وضع القراءة:

مركز الإصغاء

بعد مرور شهر من التّدريبات الشّاقة وتمرين التّنفّس السّابق، تحسّنت أصواتنا بشكل لا يصدّق، ممّا جعل «إشراق» تجزم بالفرنسيّة في أكثر من مناسبة وهي سعيدة باختفاء دوارها:
- سنواصل مهما كلّفنا الأمر ولن نستسلم، لقد حقّقنا حتّى هذه اللّحظة تقدّماً وانسجاماً صوتيّاً تفتقده كلّ المجموعات الصّوتيّة الأخرى، وهذا لا يعني إلاّ شيئاً واحداً لا غير، نحن نسير في الطّريق الصّحيح.
وتنظر إليها «ابتهاج» في ذهول:
- سبحان الله، كيف تستطيعين تحريك شفاهكِ بتلك السّرعة؟.
ثمّ تطلب منّي ترجمة ما قالته، محتارة في قدرتها على الحديث بالفرنسيّة بكلّ تلك الطّلاقة، وأحتار أنا بدوري في سبب اختيارها لشعبة «اللّغات»، إذا كانت تتعثّر في إحداها.
أمّا «حنان»، فتؤكّد أنّنا هنا من أجل الخير والسّير على الهدى؛ قبل أن توصي نفسها وتوصينا بإخلاص النيّة لله، ووجوب المحافظة على هذه النيّة مهما تغيّرت الظّروف.
كوننا نعيش في جوّ من النّشاط الممتزج بالفكاهة والمرح والتّحدّي، فإنّ المشاعر المتولّدة من الضّغط العصبيّ ستتبدّد، طقس ربيعيّ جميل ما يحيط بنا، فلا غرو أن تنشأ روابط صداقة جديدة بين عضوات الفرقة.
- «الإنشاد لعبة جماعيّة».
هذا ما يردّده الأستاذ مذكّرا، وشاكراً في نهاية التّمرين كلّ واحدة باسمها، وهو ينزع قفّازاته البيضاء، مشجّعا بدوره ومحفّزا، أمّا أنا فقد كنت شيئاً آخر.
- قلّدن الصّوت مثل «إلهام»، استمعن جيّداً بقلوبكنّ مثل «إلهام»، ركّزن وابدأن حين تكنّ مستعدّات، بهدوء شديد دون ضغط، مثل «إلهام»، اتركن الصّوت يتسلّل إلى أعماقكنّ، ثمّ أخرجنه بسلاسة كسلاسة الماء الجاري، لا خوف.. لا تردّد، أؤكّد، لا خوف ولا تردّد، بل إحساس بالأداء قدر المستطاع، تماماً مثل «إلهام»، وإذا أخطأتنّ فلا بأس، يجب أن تخطئن، لأنّها المرّات الأولى... المحاولات الأولى، لستنّ معتادات، فلمَ القلق والتوتّر؟، المهمّ التّركيز والتّنفيذ، أمّا النّتيجة فاتركنها على الله.
وفي النّهاية يشكرني بعبارته «غراثياس سوبرانو»، بمعنى «شكراً» بالإسبانيّة.
عبارة بسيطة لكنّها تغمرني بدفقة من هرمونات السّعادة، هي جائزتي، هي راتبي الذي أنتظره بتحفّز العامل اليابانيّ.
بمرور الوقت، ظهرت أصوات أخرى مثل «مريم» و«نور الهدى» و«بثينة» و«زينب»، وحتّى «إشراق» التي كان لها صوت معزاة.
أصوات قطعت شوطاً كبيراً في التّصحيح، لأنّها وجدت حاضنة إبداعيّة لمواهبها، فقط عند توفّر مشرف جيّد، يعرف بدقّة متناهية ما يريد.
- حفظه الله وسدّد خطاه.
هذا ما تدعو به «حنان» واثقة، رافعة يديها إلى السّماء.
