وضع القراءة:

وزيرة السّعادة

أخي الصّغير «أيّوب»؛ أحمق الأسرة وعفريت الحيّ، لا يثنيه شيء عن الجري وراء القطط، يقول إنّه يحبّها، بينما هي تأنف اللّعب معه، وكم تشاجر مع أختي من أجل هرّتنا المدلّلة «لوكا».
هوايته لعب الغمّيضة مع أقرانه من الجيران، وارتداء قناع «باتمان» مع ردائه الأسود، حتّى في عزّ أشهر الصّيف.
وحين يملّ منه أبناء الجيران، يلجأ للّعب مع خالتي، ولا يهمّه إن كانت مشغولة أم لا.
- أنا أختبئ وأنت تبحثين عنّي، اتّفقنا؟... أوكي.
ويسرع للتّواري عن الأنظار دون أن ينتظر ردّا.
- ابن اختي وآخر العنقود، ماذا أفعل؟.
كانت درجة الحرارة تقترب من اثنتين وأربعين درجة مئويّة، حين ارتدى قناعه المفضّل، وخرج يتجوّل في أزقّة الحيّ، قائلاً لأمّي:
- سأبحث عن أيّ شخص يحتاج للمساعدة!، أنا هنا في خدمة الضّعفاء.
- شقيقكِ عبقريّ، أو مجنون، أو يعاني من طيف التّوحّد، ثلاثة أشياء لا رابع لها، على كلّ حال ليس وحده، أعرف شخصاً ثانياً يشبهه.
هذا ما أسرّت به «ابتهاج» لي، حين رأته أمامها بلباسه الغريب، مساء ذلك اليوم، بعد أن طلبت وساطتها.
رافقتني إلى المنزل بعد انتهاء الدّوام المدرسيّ، ما إن رأتها أمّي أمامها حتّى انتفضت كالصّقر:
- كلاّ، لن تقنعيني، أرجوكِ «ابتهاج»، لا تحشري أنفكِ في الموضوع، لا تتدخّلي بيني وبين ابنتي.
وأضافت بالفرنسيّة «S'il te plaît».
أُسقط في يدي وكدت أفقد الأمل؛ فغداً يوم الثّلاثاء، ولا جديد تحت الشّمس، حتّى الآن... حتّى السّاعة الخامسة عصرا، رغم كلّ المحاولات، غير أنّي كنت مصرّة على المقاومة.
هناك شيء خفيّ في المسألة يحفّزني على التّحدّي.
آه... لحظة فقط، تذكّرت خالتي، سلاحي الفتّاك.
تناولت بعض العنب الأخضر الذي أعشقه كثيرا، ولوحاً من الشّوكولاتة الدّاكنة، لإراحة أعصابي المتوتّرة.
هذا النّوع من الشّوكولاتة يشتريه لي أبي خصّيصا، صنف خالٍ من السّكّر، ومن شحوم الخنزير، ويحوي من ثمانين إلى تسعين بالمائة من الكاكاو، وأحيانا تصل إلى مائة بالمائة، وعليه تعتبر صحيّة، لكن... لا أحد في المنزل يتناولها غيري.
حين كلّمتها في الهاتف قرابة السّاعة السّادسة، قالت إنّ الموضوع معقّد، ويستدعي المبيت، ثمّ أردفت ضاحكة:
- وتهديني لوح شوكولاتة؟.
- أنتِ خالتي وعليكِ إنقاذي، أيهون عليكِ أن أُحرم من تحقيق حلم الطّفولة؟.
- ليفعل الله ما يشاء.
لم تلبث أن زارتنا بعد أقلّ من ساعتين، وانفردت بأمّي حتّى ساعة متأخّرة.
في صباح يوم الثّلاثاء، التقيت بها خارجة من غرفتها، متعبة من نقاش البارحة، غير أنّها أشارت لي بإبهام يدها اليمنى متّجهاً نحو الأعلى، مع ابتسامة رحبة على وجهها، وقالت وهي تستعدّ لاحتضاني:
- آه يا «إلهام» الصّغيرة، لا تشغلي بالك؛ ادرسي فقط وأرينا الشّهادة، أثق فيك... لا تخذليني.
لتتخيّلوا فرحتي!.
