ضفاف الاحترافيّة
- هناك أناس مثل العلكة، لا تحوي أيّة قيمة غذائيّة، لكن مجرّد مضغها يعطيك شعوراً بديعاً بالانتعاش.
الثّلاثاء، أوّل حصّة مخصّصة للأناشيد...
سننشد اليوم بعد ثلاثة أشهر من تأسيسنا لفرقة «أوميغا للإنشاد المدرسيّ»، الاسم الذي اقترحته «حبيبة»، ووافقنا عليه جميعاً لتميّزه.
أساسه حرف إغريقيّ يرمز للوسطيّة والاعتدال، وللأصالة والاندفاع والتّواضع.
بثقافتها الواسعة التي تُغبط عليها وتُحسد، وتفوّقها في دراستها، تعدّ بحقّ فتاة مثاليّة في نظر الكثير من الأساتذة، يُضرب بها المثل بين أقسام السّنة الأولى كافّة من الجذع المشترك «آداب».
تقول عنها «حنان» إنّها مرتّلة قديرة في مصلّى النّساء.
تلكم هي «حبيبة»، صديقتي المتحجّبة السّمراء، التي أهدتني قرصاً مضغوطاً لمنشدها المفضّل «محمّد أبي راتب».
- أرجو أن تعذرنني... ربما كنت قاسياً معكنّ بعض الشّيء في الحصص الماضية، لكن كان لا بدّ من ذلك، هذه الحصّة لن تكون كالحصص السّابقة، سنحدّد عضوات «مجموعة الإسناد»؛ أي العضوات اللاّتي لديهنّ قدرة على الأداء الفرديّ، طبعاً لا يقتصر الأمر على التّحكّم بالصّوت فحسب، بل أريد الشّجاعة والقدرة على التّمثيل الصّوتي، ومواجهة الجمهور، الذي يريد التّميّز والإبداع والإمتاع.
توتّرتُ قليلا.
ثمّ أضاف بحسرة:
- أبلغوني في الإدارة أنّنا سنضطر لتقديم أنشودتين فقط، بسبب ضيق الوقت، سنكون في رمضان، ولا يجب أن يطول الحفل كثيرا، وعليه، سيكون عملنا الأوّل أنشودة «أقمار»، والثّاني نشيد «الحجاب»، أنا أقترح، أقول... أنا أقترح.
باسطاً راحتيه أمامنا... أضاف ركائزه:
- بناء على أسس بطبيعة الحال؛ كالتّناسب مع الحفل، سهولة الأداء، التّوافق مع إمكانات الفِرقة، توقّع الأثر عند الجمهور.
بدأت عبارات الموافقة تنهال عليه من كلّ واحدة.
- أستاذ لو سمحت، لديّ إشكال، ما معنى «التّمثيل الصّوتيّ»؟.
سألته وأنا متلهّفة على إجابته، وكلّي خشية من كونه شرطاً يصعب عليّ تحقيقه.
- هو درجة التّعبير والإحساس الذي يُستشف من خلال الصّوت فقط، لا يجب على الجمهور أن يراك حتّى يتأثّر بأدائك، بل يجب أن يؤثّر فيه أداؤك دون أن يراك، وهو مطلوب لدى كلّ عضوات الفِرقة، غير أنّه يجب أن يكون ظاهراً عند «الفرديّة» بجلاء تامّ.
- أعتقد أنّ «إلهام» هي الوحيدة التي لديها هذه الملَكة.
قالتها «ابتهاج» وهي تنظر إلي.
- «إلهام» هي عضوة في مجموعة الإسناد، لكن أريد أخريات كي لا يزيد الضّغط عليها، على الأقل منشدة واحدة أو منشدتين، هناك ثلاثة عناصر أساسيّة؛ الجاهزيّة الصّوتيّة والاستعداد النفسيّ والتّحكّم في الأعصاب.
نكزت «ابتهاج» لتسكت، خشيت أن تثير مشكلة من لا شيء كعادتها إذا حشرت أنفها في أيّ موضوع، غير أنّها لم تعبأ بي، وواصلت متحدّية:
- هناك أناس مثل العلكة... تعرفين الباقي.
وبدأنا -وسط النّظرات المفخّخة- بالإحماء الصّوتي الذي قارب عشرين دقيقة، وهو ما كنّا نفعله سابقاً أثناء التّدريب على أصوات الدّيوان الموسيقيّ.
★★★
اختار الأستاذ هذه المرّة «C3»، ثم واصل إلى «C4».
سلّمان متتابعان على درجة «دو»، وهو ما أراحنا جميعا، وأفرح الأستاذ كثيرا، فقد أنهينا ست عشرة نغمة موسيقيّة بأريحيّة تامّة، ثمّ جلسنا فوزّع علينا كلمات الأنشودة الأولى، التي سنقدّمها للجمهور بعد ستّة أشهر من الآن، مطبوعة على أوراق.
