«سوبرانو»
من المستحيل أن أضمن توازني العقليّ أمام فرحة راحت تتملّكني رويدا رويدا، وأنا في طريق عودتي إلى البيت، فما إن وجدت أختي عند الباب، حتّى عانقتها بكلّ قوّتي، إلى أن صرخت من الألم:
- ستكسرين لي ضلعاً، ما بك؟... يا لطيف.
ثمّ غيّرت نبرتها بعد أن استطاعت التّحرّر من مسكتي:
- هل تحدّث معك؟... سيجنّ من أجلك أتعلمين؟، لقد سألني عنكِ الآن فقط، وهو يبلّغك تحيّاته... هل رأيتِ الطّراز الذي اقتناه مؤخّرا؟.
- دعيني «صفاء»، لديّ ما هو أهمّ بكثير من ذلك الجرذ، يجب أن تساهم المرأة في تشكيل العالم.
- أنتِ تتحدّثين كالسّياسيّين، وتتصرّفين كفتاة أرستقراطيّة، تواضعي قليلا... يا ساتر.
وراحت تخفض يدها ناحية الأرض في حركة مكرّرة.
- أنا متميّزة، ركّزي جيّداً في التّفاصيل.
ورحت بدوري أرفع يدي ناحية السّماء في حركة معاكسة لحركتها، متبخترة في الرّواق.
تجاهلتني أمّي التي عزّزت وجودها في المكان بنحنحة في وزن الرّيشة، وهي تدخل المطبخ مسرعة تتمتم، عادة اكتسبتها منذ خمسة عشر يوماً فقط، لكنّها زادت من كثافة النّكهة قبل يومين.
- كيف كان الغناء؟.
- ليس غناء يا فهيمة، هو إنشاد، هذه الحصّة مختلفة تماماً عن الحصّة الأولى، وصلت لصوت «صول» بأريحيّة أدهشت كل الحاضرين.
- المهمّ «أسمهان»؛ ما هو اسم الفِرقة؟.
صاحت بإعجاب مصفّقة.
- نسينا مسألة مناقشته، كنّا مشغولين بأشياء أخرى.
- وكيف كان شكله؟، صحيح أنّه يرتدي قفّازات الشّرطة؟، تملّصتِ من سؤالي المرّة الماضية بحجّة أنّه غادر باكرا.
صرفت بصري نحو السّماء:
- من؟... الأستاذ؟، أستاذ كباقي الأساتذة، ما شأنكِ به؟.
لكنّها عادت بنبرتها الماكرة:
- شخصيّة لها هيبتها، أليس كذلك؟، هكذا يتحدّثون عنه في الثّانويّة.
وأشارت برأسها إلى الجنوب، تصفّق سعيدة وهي تتراقص يمنة وشمالا.
- اغربي عن وجهي يا لئيمة، ما هذا اللّغط؟.
- رأيته البارحة حين خرج من قاعة الأساتذة.
- ليس صحيحا.
قلتها وأنا أهزّ كتفيّ تكذيبا، غير أنّها راحت تستميت في القول:
- ذو شعر أسود تخالطه شعيرات بيضاء، حلّيق اللّحية مثل أبي، وله شارب خفيف منمّق كشوارب الصّينيّين، هل تريدين دليلاً آخر؟.
- لم تريه، هذا وصف «ابتهاج»، لأنّه نادراً ما يظهر أمام الملأ.
وراحت تكمل وصفها في طمأنينة:
- يرتدي سروالاً وقميصاً رماديّين، مع سترة خفيفة سوداء، وحذاء جلديّ يقترب لونه كثيراً من لون القهوة.
ثمّ رفعت قبضتها عالية في السّماء، كالتي تحقّق انتصاراً بدا مستحيلا:
- المجد لنا نحن الفتيات.
وردّد الرّواق صدى عبارتها التي دأبت على تكرارها، كلّما تفاخرت بنزعتها الأنثويّة أمامي.
