49 فستانان لخطبتي
- هل سمعت بما يحدث في العالم؟.
- خيراً إن شاء الله.
صمتت وحين طال صمتها قلت:
- ما بك «صفاء»؟.
- يقول أبي أنّ هناك توقيفاً لبعض الرّحلات الجويّة في «إيطاليا».
★★★
حين هدأ ما ألمّ بي، أريتها الرّسالة بأصابع ما زالت تلملم بقايا ما علق بعينيّ المحمرّتين من دموع.
- ألم أقل لكِ إنّ الصّبر مفتاح الفرج؟، إنّه الله ربّ هذا الكون وخالقه.
وانفجرت باكية مجدّداً وأنا ألمس استجابته لي... هذا الإله الذي يرى كلّ شيء ويسمعه.
وسرعان ما راح ضميري يؤنّبني وأنا أتذكّر عجلتي الهوجاء، وقلقي الذي سمحت له بنخر أعصابي، ودفعي لحافّة الانهيار طوال الأيّام الماضية.
- آآآآآآآآآ، «باتمان».
كان هذا الحارس الذي لا يهادن الشّرّ، وهو يلقي بنفسه إلى داخل غرفتي.
- «أيّوب»، أنت في الطّور المتوسّط.
- صحيح خالتي... البارحة فقط اخترت ثلاثاً من الزّملاء لتشكيل فرقة خاصّة للتّدخّل السّريع، أسميتها «الباتمانيّون»، قلت إنّي سأتكفّل بلباسهم، فقالوا إنّهم سيفكّرون في الموضوع، لكنّي اشترطت عليهم مسبقاً أن أكون أنا القائد.
★★★
- أراكِ سعيدة اليوم، اتّصل بك صحيح؟... يدك ترتجف.
- كفّي عن إزعاجي «صفاء»... أنتِ تغارين.
أطلقت ضحكتها المدويّة وهي تتراقص كعادتها ثمّ قالت في مكر محمود:
- احذري أن تسقطي عليه الصّينيّة كما فعلت مع...
أو بالأحرى صاحت بها قبل ثمان وأربعين ساعة، دون أن تكمل جملتها، وهي تشير برأسها ناحية الجنوب، حين مرّت بجانبي في الرّواق، مسرعة لتقديم دروس الدّعم لبنات الجيران.
- سأراكِ في مكاني حين تأتي «اتّصالات الجزائر».
نعم... عادت لي أختي كما كانت، بوجهها البشوش الأحمر الممتلئ، واختفى الأخدود.
قبل أربعِ وعشرين ساعة، أعطتني «ماما سوسو» مع «بشرى» فستاناً أبيض مقروناً بابتسامتيهما الفيّاضتين:
- هديّة من أبيك الذي كان على الحائط.
واستدعى الفستان جراحاتي القديمة.
آه... أين أنتِ الآن يا أمّي؟.
أين أنتِ لتري بعينيك أنّه لم يكذب عليّ، لقد كان يحبّني في صمت، بصدق مثلما أحبّه ويزيد، أين أنتِ الآن لتري أنّي وخالتي لم نبقَ عانسين، وأنّ مخاوفك كلّها كانت مجرّد أوهام.
أتراني أتخيّل حين داعبت رائحتها الزّكيّة أنفي بمجرّد لمس الفستان؟...
أنفض عنه الغبار بعينين دامعتين، كأنّي أعيد فتح نافذة صغيرة من الماضي السّحيق، أنسّق الأحداث التي مرّت عليّ دون وعي أو إدراك.
★★★
وجاء اليوم الذي ولدت فيه من جديد، يوم السّبت الرابع عشر من مارس من سنة 2020.
بسبب أرق اللّيلة السّابقة التي نمت فيها ساعتين فقط، غادرت فراشي عند الثّالثة صباحا، لألجأ للصّلاة وتلاوة القرآن، حمداً لله وتضرّعا، أردت أن أبقى قريبة قدر المستطاع من الذي لم يخيّب رجائي فيه، وحاشاه أن يردّ من انبرى قلبه دعاء في كلّ سجود.
