.
وخرجت من المطبخ تحوقل، وهي تعاني من تشنّجات في ظهرها، كانت قد اشتكت منها بعد سويعات من عودتها من عرس جارتنا «طاطا مهديّة».
بعد ثلاثة أيّام من المفاوضات العسيرة، بدأت تقول شيئاً آخر:
- نحن نعيش في مجتمع محافظ، لا يقبل الغناء من المرأة أبدا، ماذا سيقول عنّا الجيران؟، ابنة «المسيو كادار» تغنّي؟، من ذا الذي سيتجرّأ ويطلب يدك؟.
- أبي معجب كثيراً بصوت «سيلين ديون»، فلماذا لا أكون أنا «سيلين»؟، ألسنا ديمقراطيّين؟، ألسنا فرونكوفونيّين؟.
- ما هذه الكلمة؟.
قالها أخي «أيّوب» مستنكرا، منصرفاً مع صديقه الذي ناداه للتوّ للعب الغمّيضة.
شرحت لها بالسّاعات أنّ الفِرقة التي ستؤسّس ستكون للإنشاد؛ بالإيقاع فقط، وليست للغناء، فنحن لا نغنّي بالآلات الموسيقيّة، هكذا كتبوا في الإعلان المنشور الذي قرأه الجميع، أنا لا أكذب يا عالم:
- لماذا تقفون حجر عثرة أمامي؟... لماذا تتعمّدون وضع العقدة أمام المنشار؟، لماذا هذا التّناقض؟!.
وأمسكت برأسي صارخة:
- افهموني يا عالم، تقولون إنّ صوتي جميل وقويّ، ومن الخطأ تركه دون استغلال... هذا كلامكم!.
فرّت القطّة من أمامي وهي تموء مواء غريبا.
- لديكِ صوت قويّ حتّى أنّكِ أخفت «لوكا»، وأخشى إذا قمت بتطويره ستخيفين الجيران.
قالتها «صفاء» واختفت حين زمجرت في وجهها:
- لن أقدّم تنازلات، أنا على مبدئي، ولن أختبئ وراء وجهٍ منافق، هكذا ربّيتموني، أنا مشكلتكم على المستوى التّطبيقيّ، فحلّوني بالتّراضي.
- سأسأل إمام المسجد، المسألة ليست عنقود عنب تضعينه بين أسنانك.
هذا ما نالني من كلمات أمّي، لكن بنبرة انهزاميّة هذه المرّة، حين رأت التّصميم على أشدّه في عينيّ.
★★★
الإثنين، أثناء تناول فطور الصّباح.
- إذا فتحت الأمر مجدّدا سيقتلكِ أبوك؛ أنا أحذّرك من الآن.
- أهذا رأي إمام المسجد أم أنّك لم تسأليه أصلا؟، مجرّد عبارات نتخلّص بها من إلحاح الأطفال، كي لا تواجهيني... كي ترتاحي منّي.
- للأسف سنكون مضطرّين للبكاء عليكِ ولن نحضر أيّ عرس لمدّة طويلة.
همست بها «صفاء» في نفَس واحد، وهي تغادر مائدة الفطور، محافظة على مسافة أمان.
- أين هو أبي؟، إنّي لا أراه، لماذا لا يتدخّل هنا؟، أنا أحتاجه الآن، أخبروه أنّ ابنته «إلهام» تحتاجه، ليس لديّ وقت، غدا أوّل حصّة، ويتوجّب عليّ حضورها، الأمر مستعجل أكثر من طلب سيّارة إسعاف.
- أبونا هناك على الحائط.
أتاني الرّدّ سريعاً من «صفاء» وهي على السلّم، ثمّ أتى أخي الصّغير كعادته، حين يسمع أمّي تصرخ، وهو يحمل محفظته، مستعدّاً للذّهاب إلى المدرسة:
- هل ترضين لنا أن نغلق التّلفزيون ثلاثة أيام كاملة، حزناً على روحكِ الطّاهرة؟، لا أشاهد «سلام دانك»، لا أشاهد «كونان»، لا أشاهد «باتمان»، يا للفظاعة.
ثمّ صرخ صرخة طويلة كأنّه نسي شيئا:
- آآآآآآآآآآ، لا أشاهد «سبيس ستون»!، أيّ قلب تملكين يا شرّيرة؟.
لا أزعم أنّي فتاة كاملة دون عيوب، لكن -وهذا هو أهمّ شيء-... لست شرّيرة.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!