درست «صفاء» علم الموسيقى حين كانت في المدرسة المتوسّطة، غير أنّي حين أخبرتها بالتّفاصيل الدّقيقة، اعتبرت ذلك متطوّرا جدّاً، ثمّ قامت بنصف دورة كأنّها اكتشفت شيئاً مثيرا:
- هل أدعوه في عيد ميلادي القادم مع «نورة»؟، ما رأيك؟... سيأتي؟.
تعجّبت وأنا أحاول ربط شعري الذي أقلقني بانسداله على كتفي:
- دعينا الآن، ما زال عيد ميلادك لم يأتِ بعد.
★★★
انسللت لغرفتي واستلقيت على السّرير منشرحة الصّدر، ثمّ تذكّرت وصيّة الأستاذ، فطرقت مسرعة غرفة جدّتي، لأجد المصحف بين راحتيها تحفّظ «صفاء»، ما تيسّر من سورة «آل عمران».
جدّتي صاحبة الثّماني والسّبعين عاما، العجوز التي تعيش معنا ولا تعيش معنا في آنٍ واحد، والتي يخلو وجهها من التّجاعيد، باستثناء خطوط رفيعة لا تكاد تلاحظ بالعين المجرّدة، متناثرة على محيّاها الطّلق، أمّيّة منذ صغرها، غير أنّها تعلّمت القرآن الكريم في مركز لمحو الأمّيّة.
أخبرتنا مرّة أنّها دخلت المركز قبل خمس عشرة سنة، من أجل القراءة في المصحف، وأنّ لها حلمين في هذه الدّنيا قبل أن تموت، الحلم الأوّل وقد تحقّق بمشيئة الله، والحلم الثّاني هو رؤية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، في رؤيا تبقى راسخة في قلبها، إلى يوم لقياه على الحوض.
- جدّتي يا جدّتي يا أغلى شيء في منزلنا، هل تقدّمين لي ملعقة صغيرة من زيت الزّيتون؟.
ارتفع حاجباها قائلة:
- كم تحايلت عليك لتتناولي ولو قطرة واحدة في الشّهر؟!.
- سبحان مغيّر الأحوال.
سبّحت «صفاء» بينما راحت جدّتي تقدّم لي القارورة الزّجاجيّة كاملة، كأنّها تهديني أعزّ ما لديها في الوجود.
في الحقيقة لا أكره زيت الزّيتون إلاّ لرائحته النفّاذة، لكن من أجل تحقيق هدفي كان لا بدّ من تجرّعه.
- أثبتي لي الآن أنّكِ امرأة شجاعة.
ونظرت نحو «صفاء» قائلة:
- «إلهام» تفّاحة المنزل.
أغمضت عينيّ برهة، ثمّ بسملت متناولة جرعة منها بصعوبة، كدت أستفرغ بعدها كلّ عصارتي المعديّة، عندها جلجلت أختي بكلّ قوّتها:
- الله أكبر... المجد لنا نحن الفتيات.
★★★
في اليوم الموالي، كان الكلّ يتحدّث عنّي وعمّا حدث في الحصّة؛ كنت أسمع همسات هنا وهناك بين البنات، إنّهنّ يردن معرفة اسمي؛ سبحان الله، أصبحت مشهورة بين عشيّة وضحاها، ولمّا توجهت إلى مكتبة الثّانويّة، استقبلتني أمينتها «فايزة» بوجه بشوش على غير عادتها:
- أهلاً «إلهام»، يا مرحباً بك، تفضّلي... سأعيركِ ثلاثة كتب دفعة واحدة، اختاري العناوين فقط.
تفحّصت «ابتهاج» وجهي في استغراب:
- أصبحتِ أشهر من نار على علم؛ من حسن حظّي أنّي صديقتك، يا سلام لو كانوا يعرفونك أيضاً في محلّ البيتزا؛ لأكلنا مجّانا.
كانت بعض البنات داخل المكتبة يوشوشن لبعضهنّ البعض:
- هذه هي... هذه هي.
