وضع القراءة:

42 الثّعلوبة

كلّما اقتربت السّاعة العاشرة، يخفق محرّكي النفّاث الذي خُلق بين جوانحي:
- أخشى ألاّ يأتي وهو معذور... والله معذور.
أقول هذا في داخلي ثمّ أضع مرساتي:
- سيأتي إن شاء الله، يوم السّبت يوم عطلة.
وأزداد اطمئناناً حين أتذكّر أنّي صحوت لصلاة التّهجّد، ثمّ راجعت حزبين من القرآن الكريم، بل صلّينا الفرض كلّنا جماعة، أنا و«ماما سوسو» و«بشرى»، في حين غابت «صفاء» لعذر شرعيّ.
- سأخفي النّظارات كي أبدو على الشّكل الذي رآني عليه قبل أربع سنوات، ليرى «السّوبرانو» التي عهد أن يراها أمامه.
هذا ما حدّثني به قريني الملعون وأنا أتأمّل صورته في الهاتف، ثمّ عدلت عن سخافتي:
- يجب أن يقبلني على شكل الحالي، ما معنى أن أخفيَ شيئاً عنه؟.
في ذلك الصّباح المشمس، ودّعتني «ماما سوسو» وهي تطبع قبلة كبيرة على جبيني، حمّلتها كلّ أمانيها والأحلام، ثمّ ثبّتت عينيها في عينيّ:
- الكذب مفتاح كلّ شرّ، أنتِ درّة يا «إلهام»، صوني نفسك ولا تهينيها باسم الحبّ، والله لن تأخذي شيئاً لم يكتبه الله لك.
وكرّرت جملتها، كأنّها تتعمّد نقش العبارة عميقاً في داخلي، فابتسمت ويدي على حقيبتي.
★★★
ما إن ولجت باب مقرّ الجمعيّة، حتّى تفاجأت بكعكة عملاقة من أربعة طوابق، كُتب عليها «أهلاً وسهلاً أستاذنا الكبير»، فوق منضدة دائريّة الشّكل تتوسّط القاعة، مدجّجة بالموز والبرقوق والمشمش، مع بعض الحلوى التّقليديّة، وعبوات مياه.
- سأهديه الشّوكولاتة مثل المرّة السّابقة، وأمري إلى خالق الأذواق.
هذا ما عزمت عليه، وأنا أخرج منديلاً ورقيّاً أداري به ما يفرزه أنفي حرجا، قبل أن أبدأ رحلة المجاملات مع عضوات المكتب، في انتظار أن تشرق عليّ شمسي.
على حين غرّة، التفتت رئيسة الجمعيّة بصوت مرحّب، وابتسامة في عرض مرمى كرة القدم، فالتفتّ معها متلهّفة ظانّة أنّه وصل، غير أنّي صُدمت بفتاة بدت لي في منتصف العشرينيّات، ترتدي حجاباً فيروزيّا، طويلة القامة، بيضاء البشرة كالرّوسيّات، تناسق لون حجابها مع لون عينيها المائل قليلاً إلى الزّرقة.
تيبّست مكاني كتمثال غرانيتيّ، ولم أنتبه إلاّ لصوت رئيسة الجمعيّة التي صاحت:
- وعليكم السّلام، أهلاً «ابتسام».
وطبعت قبلتين حارّتين على وجنتيها الممتلئتين، فلم أتبيّن تورّد التّزيين من تورّد الخجل، فيما راحت الأخريات تقبّلنها كأنّهنّ على معرفة سابقة بها، وأنا الصمّاء وسط العرس.
عندها أمسكتني من يدي برفق:
- أعرّفك على ابنتي... «ابتسام»، خرّيجة كليّة الطّبّ العام الفائت.
وقبّلتني الدّمية.
نعم... أربع قبلات كاملة.
- أنتِ تبكين؟.
- مجرّد زكام خفيف، من الأفضل لو تتجنّبيني.
ضحكت وراحت تعتصرني بين أحضانها عصراً وهي تلقي بعبارتها عالياً أمام الحاضرات:
- أنا مطعّمة.
أحسست من نبرة صوتها تهديداً خفيّا، فقلت في نفسي والغيرة تأكلني أكلا:
- وربّ الكعبة الشّريفة، لأجذبنّها من شعرها وأجرّها جرّاً على أرضيّة القاعة، لو حاولت مجرّد الحديث معه، حبيبي... يُسرق منّي في وضح النّهار وأسكت؟، كلاّ لن أتركها تهنأ به، أنا هي المتحكّمة في قواعد اللّعبة، النّصر أو الاستشهاد، والمجد لنا... نحن الفتيات.