مع انقضاء كلّ حصّة، يتمدّد حضور هذا الأستاذ في نفوسنا كحبر ينساب فوق ورق شروب، نستشيره في كلّ صغيرة وكبيرة، ويجيب دون تكبّر أو غرور، بل كلّ همّه الإصغاء لكلّ واحدة منّا، باهتمام بالغ، وكأنّ المشكلة مشكلته الشّخصيّة.
وزاد تعلّقنا بهذا الطيّب الحنون، المتفهّم لما نمرّ به من مرحلة حسّاسة وأزمات، وهذا القرب هو ما دفعنا لحبّ الفِرقة أكثر، لجعلها أسرتنا الثّانية، بل حفّزنا على العمل دون إبداء أيّ تذمّر أو استياء من أيّ نوع كان.
هل أبالغ إذا اعترفت أنّه أصبح السّيّد الجديد لنا نحن المراهقات؟.
هل أتطرّف إذا أقررت أنّه هو الحرز والسّند، والملجأ والشّاطئ؟.
- إنّها تبحث عن تصفيق... مغرورة.
هذا ما تهمس به «سعاد» -أو«باتريسيا» كما تحبّ أن تلقّب- لشلّتها وهي تصفّق بسبّابتيها تنمّرا، فأتظاهر بالصّمم والعمى.
★★★
ذات ثلاثاء، حضرت «بثينة» متأخّرة عن الحصّة بحوالي ربع ساعة، وبعد حديث قصير مع الأستاذ سمح لها بالدّخول، لتظهر عليها علامات القلق والتوتّر.
أخبرتني «ابتهاج» أنّ عينيها المرعوبتين كانتا لا تفارقان الباب، وفي نهاية الحصّة انصرفت بسرعة البرق قبلنا جميعا.
تقول جارتها «نور الهدى» أنّ الجوّ مكهرب لديهم هذه الأيّام، وأنّها كثيراً ما تسمع سبّاً وشتماً فظيعاً عندهم في المنزل، متذمّرة من شقيقها المتسلّط، الذي لا يترك لها مجالاً للحريّة:
- حتّى الخروج للشّرفة... ممنوع.
فيما اعتبرته «مليكة» المسؤول عنها بعد وفاة الأب، عمّي «الرّشيد» رحمه الله، إثر مرض عضال، وله كلّ الحقً في ضبط تصرّفاتها، خاصّة وأنّه ضحّى بمستقبله لتكمل تعليمها، إذ بدأ العمل باكراً جدّا ليعيلهم بعد وفاة الوالد، الذي لم تكن له منحة تقاعد تقيهم ذلّ الحاجة.
- من رحمة الله أنّها التقت بأستاذ طيّب نصحها ووجّهها لحسن السّبيل، من يعلم؟، ربما كانت الآن في مشكل صحيّ عويص لا يُحلّ سوى بالجراحة، وكفى الله المؤمنين القتال.
هذا هو وصف «حنان»، ثمّ تكمل عبارتها المفتاح:
- حفظه الله وسدّد خطاه.
وكانت «سارة» هي دافع الوصف.
زارتنا في الفرقة بعد مرور أسبوعين، لتحضر التّدريبات كمتفرّجة، بعد أن أوصى الأستاذ أمّها سابقاً بضرورة عرضها على طبيبة الأنف والأذن والحنجرة، لتشخّص جيّداً سبب البحّة التي لازمتها طويلا.
قالت «ابتهاج» إنّها التقت بها يوم الأربعاء.
من طالبات السّنة أولى جذع مشترك «آداب»، كانت منشدة في فرقة الإنشاد المدرسيّة حين كانت تدرس في متوسّطة المدينة المجاورة، وبسبب طريقة العمل العشوائيّة، أصبحت تعاني من بحّة لازمتها أكثر من ثلاثة أشهر؛ لقد تدرّبوا كثيراً قبيل اختتام السّنة الدّراسيّة في فِرقة أُسّست عشوائيّاً في آخر لحظة، إلى درجة أنّهم كانوا يتمرّنون كلّ يوم لمدّة ساعتين متواصلتين دون راحة، ممّا تسبّب في بروز كتلة حميدة على الحبل الصّوتي الأيمن، أو ما تُعرف طبّيّاً باسم «بوليب».
