الإنذار
لم أكن أعرف أنّ أمّي هي السّور المحيط بكلّ العائلة، ويجب أن يبقى سور حمايتنا إلى الأبد.
غابت «مريم» عن الثّانويّة خمسة أيّام متواصلة دون أيّ خبر عنها، ممّا جعلنا ننسج ألف قراءة وتأويل، فهي طالبة مجتهدة، تعلوها الجديّة والصّرامة واحترام المواعيد، هاتفها النّقال مغلق، ولا جيران قريبين منها.
فكّر الأستاذ في إرسال إحدانا إليها، كي تأتينا بالخبر اليقين:
- يجب علينا أن نتأكّد ممّا يحدث، لقد غابت عن الفروض، واختبارات الفصل الثّاني على الأبواب.
قالها وهو واقف أمام مكتب الإدارة، وبين أصابعه قلم يقلّبه في حركة آلية.
- أنا أستاذ... لا تقلق، دع الأمر لراداري.
هاتفتني «ابتهاج» في تلك اللّيلة لتعلمني بعبارات حزينة أنّ أمّ «مريم» في حالة حرجة، وأنّها ستظلّ غائبة لملازمتها حتّى يزول الخطر عنها نهائيّا، حتّى لو حُرمت من امتحانات الفصل الثّاني، وانتشر الخبر يوم الخميس حين نُشر إعلان بشأنها في صفحات التّواصل الاجتماعيّ؛ مفاده أنّ أمّ إحدى الطّالبات في المستشفى، في حالة حرجة، وهي في أمسّ الحاجة إلى الدّعاء، وزادت وساوسي وذعري بشأن أمّي، متذكّرة ما قالته لي مؤخّرا:
- أريد الاطمئنان عليكِ قبل أن أنتقل إلى الأعلى.
لا أعرف كنه ما انتابني حتّى وجدت نفسي أبكي في حرقة شديدة، متخيّلة أنّها ستدخل المستشفى في حالة مشابهة لحالتها، وسأقف طويلاً أمام سريرها داعية الله أن يشفيها لي، وأعده ألاّ أغضبها مجدّدا.
تذكّرت أنّي أغضبتها عندما انضممت للفِرقة في سبتمبر الماضي، فاستيقظت باكراً قبل الفجر، لأجدها هناك في المطبخ تجهّز الفطور كعادتها:
- أرجوكِ ماما، عديني ألاّ تموتي، عديني ألاّ تتركيني وحيدة.
- الأعمار بيد الله؛ ما هذا الجهل الذي أنتِ فيه؟، كيف أعدكِ بشيء لا أملكه؟!.
ثمّ نظرت لي في توسّل:
- «إلهام» حياتي، أشتاق لرؤية أولادكِ قبل أن أموت؛ أنتِ وأختكِ «صفاء».
تلقّيت سهاماً في كلّ شبر من جسدي... افترستني الظّنون، فقلت وأنا منهارة:
- أمّي لا يجب أبداً أن تموتي، أتفهمين كلامي؟.
قاطعتني بعنف:
- أستغفر الله؛ «كلّ من عليها فان، ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام»، من أنا حتّى أخلد؟، وهل خلد الأنبياء؟.
- أمّي سأقول لكِ شيئاً لأوّل مرّة، اسمعيني فقط... أرجوك.
أوقفت كلّ ما كانت تقوم به ورجعت خطوة إلى الخلف، وبقيت تنظر إليّ ساكنة متيقّظة الحواسّ، كأنّ لها مائة عين، كلّها موجّهة صوبي، فقلت منهارة:
- أستاذ الإنشاد...
قاطعتني بحزم وتلهّف في جملة واحدة:
- هل يريدكِ للزّواج؟ هل صارحكِ بذلك؟ أم مجرّد....
دخل «أيّوب» يجري خائفاً ينادي:
- أمّي أمّي ستقتلني هذه المجنونة.
واختبأ محتمياً بها.
- تعال هنا؛ أقسم بالله أنّي سأوسعك ضرباً كي تبتعد نهائيّا عن «لوكا»، حذّرتك مراراً وتكرارا.
- لماذا تكرهني كلّ القطط؟.
- ولماذا لا تسألها؟.
وانشغلت أمّي في معالجة مشكلتهما، فانسحبت من المطبخ بسرعة مستغلّة الموقف، وأنا ألوم نفسي على تسرّعي المفاجئ، آخذة تفاحة كبيرة حمراء اللّون كانت أمامي في سلّة الفاكهة.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!