وضع القراءة:

مؤامرة عيد الفطر

حين تساءلت عن سبب تقديمها لي فستاناً أحمر مزركشا، انفجرت في وجهي غاضبة:
- هل ستقابلينهم بسروال الجينز أم بثياب النّوم؟.
- أقابلهم؟!.
- من سيأتون لخطبتكِ يوم الخميس القادم، هذا الفستان هديّة أبيك، ابتاعه لكِ خصّيصاً لهذه المناسبة بعد التّوصية عليه، انظري... فاخر.
- أبي الذي في الصّورة؟.
وضحكت «صفاء» قائلة وهي ترتّب الأريكة لتجلس:
- أبونا الذي على الحائط.
بدءاً من يوم الأربعاء، أُعلنت في منزلنا حالة طوارئ؛ كميّات من اللّحوم والخضار والفواكه وصلت بناء على طلبات أمّي، أرسلها أبي من مقرّ عمله، بالهاتف دون أن نراه أو نرى عمّي «خالد»، وخالتي هنا، معتكفة في منزلنا منذ أيّام، وأنا حائرة تخرسني الدّهشة، في ظلّ فشل مساعي وزيرة سعادتي في التّدخّل، لأوّل مرّة في التّاريخ.
يبدو أنّهم مصرّون جميعاً على إفساد فرحتي بشهادة «البكالوريا».
★★★
يوم الخميس وقبل صلاة الفجر، كنت أسمع من غرفتي أصوات القدور والملاعق، ولمّا توجّهت إلى المطبخ لتناول فطوري المعتاد، عاجلتني أمّي عند الباب قبل تحيّة الصّباح:
- لمَ أنتِ شاحبة الوجه هكذا؟، سيقولون إنّكِ تعانين من الأنيميا.
لم تترك لي فرصة النّظر نحو «ماما سوسو» لأرى ردّ فعلها:
- هل أقول لهم لا داعي لقدومكم؟، سيسألون عن السّبب، افهمي يا بنت... موقفي ضعيف.
- لكن أمّي؟.
- أمّي ماذا؟، أمّي ماذا؟، كفّي عن عنادك، إلى متى هذا الطّيش؟، أنتِ تكبرين.
كدت أسمع صرير أسنانها وهي ترمقني بعيني نمر.
كلّهم كانوا هناك إلاّ أبي الذي ما زال على الحائط.
من غيظي بقيت صامتة أنظر إلى «ماما سوسو» والدّموع تخنقني خنقا، بعدما اعتقدت أنّي استنفدتها اللّيلة الماضية، بينما واصل الجنرال إصدار الأوامر بيد تقرع ما وضعه القَدر أمامها:
- اهتمّي برائحتكِ وانتبهي لحديثك؛ لا تمازحيهم ولا تثرثري معهم، حسبكِ ما قلّ ودلّ، لا تكثري من الزّينة؛ أشياء خفيفة فقط وركّزي على الكحل وأحمر الشّفاه، حين تدخلين بصينيّة القهوة سلّمي بصوتٍ خافتٍ، خافتٍ جدّاً، وعيناك في الأرض... تذكّري ذلك.
وحين لم أعرها اهتماماً، صرخت بقوّة ارتجّت لها الكؤوس:
- مفهوم؟.
هززت رأسي إيجابا، بينما نظرت هي نحو «أيّوب» وكأنّه كان التّالي على القائمة:
- والله... سألقيك من النّافذة إذا سمعت صراخك، كفّ عن إحداث الضّوضاء، أقولها وأكرّر، كفّ عن جنونك، أنا أحذّرك «أيّوب»، لا تفضحنا أمام زوج أختك.
تضخّم ذهولي وخامرني شعور سلبيّ؛ يبدو أنّها رتّبت كلّ شيء وراء ظهري، وسأزُفّ إليه عنوة.