وبناء على نصيحة الأستاذ، أخذت موعداً مع الطّبيبة.
- لا تقلقين الحالة في بدايتها لا تستدعي الجراحة.
هذا ما يقوله الرّادار، وهي الآن في فترة نقاهة، وستنضمّ لفرقتنا رسميّا بعد أن تتعافى كليّة من الإصابة، ولو أنّ خبر الانضمام ليس مؤكّدا.
- أستاذ آخر في مكانه لن يهتمّ لمصيرها مطلقا.
هذا ما تقوله «زينب» وهي تشرح لنا حرصه الشّديد على صحّة المنشدات:
- هل تعرفن أنّ لدينا أستاذاً تحسدنا عليه الثّانويّات الأخرى؟.
أومأت «إشراق» برأسها مستغربة، فأردفت على الفور ملقية كلّ ما في جعبتها:
- أخبرتني إحدى المراقبات في الإدارة أنّه تلقّى عرضاً مغرياً من مديرة الثّانويّة الثّانية ورفض رفضاً قاطعا، بحجّة أنّ الوقت متأخّر جدّا، وعليها الانتظار حتّى السّنة الدّراسيّة القادمة.
فتدخّلت «مليكة» وهي ترسم اشمئزازاً مبالغاً فيه على وجهها:
- من غير المعقول استغلال الطّلبة هكذا دون وازع أخلاقيّ.
- معه حقّ، الصّراحة راحة، أفضل من النّفاق والكذب والتملّق، وهذه محمدة تًضاف إلى خصاله الكريمة، وقد زاده الله بسطة في العلم والجسم، جزاه الله عنّا كلّ خير.
- رياضيّ لا يدخّن.
ألقت بها «نور الهدى» في وجه «حنان»، كنتيجة منطقيّة لرشاقة الجسم وأناقة المظهر.
★★★
في هذه الحصّة، غيّر الأستاذ أسماء الأصوات إلى آهات، فكنّا نقول «آآآآآآآ» في صوت «دو» أو «ري» أو «مي» أو غيره، مع تغيير الحدّة بطبيعة الحال تماشياً مع الصّوت، وبذلك نكون قد تعلّمنا تقنية جديدة بدت لي سهلة جدّا.
وزادت أصواتنا قوّة، حتّى أنّ الذّبذبات أصبحت خطيرة على طبلة الأذن؛ أصبحنا نسمع أزيزاً غريباً لم نكن نسمعه من قبل، مع آلام خفيفة في الأذنين، وهنا بدأنا في تطبيق مخطّط تدريب جديد يسمّى «التّنافر بالظّهر»؛ أي الوقوف وظهركِ إلى ظهر منشدة أخرى، بعدما كنّا جلوساً لا نفارق مقاعدنا في الحصص الثّلاثة الأولى، والوقوف في أماكننا لباقي الحصص.
لقد ساعدنا هذا المخطّط على تصريف الذّبذبات بدل تجمّعها، ممّا يخفف من آثارها على الطّبلة.
كنّا نشكّل صفّاً من حوالي تسع أو عشر منشدات يتنافرن بالظّهر مع عدد مماثل لهنّ، وتزامناً مع ذلك، أضاف الأستاذ ما يشبه الإيقاع لتدريبات الصّوت، وهو ما يسمّى «الشّاهد»، ويعرّف بكونه نقرة واحدة على الطّاولة كلّ ثانيتين مثلا، بسرعات مختلفة، فمرّة يكون كلّ ثانيتين، ومرّة يكون كلّ أربع ثوان، وهكذا دواليك.
ضبطاً للوزن النّفسيّ الذي نشعر به، وتمهيداً لاستعمال أنواع كثيرة من الإيقاعات المعقّدة مثل الإيقاعات الهنديّة.