إنّها «ماما سوسو»، المسؤولة الفعليّة عن معنويّاتي؛ سلاحي الإستراتيجيّ، الذي لا ألجأ إليه إلاّ إذا اقتضت الحاجة، لأنّها تفهمني، أكثر من أيّ شخص آخر؛ أكثر من أمّي، أكثر من «صفاء»، ومن أبي الذي على الحائط.
غير أنّي أتألّم لبقائها عزباء، وقد بلغت ثلاثين سنة، دائماً أتساءل في قرارة نفسي عن سبب تأخّر زواجها، ولم أجد تفسيراً مقنعا؛ فجمالها أخّاذ يأسر القلوب، وقلبها طيّب يستكين له أيّ رجل، لكنّي أحياناً أفكّر أنّ الله أرادها أن تبقى عزباء، لحكمة هو وحده من يعلمها، ربما كي تقف معي وتساندني، كلّما ألمّ بي وهن.
★★★
- متى جلستِ مع «إلهام» دون أن تأنّبيها؟.
- دعيني وشأني «سميّة»، أنتِ تشخّصين الحالة الخطأ.
- كيف أشخّص الحالة الخطأ؟، أنا أعي جيّداً ما أقول، أريد إفهامكِ شيئاً في غاية الأهميّة.
ورفعت حاجبيها لأعلى فقاطعتها محاولة إغلاق الملف:
- دعيني «سميّة» دعيني، «إلهام» أصبحت عقدة تؤرّقني، أختها أعقل منها وكأنّها ولدت قبلها.
- «إلهام» مراهقة، تحتاج من تأخذ بيدها إلى برّ الأمان في هذه الفترة الحسّاسة، وليس إلى من تؤكّد لها أنّها في حدّ ذاتها مشكلة.
- و«صفاء»؟، أليست مراهقة؟، لماذا لا أواجه معها أيّة مشكلة؟.
- هناك فروق فرديّة بين الإخوة والأخوات، هذا موجود في كلّ العائلات والأسر في كلّ العالم.
- أنتِ كالتي تحاول بكلّ حرص عدّ نجوم السّماء، ولكثرتها يختلط عليها كلّ شيء، فيضيع العدد والمعدود، ثمّ تحاول من جديد وتتعثّر كسابقتها، ثمّ تحاول وتتعثّر، ثمّ تحاول وتتعثّر، وهكذا دواليك، حتى أصبحت العمليّة كلّها تحدث آليّا، لكن دون نتيجة، فهل هذا يعتبر مثالاً للإصرار أم للغباء؟.
- ماذا تقصدين بهذا؟.
- لا شيء «سميّة»، أحاول إيقاظك، أنتِ تحترقين بلهيب شمعة... تذكّري.
- وأنتِ تحملين نفس الوصفة لجميع الأمراض.
- أنا؟.
- الضّمير المطمئنّ خير وسادة للرّأس.
في الشّوط الثّاني من المشاجرة تعلو أصواتهما أكثر:
- متى تفهمين أنّ ابنتكِ تمرّ بمرحلة حسّاسة من عمرها تسمّى «سنّ المراهقة»؟، لا يكفي أن تكون علاقتكما علاقة رسميّة فقط، يجب أن تقدّمي لها حلولاً جذريّة لمعضلاتها؛ حلولاً واقعيّة، انتبهي؛ واقعيّة.
- ألا يكفي أنّي أقدّم لها كلّ شيء؟... أنا وحدي التي تسدي إليها النّصائح، أنا أملأ مكان أبيها الشّاغر.
وأشارت بسبّابتها إلى الصّورة الكبيرة المعلّقة في الصّالون.
- هل تسمّين أوامرك نصائح؟، ثمّ تلجئين إلى المقارنة بينها وبين «صفاء»، أم أنّكِ تحافظين على وجودك الرّمزيّ كأمّ ولا تهمّك باقي التّفاصيل؟.
يا سلام!...
«ماما سوسو»، وزيرة السّعادة، بحر ليس له شاطئ، قلب عظيم وحنون، يعادل في طيبته قلوب ساكني مدينتنا عن بكرة أبيهم.
أقسم على ذلك... وأنا الممضية أسفله.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.