- ماذا؟.
قالتها والدّهشة تجتاح وجهها الجميل، حين رأتني بفستاني الأحمر، وأنا أفتح لها ولزوجة أبي الثّانية باب غرفتي، قرب السّاعة السّابعة صباحا.
- اعتقدت أنّكِ تخلّصتِ منه؟.
- لم أقوَ على ذلك «ماما سوسو»، ما زال الماضي يطاردني، كلّما ارتديته أشمّ عبيرها، فتركته ذكرى عطرة، حتّى ييسّر الله عليّ فأزور قبرها، ويا ليتني أستطيع، آه يا «ماما سوسو»... يا ليتني أستطيع.
واحتضنتها.
- أنتِ حسّاسة جدّاً يا «إلهام»، هذا قضاء الله وقدره، انتهى الأمر الآن، لو بكيتِ سنوات لن يرجعها أحد إليك، أطلبي لها الرّحمة والمغفرة، هذا أقصى ما نملكه للذين غادروا دنيانا.
- ماذا سأقول لها حين أقف على قبرها؟.
- قراءة الفاتحة على روحها الطّاهرة، لا أكثر ولا أقلّ، لن تسألكِ شيئا، الميّت ميّت.
وتأثرت «بشرى» بكلماتها فاغرورقت عيناها بالدّموع، إلاّ أنّها استعادت طاقتها الإيجابيّة بسرعة قائلة:
- اليوم يوم فرح يا عروسة.
ثمّ همست:
- أنا في الشّهر الثّاني.
- اسمحلن لي بتذكيركنّ أنّي في الخدمة دائما، هذا يوم جميل.
فبادرت إليه «بشرى» مبتسمة وهي تردّد:
- ساعد غيرك لو تدري، ما معنى حبّ الغير، ما أجمل أن تحيا في الأرض بلا نكران.
فالتفت إليها في حركة بطيئة:
- أنت فعلاً تحبّين أبي.
تركنا مشدوهات حين انتصب بزهو، ثمّ هزّ كتفيه في لامبالاة وخرج من غرفتي:
- ومع ذلك أنا في المطبخ، إذا احتجتنّ لأيّة مساعدة، لا تخجلن من شيء، أنا في الطّور المتوسّط الآن، لم أعد صغيراً.
هذه المرّة طلب أبي الحلوى والطّعام جاهزين من إحدى المطاعم المتخصّصة التي يتعامل معها، فلم تتعب أيّة واحدة منّا، بل انشغلن جميعاً بتزييني.
ثمّ تساءلت «صفاء» بمكرها المعتاد، وهي تعيد مجفّف الشّعر إلى مكانه:
- كيف يبدو الآن؟، ما زال وسيماً أليس كذلك؟، يا سلام... المشاعر الصّادقة لا تموت ولا تندثر، على فكرة... اشتريت هاتفاً جديداً من آخر طراز، سألتقط لكما صوراً احترافيّة.
ثمّ تنهّدت قائلة:
- وأخيراً سأرى أختي غارقة بين الغسيل وحفّاظات الأطفال.
وسدّت أنفها عابسة.
احمرّ وجهي خجلاً أمام «ماما سوسو» التي ارتسمت على وجهها الرّائع ابتسامة زادته روعة وسحرا، وهي تجيبها بدلاً عنّي:
- تذكّري أنّكِ ستصلين لهذه المرحلة في أقلّ من شهر.
- ماذا؟، هل...
وأطلقت صرخة مدويّة، بين ضحكات «ماما سوسو» المتقطّعة، التي همست لي على مسمع منها:
- سيعود الفرح إلينا مجدّدا... سيعود.
- ضعي هذا العطر، أنا أستعمله منذ زواجي، سيجنّ الأستاذ.
فغمغمت تلقائيّاً:
- لا سمح الله «بشرى».
لينفجر الجميع ضحكا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!