هروب «بثينة»
أوّل مرّة أصارح أمّي بما يجول في صدري، ربما كنت مرعوبة جدّاً من فقدانها، وأنا المتكتّمة التي أبوّب دفائني ضمن تصنيف «سرّي للغاية»، رغم أنّ خالتي هي الوحيدة التي تشجّعني على سرد كلّ مكبوتاتي بدل أرشفتها، والسّرد ينشئ تعاطفاً من نوع خاصّ.
صحيح أنّ «ابتهاج» صديقتي الحميمة، لكنّي آثرت ترك أحاسيسي تجاه الأستاذ هذه المرّة لنفسي، وكأنّي بذلك أخلص في حبّي له، بعد أن رأيت نظرات أستاذة الكيمياء الحانية الحالمة ذات الشّعر الأصفر أثناء حديثه مع المدير، ثمّ عرفت أنّها تتقرّب منه، لذلك خشيت أن ينكشف سرّي، والغيرة مصيبتنا نحن النّساء.
تقول «ماما سوسو» إنّ الخجل والحياء شيئان متشابهان ومختلفان، لكن عندما يحمرّ وجهي، هل هناك متّسع للتّساؤل عن نوعيّة هذا الاحمرار؟.
خرجت أمّ «مريم» من مرحلة الخطر، وتوقّفنا نحن عن التّدريبات تحضيراً لاختبارات الفصل الثّاني، ووجدت نفسي أمام تحدّ آخر؛ المحافظة على وعدي الذي قطعته لخالتي للمرّة الثّانية على التّوالي، مهما كلّفني من ثمن.
ودعوت الله أن يوفّقني كما وفّقني من قبل.
أقبلت على التّحضير المكثّف مع «ابتهاج»، المراجعة وزيادة دروس الدّعم حتّى انتهى كلّ شيء وأُعلنت النّتائج، بنفس المعدّل الأوّل تقريبا.
على يقين أنا دائماً أنّ تفوّقي في دراستي سيفتح لي أبواباً كثيرة، على الأقلّ سيجعل قدمي ترسخ أعمق في الفِرقة، بعد أن صنعت فيها موطئاً فسيحاً لذاتي.
غير أنّ الرّياح لا تجري دائماً كما تشتهي السّفن.
سهرت في متابعة فيلم رومنسيّ، فتأخّرت كثيراً عن النّهوض في ذلك الصّباح البارد من أيّام الإثنين، ولحسن الحظّ أنّهم أعلمونا مسبقاً أنّ أستاذة الأدب العربيّ ستغيب أيّاماً بسبب زكام طارئ.
لذا فقد أخذت وقتي كلّه في النّوم، وما أفعل إذا كانت حصّتي الأولى تبدأ على السّاعة العاشرة بمادّة اللّغة العربيّة، والثّانويّة على مسافة تغريني بالوصول قبل انتهاء صوت قرع الجرس، لو انزلقت من الفراش.
هكذا تهيّأ لي وأنا أقاتل النّعاس.
خرجت مسرعة خشية التأخّر أكثر، فتمنعني الأستاذة من الدّخول، كونها لا تتسامح مطلقاً مع المتأخّرين مهما كانت أعذارهم، وكم أعادت علينا عبارتها الشّهيرة:
- إذا أغلقت الباب، لن أقبل أن يفتحه أيّ أحد بعدي، حتّى لو كان المدير شخصيّا.
تعلّق «ابتهاج» ساخرة:
- طبعاً لأنّ لديها سيّارة.
- أنتِ أيّتها الطّالبة... ما بها سيّارتي؟.
وتنفلت منّا تحت الطّاولة ضحكات تأبى الكتمان.
تتفرّس فينا بنظرات تحذيريّة:
- تجدن كلامي مسلّياً؟، سأصادر أيّ هاتف أسمع رنينه ولو كان منخفضا، احذرن منّي فأنا أسمع دبيب النّملة، أنا لا أمزح.
★★★
ما إن دخلت السّاحة حتّى سمعت كلاماً غريباً يدور بين الطّلبة، الذين كانوا في فترة الاستراحة الصّباحيّة.
أشارت إليّ «نور الهدى» من بعيد أن أقترب بسرعة.
كانت مع «ابتهاج» و«ليندة» و«حنان» و«مليكة»، في زاوية قصيّة من السّاحة، بعيدة عن الرّياح الباردة التي كانت تهبّ منذ ليلة البارحة:
- هل سمعتِ الجديد؟.
سألتني «ابتهاج» كعادتها معتزّة بذبذباتها التي تلتقط كلّ متحرّك.
- لا، قدمت الآن من المنزل، خيراً إن شاء الله.
- «بثينة» هربت من البيت.
- ماذا؟، مشاكل عائليّة دون شك؟.
فانفجرت «مليكة» في وجهي:
- ذهبت إلى منزل أستاذ الإنشاد البارحة، والثّانوية الآن بركان، لا دراسة ولا هم يحزنون.
على الفور، أردفت إحداهنّ:
- سيستدعي المدير قوّات مكافحة الشّغب إذا ساء الوضع، بعض معيدي السّنة يريدون استغلال الوضع لإثارة الفوضى.
