32 الأرنوبة!
وانسحبت إلى غرفتي وعلى رأسي إكليل الغار...
ألقيت الفستان الأحمر فوق الخزانة، ثمّ ارتميت على السّرير أحدّق في الثّريّا وكلّي اعتزاز، وكأنّي تخلّصت من شرّ تأبّطني طويلاً أو أراد.
توقّعت أن يأتي إليّ أحد ليضربني... ليحاورني على الأقلّ، لكن هيهات، سكون مريع يعمّ المكان، فاستسلمت للنّوم.
★★★
عندما سمعت أذان الظّهر، خرجت متوجّسة نحو الحمّام للوضوء؛ بدا الصّالون مليئاً بالأشباح، لم أُعر أيّ شيء من هذا انتباهي، بل صلّيت وسبّحت، ثمّ توجّهت بعدها إلى المطبخ.
لكن... أين اختفى الجميع؟.
ثمّ تركّز اهتمامي على الجوع المفاجئ الذي بدأ ينهشني نهشا، وكأنّه انتقام آخر من المتعاونين مع الصّيّادين، فرفعت الغطاء عن القِدر الأوّل والثّاني والثّالث، وأكلت كلّ ما شئت، مستغربة من شدّة شهيّتي المفتوحة على غير العادة، ثمّ تناولت عدّة موزات، وعدت إلى غرفتي مثل إوزّة.
شهيّة مفتوحة كهذه، ستجعل أيّة واحدة في مكاني تغطّ في نوم عميق مجدّدا.
السّاعة الآن السّادسة مساء.
استيقظت على صوت أمّي المرتفع وهي تحكي بحسرة لأبي الذي هاتفها مستفسراً عمّا حدث، وسمعت صوت ضحكته التي أميّزها من بين آلاف الضّحكات.
- هل في الأمر ما يضحك يا رجل؟، هل تعلم أنّ ابنتك المدلّلة ستظلّ عانساً مثل أختي، تماماً مثل أمّها سوسو، واضحك ساعتها قدر ما تشاء.
وأغلقت الخطّ في وجهه، وهي تمسح عينيها من بقايا دموع بدت لي نادمة على ذرفها.
منذ تلك الحادثة، أصبحت تتحاشاني.
وطال خصامها أسبوعاً كاملا، بل حتّى جدّتي، كلّما نظرت إليّ انتشرت على تضاريس وجهها معالم الغرابة فحوقلت.
أمّا «صفاء» فكانت تردّد كلّما رأتني أمامها متعجّبة:
- يا أرنوبة!.
كنت كالتي تتنفّس تحت الماء، حتّى واجهتني «ماما سوسو» بقولها مرّة وهي تعلّمني تحضير بعض الحلويّات:
- خطّة «ابتهاج» أليس كذلك؟، أنتِ ساذجة «إلهام»، أعرف جيّداً كيف تفكّرين أكثر ممّا تعرفه «مونيا» عنك، أنسيتِ أنّي خالتك؟.
هززت رأسي إيجاباً، متحسّرة ومحاولة مداراة ما اعتراني من حرج، بتنظيف شرشف المائدة الذي اتّسخ بآثار البيض، منتظرة منها مزيداً من التّوبيخ الجميل.
ثمّ تملّكتني شجاعة الكلام، فاستعطفتها:
- والله يا «ماما سوسو» لو لم تكن صادقة معي لما نفّذت خطّتها، ولما اتخذتها صديقة منذ البداية.
هزّت رأسها توافقني وهي تحاول ضبط قوام العجينة، بعد أن عمّت رائحة الخميرة المكان:
- أعرف، «ابتهاج» فتاة صادقة نقيّة القلب، على كلّ حال يبقى كيدنا عظيماً نحن النّساء.
ثمّ نظرت وراءها في توتّر، ورفعت قبضتها المتّسخة ببقايا الدّقيق، قائلة بصوت خافت:
- المجد لنا نحن الفتيات.
★★★
لحظة...
قبل ذلك، وفي مساء متأخّر من يوم الخطبة، هاتفتني «ابتهاج» مستفسرة عمّا حدث، فأخبرتها أنّي نفّذت الخطّة التي رسمتها لي بحذافيرها، بعد أن استنفدت كلّ أشكال المعارضة السّلميّة، معربة في الوقت ذاته عن قلقي الشّديد من ردود الأفعال المرتقبة، ثمّ حمّلتها المسؤوليّة في لحظة غضب، حين احتدم النّقاش بيننا، فصرخت بي:
- نعم؟، هل فكرة الرّفض فكرتي الشّخصيّة؟.
- أنا الدّجاجة التي سيُنتزع ريشها نزعا، وأنتِ سبب كلّ هذه التّراجيديا.
- لن يلمسك أحد، لكِ كلّ الضّمانات.
- عن أيّ ضمانات تتحدّثين؟، أنتِ لا تعرفين أمّي جيّدا.
- وداعاً «سوبرانو»، نلتقي في الجنّة.
وأطلقت ضحكة رنّانة انقطعت بإقفال الخطّ.
ما تراني أفعل وقد خرج الموضوع من يدي؟، ثمّ أمذنبة أنا إذا دافعت عن حقّي في الاختيار؟.
وأظل أبحث في داخلي عن شيء ما أهرب به من ضميري الذي استيقظ... فأرى متاهة.
أجمل شيء قمت به هو أنّي قرأت آية الكرسيّ ونمت، موكّلة أمري إلى الله.
لم تضربني أمّي ويا ليتها فعلت وانتهى الأمر:
- والله الذي لا إله إلاّ هو لن تري منّي ديناراً واحداً بعد الآن، ولن تذهبي معنا للتّخييم، أنتِ وحليفك الأحمق، ستبقيان هنا تحرسان المنزل، وإذا دخل أحدهم ألقي عليه الصّينيّة، اتّفقنا «سوبرانو»؟.
فيردّ عليها خفية:
- لا عليك أختي، سينتصر الخير في النّهاية.
اشتدّت مأساتي شدّة إعصار استوائيّ، فقد سبّب لي حصار أمّي الاقتصاديّ أضراراً فادحة لم تكن في الحسبان، كما علمت أنّها هدّدت بترك المنزل لو تدخّل أبي، وحتّى «صفاء» المرعوبة منها، فرّت من أمامي كالدّجاجة نحو غرفتها، ذات ليلة مدّعية العوز:
- من أين آتيك بالمال؟، ألا ترين أنّي فقيرة مثلك؟... يا ساتر.
وراحت تردّد منسحبة:
- لله يا محسنين... لله يا محسنين.
ولجأت إلى العادل الذي لا يظلم أحداً مثقال ذرّة، أدعوه في ساعة سَحَر أن يعفو عن ذنوبي، التي أعلمها والتي لا أعلمها، سبحانه العليم بكلّ شيء.
- شوووت.
كانت الورقة النّقديّة دافئة جدّاً حين داعبت باطن يدي.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!