أثناء فترة الرّاحة بين جولات التّدريب، يستغلّ الأستاذ الوقت جيّداً في تعريفنا على أبجديّات الفكر الإنشاديّ الحديث، مثل الفرق بين المصطلحات؛ «الإنشاد» و«التّنشيد» و«النّشيد» و«الأنشودة»، فالنّشيد هو الأداء بالصّوت فقط دون إيقاع، فإذا رافقه أيّ إيقاع ولو كان بسيطا، صار يسمّى «أنشودة»، أمّا «التّنشيد» فهو عمليّة أداء النّشيد أو الأنشودة، و«الإنشاد» علم قائم بذاته وفنّ مستقلّ بنفسه، وهو أشمل وأوسع من «التّنشيد».
كما عرّفنا على مدرسة «الاختصاص» أو كما تسمّى كذلك مدرسة «الأفكار»، التي ظهرت مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد مدرسة «التّتابع» التي سادت في النّصف الثّاني من القرن العشرين.
- هذا ما أرتني الطّبيبة إيّاه بالضّبط.
مشيرة ببنانها نحو شاشة العرض على الحائط.
كانت الشّاشة تظهر فيديو قصير للأحبال الصّوتيّة، وهي في حالة إصدار أصوات الدّيوان الموسيقيّ.
بجهاز إسقاط ضوئيّ، وفي بادرة من الأستاذ للخروج من النّمط التّعليميّ القديم القائم على التّلقين فقط، شرع في استظهار صور للسّليمة منها والمريضة، فالسّليمة تتميّز بلون أبيض تنفرج حين نتنفّس، ثمّ تلتقي معاً حين نصدر أيّ صوت، ولو عند مجرّد الكلام، أمّا المريضة فمنها ما هي منتفخة، أو متورّمة، أو ما يوجد انكماش في إحدى جهتيها، أو عليها حبيبات صغيرة.
- هذه حالتك، وهي ناتجة عن الإرهاق المستمرّ للأحبال الصّوتية في الأداء.
قالها متأسّفاً ضامّاً راحتيه، فاستنتجنا أنّه لا يجب الاستهانة مطلقاً بأيّ سلوك عشوائيّ، ثمّ أضاف موصيا:
- احرصن على هذه الأمانة فهي رأسمال تأسيسيّ، لا أريد أن أصعّب عليكنّ الأمر، لكن هناك بعض الأشياء يجب تجنّبها، مثل المشروبات الباردة ودخان السّجائر، وخاصّة الصّراخ.
حوقلت «حنان»:
- لا حول ولا قوّة إلاّ بالله!، هل هذا يوجد في حلقي؟، إنّها آية من آياته سبحانه وتعالى.
أبدت «مليكة» تذمّرها وهي تنظر ناحية «إشراق» و«حبيبة» و«زينب»، اللاّتي ضقن ذرعاً بأشقّائهنّ المدخّنين.
- لا أتخيّل نفسي أشرب شيئا دافئاً أستاذ، حتّى في شهر جانفي البارد أشرب من الثّلاّجة.
- المشكلة مشكلتك، أنا عليّ النّصح وأنتِ حرّة في تصرّفاتك، إن شئتِ أقلعتِ، وإن شئتِ فعلتِ.
- أمّي دائمة الشّجار مع أخي الكبير الذي لا يحلو له التّدخين إلاّ أمام التّلفاز غير عابئ بنا.
- تعلّمتم إلى الآن أشياء لا يستهان بها، أعوّل عليكنّ كثيرا، وأعرف أنّكنّ لن تخذلنني.
في مكان آخر، على بعد خمسمائة متر فقط عن هنا... في البيت على وجه الدّقة، تقول وزيرة سعادتي:
- «إلهام» صغيرتي، أتابع مستجدّاتكِ باستمرار، وأعرف أنّكِ لن تخذليني.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.