ارتفعت بي الأرض وانخفضت، ثمّ تراخت ساقاي واسودّ كلّ شيء في عيني، بعد لحظات وجدت صديقاتي متحلّقات حولي، وبيد «ابتهاج» قارورة عطر نفّاذ الرّائحة.
- ما بك؟، لقد فقدتِ الوعي لدقيقة.
لم أجد ما أجيب به «ليندة»، ثمّ تذكّرت أنّي أخرجت العسل وأنا أنظر للسّاعة، وحين أدركت أنّي سأتأخّر تركته على المائدة، ومددت يدي كعادتي لحقيبتي التي تحوي بعض الشّوكولاتة.
بعد دقيقتين استعدت نشاطي كاملا، لأتفاجأ بوجود المراقبة «نورة» أمامي تسأل عن صحّتي.
قالت إنّ هناك من أخبرتها أنّ «إلهام السّوبرانو» سقطت مغشيّاً عليها، فأتت لنجدتي، ولمّا اطمئنّت على صحّتي، عادت للإدارة، وبدأت «ابتهاج» في سرد القصّة.
خوف عارم تملّك «بثينة» بعد تهديد شقيقها لها بالويل إذا أحرزت نتائج ضعيفة في الفصل الثّاني، إذ اعتقد أنّها هجرت الدّراسة واتجهت إلى الغناء، وأصمّ قلبه قبل أذنيه عندما حاولت إقناعه بشتّى الوسائل:
- ولدتِ البارحة فقط وتحاولين إقناعي أنا ابن الأربعين.
وراحت تقلّد صوته الذّكوريّ باستهزاء.
- ما هذه الفظاعة؟.
- اصمتي «ياسمين» ودعيني أكمل... من فضلك.
كانت «بثينة» تأتي خفية للحصص التّدريبيّة زاعمة لأمّها أنّها تحضر دروس الدّعم في بيت إحدى الأستاذات، ثمّ انكشفت كذبتها عندما تحصّلت على نتائج ضعيفة في الرّياضيّات، إذ ذهب شقيقها مستفسرا، فلم يجدها في العنوان الذي تأكّد بنفسه سابقاً منه، فثار كالثّور الهائج، وضربها ضرباً مبرحا، حتّى أوشكت أن تهلك من فرط ما بها من جروح وكدمات، ثمّ أتى إعلان النّتائج ليزيد الطّين بلّة، فما كان منها إلاّ أن هربت باكية مستنجدة بالأستاذ، وهنا تعقّد الموقف أكثر، حيث بدأت الشّائعات تطاردها، وتطارد الأستاذ معها.
- تذكّرت الآن، سألتها عن سبب الكدمة التي على صدغها، فقالت إنّها انزلقت أثناء اغتسالها.
هذا ما أسرّت به «ياسمين» في أذني وهي تنظر ناحية الإدارة.
- علاقة حبّ، لذلك هربت إليه، حبيب القلب عازف «البيانو».
وهذا ما تلفّظت به «مليكة» وهي تنظر مستنكرة تجاه «نور الهدى»، التي واجهتها بدورها بنوع فريد من الحقد:
- الماكرة!... عرفت من أين تُؤكل الكتف، سيتزوّجان هذا الصّيف، استراحت من عناء الدّراسة وضمنت زوجاً وسيماً في ريعان شبابه، لديه سيّارة وبيت ومستقبل عريض، أنا جارتها وأعي جيّدا ما أقول.
وراحت تنظر ناحية قاعة الأساتذة بحقد تجلّى على شفتيها الرّفيعتين، وهي تفرك عينيها، كالتي تتحقّق من المشهد.
ثمّ تدخّلت «ليندة» بحسرة:
- باعت نفسها من أجل ملذّات الدّنيا الفانية.
- اتّقين الله يا بنات، إنّ بعض الظّنّ إثم، دعوكنّ من هذا الكلام الذي لا أدلّة عليه، من أين أتيتنّ بهذه الأفكار الشّيطانيّة؟.
- ما بكِ يا «حنان»؟، هل أنتِ ضريرة؟، أرأيتِ كيف كانت خائفة من استقالته بعد المشكلة التي حدثت مع المدير مؤخّرا؟... أأذكّرك؟ أأذكّركنّ؟.
وراحت تتفرّس فينا جميعا، الواحدة تلو الأخرى، فالتصقت عيناي بعينيها:
- صحيح، هدّدت بالتوقّف عن الدّراسة لو توقّف هو عن العمل.
قلت هذا في نفسي وأنا أعضّ على شفتي.
- آآآه «سوبرانو»، لم أرك منذ زمن.
فعاجلتها «ابتهاج»:
- دعينا الآن «سعاد».
- على رأيك، الثّانوية كلّها منشغلة بالفضيحة.
ونظرت إليّ باستفزاز، ثمّ رفعت يديها قائلة وهي ترسم ملامح الأسف على وجهها:
- سيُطرد شرّ طردة، هل هذه أخلاق الأساتذة؟... اللّهمّ لا شماتة.
أستعجل الزّمن لأغادر بسرعة هذا المحيط السّامّ، وكدت أفقد وعيي مجدّدا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!