ثمّ همست إحداهنّ لمجموعة من بنات أخريات، كنّ واقفات أمام الباب استعداداً للدّخول:
- إنّها هي... «إلهام السّوبرانو».
كم كانت فرحتي تتعاظم بهذه الاسم الذي راق لي أكثر من الشّهد.
مرّة، احتاج أحد الطّلبة شيئاً من أستاذة اللّغة الإنجليزيّة، ولم يعرف مكانها، فقالت له «نورة» مراقبة الأقسام النّهائيّة:
- ضع قسم «إلهام السّوبرانو» على شمالك، وانعطف مباشرة عند الزّاوية.
أمّا أختي، فكانت تعرّف للآخرين بكونها أخت «إلهام السّوبرانو»:
- لماذا لا تستغلّين شهرتك وتطلبين من أمينة المكتبة التوسّط لي عند أختها أستاذة العلوم، يا ساتر لديها سلّم نقاط لا يتسلّقه أحد.
- أدرسي بجدّ، لن أكلّم أيّ أحد مهما كان.
- تذكّري أنّي في أمس الحاجة لمساعدتك وتخلّيتِ عنّي... مغرورة.
نسيتُ شيئا.
في عصر الجمعة، أي بعد ثلاثة أيّام عن الحصّة الثّانية، كانت جارتنا والدة «منير» الميكانيكيّ، تسأل أمّي البيولوجيّة بحرص شديد عن معنى كلمة «سوبرانو»، وحين خرجت، تطاير الشّرر من عينيها:
- هل يسعدك هذا؟، أصبحت سيرتنا على كلّ لسان.
- والله لا أعرف سبباً منطقيّاً واحداً لانزعاجك بهذا الشّكل، أنا لم أفعل شيئا.
- لم تفعلي شيئا؟.
تساءلت بنبرة مضحكة، ثمّ زاد تهكّمها:
- حين تكملين دراستك لن تجدي شخصاً واحداً يتقدّم إليكِ، ستبقين عانساً إلى الأبد، مثل خالتك، تذكّري كلامي جيّداً «إلهام»، وستعضّين على يديك من النّدم، هل تعلمين؟... أنتِ تشبهين الطّائرة الورقيّة، يكفي أن يهبّ عليكِ نسيم خفيف ليسقطكِ أرضا.
تغيّر صوتها فجأة وهي ترفع يدها كعلامة واضحة للتّهديد:
- نسيم خفيف سيسقطك أرضا.
- إذا كنتِ تلمّحين إلى الحمار الذي يسمّى «منير» فانسي الأمر، كثرت زيارات أمّه في الآونة الأخيرة، وأعرف أنّك تضعينه منذ أشهر في حساباتك لو فشلت في الحصول على شهادة «البكالوريا» لا قدّر الله، ما يدريك؟... لعلّه طامع فينا.
قلتها بنبرة غضب متصاعد، وفي ذهني صورة أمّه.
- الرّجل رجل، عمل ثابت ومستقبل واضح، ماذا تريدين أكثر من ذلك؟، غروركِ سيغرقكِ في كأس من الماء.
- هناك من هو أفضل منه، لماذا تتشبّثين بقطعة خشب طافية؟، ألا يوجد لديكِ غربال؟.
في هذه اللّحظة دخل «أيّوب»، يتساءل بدوره عن معنى كلمة «سوبرانو»، فقد سمعها تتردّد في مدرسته.
لم أجبه، وذهبت إلى غرفتي متعكّرة المزاج.
هل تراني أخطأت؟، أم هو شيء عادي أن يصبح المرء مشهورا؟.
★★★
أصبحت حصّة يوم الثّلاثاء خاصّة بنا وحدنا بعد تخصيص يوم السّبت للذّكور.