هزّتني الرّئيسة بلطف:
- «إلهام» حبيبتي، ما بك؟، خيراً إن شاء الله، تغيّرت سحنتك.
- لا شيء، تذكّرت شيئاً من الماضي.
- أهناك خطب ما؟، مشكل عائليّ مثلا؟، أنا أصغي.
- المسكينة مريضة... ماما.
- حقّا... طهوراً إن شاء الله.
لا أعرف كيف استطاعتا رسم شفقة بوليووديّة على وجهيهما بتلك السّرعة، ثمّ جلست بجانبها وراحت توشوش بهمس، تعمّدت إذاعته نحوي:
- أخبرتني والدته البارحة أنّه سيأتي، لقد اشترى سيّارة جديدة.
نعم... بكلّ قذارة الخنازير ووداعة الحملان.
تخدّرت ساقاي وأنا أرى البساط يُسحب من تحتي، ثمّ التفتت إليّ قائلة:
- لم تخبريني ما المشكل؟، على فكرة هنا في الجمعيّة لا توجد أسرار.
فقلت بنبرة تحذير لا تخفى عن عاقل:
- خاطرة تتسكّع في رأسي، أحاول بلورتها في شكل مقبول، قبل أن تفلت منّي في تصرّف طائش.
- يبدو أنّني سأتعامل مع شخصيّة حسّاسة، عاطفتها الجيّاشة تقود...
لم تكمل جملتها ضاحكة، حتّى طرق الأستاذ الباب المفتوح ملقياً السّلام بابتسامته الصّافية.
يا الله...
عجزت أقلام الزّمن على أن تكتب على صفحة وجهه شيئا، وهو الذي إذا أمسك وردة في يده زادته إثارة وزادها جمالا.
واحمرّ وجهي وأنا أراه أمامي بشحمه ولحمه، يتبادل التّحيّة مع الحاضرات والحاضرين.
ثمّ اقترب منّي مسلّما، ولعلّه أحسّ باضطرابي الذي حاولت إخفاءه عبثا، وعيون القطط البشريّة، فلم يزد فوق ذلك شيئا.
ورحت أبثّ في ذاتي سكينة وأنا أرّدد:
- نحن الاثنان نرتدي نظّارات طبيّة، معنى هذا أنّنا نتوافق وننسجم مع بعضينا، ما شأن هذه الدّمية؟.
تفطّنت لأزيزي بالتفات بعض البنات الصّغيرات لي، مستغربات من هذه المجنونة التي تكلّم نفسها.
- يا إلهي، ما هذا المنطق الغريب الذي أفكّر به؟، ما دخل النّظارات في التّوافق؟.
في النّهاية حزمت أمري:
- هذه المرّة سأعطيه لوح الشّوكولاتة أمام أعين كلّ الحاضرين، كي أقطع الطّريق أمام ابنة رئيسة الجمعيّة، فلا تتسلّق بتفكيرها جبال «الهيمالايا»، صبركِ عليّ أيّتها الدّمية، المسألة كلّها لن تتعدّى نصف دقيقة.
ورحت أقتنص فرصتي، محترسة من الثّعلوبة التي تطارده بعينيها، كلّما سار أو تكلّم أو تناول شيئاً من المنضدة، التي تزيّنت ببعض الأطباق الفاخرة.
وسمعت أمّها بلكنتها المصطنعة المتعالية تزعم أنّ ابنتها هي من حضّرت هذا الصّنف أو ذاك، مسترسلة في شكرها، وشكر أصابعها التي يجب أن تلفّ في حرير صينيّ، والماكرة -بطبيعة الحال- لا تفوّت ثانية إلاّ وأصلحت فيها خمارها أمامه، في حركة لا إراديّة حين تلتقي أعينهما.
حسن حسن، وربّ الكعبة الشّريفة لأذيقنّكِ الأمرّين، والبادئ أظلم، أنا من طبعي مسالمة، والويل... كلّ الويل لمن تغضبني.
- أستاذ.
نظر إليّ منتبها، كما نظر «عبد الناصر» و«رغد» و«جانيت» و«عفاف» و«نانسي»، وبعض العضوات.
باعتزاز أرستقراطيّ فتحت حقيبة يدي السّوداء، باحثة عن لوح الشّوكولاتة الذي جهّزته له منذ ليلة البارحة سرّا، وأنا أردّد في داخلي:
- دعي الكلّ يشاهد ما ستفعلينه الآن يا «إلهام»، كلّما زاد عدد الشّهود كلّما دفعتِ غريمتكِ إلى أسفل السّافلين.
يا ربّ السّماوات!...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.