ثمّ فجأة نقلت عينيها ناحية اسم آخر كان في القائمة:
- احذري ما تتفوّهين به، لا تقضمي أظافرك أمامهم كالبلهاء، لا تأكلي بلهفة وتسرّع، بضع ملاعق فحسب، أنتِ معي «صفاء»؟... امضغي اللّقمة جيّداً قبل بلعها، ولا تلطّخي السّجّادة.
كانت جدّتي تتجوّل بنظراتها وهي تمضغ ببطء، كأنّ الأمر لا يعنيها، لا من قريب ولا من بعيد، فقلت لها متوسّلة:
- لماذا لا تتدخّلين في الموضوع؟، ألستِ جدّتي؟، ألستُ تفاحة المنزل التي لا يجب أن تُمسّ؟... ألستِ تعيشين معنا؟.
- أمّك وتعرف مصلحتك.
وراح فكّها يسحق ما تناولته قبل أن تلقي في وجهي كلماتها، في حركة ميكانيكيّة تشبه حركات القاطرات العتيقة.
- والله ستحاسبون جميعاً يوم القيامة، والله الذي لا إله إلاّ هو ستمرّون جميعاً على الصّراط، وستتخطّفكم كلاليب جهنّم، تذكّروا هذا جيّداً... أنا لن أغفر لكم ما تقترفونه في حقّي.
- أنا ما زلت صغيرا.
- أنت بالذّات لا تتكلّم معي... أين قناعك؟.
ورحت أفرغ ما تراكم بداخلي من غضب، ثمّ رجعت إلى التّوسّل حين لم أفلح:
- تعاطفوا معي ولو بكلمة على الأقلّ، عسى الله أن يرفع عنكم إثم الخذلان.
ما إن لاحت على وجه أخي الصّغير أمارات التّعجّب حتّى بادرته:
- «أيّوب» حبيبي، ألست الحارس الذي لا يهادن الشرّ؟.
كاد يقول شيئا، غير أنّ عبارات أمّي كانت أسرع إليّ:
- لا تستفزّيني، لست عدوّتكِ يا حمقاء، أنا أمّك ويجب أن تغادري هذا المنزل يوماً ما إلى منزل آخر.
- هل صحيح إذا بقيتِ هنا ستتأكسدين مثل تفاحة؟.
بفم امتلأ بمزيج من القهوة والخبز تفجّرت ضحكة مدوّية من «صفاء»، حتّى كادت تختنق، لولا جدّتي و«ماما سوسو» اللّتان وجّهتا لها ضربات خفيفة على الظّهر متناوبتين، وهما تبسملان وتحوقلان، فيما نظر لي «أيّوب» بحدّة وهو ينتظر جواباً على سؤاله، ثمّ غيّر نبرته قائلا:
- ليس مهمّا... أخيراً سنتخلّص منكِ ويبقى التّلفزيون لي وحدي.
وشرب كأسه دفعة واحدة، ثمّ أردف ماسحاً ما علق بشفتيه:
- ما زلت لا أفهم لماذا لا تتركوني أضعه في غرفتي أو تشتروا لي واحدا؟، هل هذا صعب أم سيكلّفكم كثيرا؟.
ثمّ أمرت «صفاء» التي أصبحت عيناها مغرورقتين الآن بدموع تعوقها عن الإبصار:
- مشّطي لها شعرها، أنا وخالتك سنكون مشغولتين مع الضّيوف.
ونظرت لي بعيون متّقدة، وهي تهزّ إصبعها محذّرة:
- سيأتون على الحادية عشرة تماما، ستقدّمين لهم بعض الحلوى الخفيفة مع القهوة وبعض العصير، في انتظار تجهيز مائدة الغداء، لن أعيد كلامي ثانية، من أقنعكِ أنّك بلغتِ مرحلة تستطيعين فيها فعل ما تشائين؟، أنا من سيرسم لكِ مصيركِ الآن، توقّفي عن إثارة أعصابي، توقّفي الآن، شووووت... ولا كلمة.
وغادرت المكان بمزاج يشبه ماء البركة الموحل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.