قبل الواحدة بقليل، وجدت إحدى الأمّهات تتحدّث مع الأستاذ بإلحاح، محاولة إدخال ابنتها المولوعة بالإنشاد للفرقة، ابنتها التي تعاني من بحّة أبت أن تفارقها منذ أشهر، فأشار عليها بوجوب إجراء كشف عند طبيبة مختصّة في أمراض الأنف والأذن والحنجرة، كي تشخّص حالتها جيّدا، فوعدته بذلك، ثم راحت تشرح له أنّها لم تنم منذ البارحة، قلقاً وشفقة عليها.
يا للمفارقة العجيبة بينها وبين أمّي!.
بسبب الغيابات الكثيرة، بدا المدرّج فارغاً يبعث على الاكتئاب، غيابات عكست استهجان الكثيرات لطريقة العمل، فمنذ أن كنّا خمسين منشدة، أصبحنا الآن لا نتجاوز العشرين.
بقيت «حنان» و«إشراق» وبعض البنات من شعب مختلفة، غير أنّ ردّ فعل الأستاذ كان محيّرا:
- ذهبت من تريد الأكل جاهزاً دون أن تشترك في إعداده مع الأخريات.
كان مثالاً موجزاً للجميع؛ ليست الفِرقة مكاناً جيّداً للكسولات والمتقاعسات... ولن تكون.
مباشرة بعد جلوسنا، أشارت إحدى الطّالبات المتحمّسات أنّها فكّرت في اسم جيّد للفرقة، جازمة أنّ «النّور» هو الاسم الأمثل لنا؛ فنحن نور ظهر في الظّلام على حدّ تعبيرها، بينما اعتبرت «مليكة» أنّ اسم «الأمل» أفضل وأرفع وأدقّ، لكنّ الأستاذ تجاهل مسألة التّسمية، معتبراً ما ذكرتاه مستهلكا:
- لا تتعجّلن؛ فيما بعد سنختار اسماً مناسباً إن شاء الله، لدينا مهلة شهرين على الأقلّ؛ لننشغل الآن بالأساس والأهمّ، وهو أنتنّ.
وأشار إلينا بكلتا سبّابتيه:
- أريد أن أصنع منكنّ منشدات محترفات، يعرفن جيّداً ما يفعلن، فساعدنني رجاء، الصّبر ثمّ الصّبر ثمّ الصّبر.
وواصلنا العمل بنفس طريقة التّدريب السّابقة لتظهر نفس الأعراض.
سبحان الله؛ بعد مرور حوالي نصف ساعة، أصبحنا جميعاً نسمع انسجاماً غريباً:
- هذا الانسجام معناه أنّ أصواتكنّ بدأت تتصحّح، وأنّنا جميعاً في الطّريق القويم، وإذا استمرّيتنّ على هذا المنوال، فستذهبن بعيداً بمشيئة الله.
ما أروع أن نسمع نجاحنا بآذاننا، بعد أن كان قبل أيّام قلائل مجرّد وعد!.
- ما بك «ابتهاج»؟.
- أتنفّس بصعوبة، أنا أختنق.
كانت مشكلة حقيقيّة، ووجد الأستاذ لها حلاّ.
بسببها أعطانا تمريناً تطبيقيّا للجميع، قال إنّه سيساعدنا على تقوية الرّئتين، وهو الجلوس دون حركة، في وضعيّة مريحة على الكرسيّ؛ وأخذ شهيق عميق من الأنف، دون توسعة المنخرين، كي لا يتشوّه الأنف بمرور الزّمن، ثمّ حبس الهواء لمدّة أربع ثوان، ثمّ إخراجه ببطء شديد قدر المستطاع، وبهذا؛ نستطيع إكمال الجمل الموسيقيّة دون اضطرارنا لقطع الكلمات في المنتصف، وأخذ نفس جديد عاجل، كما يمكن تطبيق هذا في ترتيل القرآن الكريم، وهو ما أفرح «حنان» كثيرا، لأنّها عانت من نفس المشكلة، و«ياسمين» عاشقة التّعليق الصّوتيّ.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!