أنشودة «أقمار» للمنشد والمغرّد «يزن نسيبة».
- تابعن معي، وانتبهن للّحن جيّدا؛ لا نريد أن نخرج عنه أو نحرّفه؛ يجب احترام جهود من تعبوا فيه، سنغيّر في التّوزيعات قليلاً، بما يتلاءم مع إمكانات فرقتنا.
وراح يُسمعنا العمل مرّتين متواليتين ثمّ أعاده مرّة ثالثة، مسجّلاً عبر الكمبيوتر، لنأخذ فكرة شاملة عنه من كلّ الجوانب.
تقول كلمات الأنشودة:
يا حبيب الله يا من نوره يملى الوجود
والذي من كفّه قد فاض فينا بحر جود
أنت سرّ الله حقّا جئت من خير الجدود
لنجاة الخلق ممّا ضرّهم تهدي الأنام
قالت أقمار الدّياجي قل لأرباب الغرام
كلّ من يتبع محمّد ينبغي ألاّ يُضام
صلّى الله عليك وسلم، يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نبيّ الله
يا من سوف يكون شفيعي يوم سألقى الله
وصلاة الله ربّي مع سلام لا يزال
لنبيّ الله من حاز جمالاً وجلال
والذي منه البرايا تستقي أزكى الخصال
وبعفو الله صفحاً ترتجي حسن الختام
قالت أقمار الدّياجي قل لأرباب الغرام
كلّ من يتبع محمّد ينبغي ألاّ يُضام
صلّى الله عليك وسلّم، يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نبيّ الله
يا من سوف يكون شفيعي يوم سألقى الله
أوّلاً، ميّز الأستاذ مناطق «التّدخّل الصّوتيّ»؛ وهو مصطلح يُقصد به تقسيم الجمل بين «المنشدة الأولى» والمجموعة، ثلاث مناطق تحديدا، وعادة ما تكون جملة معيّنة تسمّى «اللاّزمة»، ومنطقتين للمنشدة الأولى التي أراد الأستاذ أن تكون منشدتين، أنا و«حبيبة».
ثانياً، وضع إيقاعاً هنديّاً معزّزاً بقطع إيقاعيّة أخرى، مثل «البوم» و«التّاك».
تبدأ الأنشودة بالإيقاع الهنديّ الذي مدّته ثماني أزمنة، ثم أبدأ أنا كمنشدة أولى من عبارة: «يا حبيب الله يا من نوره يملى الوجود، والذي من كفّه قد فاض فينا بحر جود»، فأكرّرها مرّتين، ثمّ تدخل المجموعة خلفي باللاّزمة مرّة واحدة؛ وهي مقطع «أنت سرّ الله حقّاً جئت من خير الجدود، لنجاة الخلق ممّا ضرّهم تهدي الأنام»، يرافقها الإيقاع المعزّز، ثمّ يأتي دوري؛ «قالت أقمار الدّياجي قل لأرباب الغرام، كلّ من يتبع محمّد ينبغي ألاّ يُضام»، أنشدها مرّة واحدة لترجع المجموعة بمقطع «صلّى الله عليك وسلم، يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نبيّ الله، يا من سوف يكون شفيعي يوم سألقى الله»، فتكرّرها مرّتين.
ثمّ يأتي دور «حبيبة» في عبارة «وصلاة الله ربي مع سلام لا يزال، لنبيّ الله من حاز جمالاً وجلال»، فتكرّرها مرّتين بالإيقاع الهنديّ فقط، ثم تدخل المجموعة لتعيد جملة «والذي منه البرايا تستقي أزكى الخصال، وبعفو الله صفحاً ترتجي حُسن الختام»، مرّة واحدة مرفوقة بالإيقاع المعزّز، ثمّ تدخل «حبيبة» في مقطع «قالت أقمار الدّياجي قل لأرباب الغرام، كلّ من يتبع محمّد ينبغي ألاّ يُضام»، مرّة واحدة، ثم تدخل المجموعة في عبارة «صلّى الله عليك وسلّم، يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نبيّ الله، يا من سوف يكون شفيعي يوم سألقى الله»، تعيدها مرّتين فقط، وفي المرّة الثالثة تخفض صوتها شيئاً فشيئا، حسب إشارة يد الأستاذ التي ستكون الموجّه لها في درجة الخفض، وكأنّ هناك إصبعاً خفيّا يتلاعب بالصّوت.
هذه هي الملامح العامّة للتّوزيعات التي تمّ وضعها حسب إمكانات الفِرقة، بعد أن تمّ حذف إعادة اللّحن بالآهات، والتوقّفات الإيقاعيّة.
- قبل البدء في التّنشيد، يجب حجب كلّ عوامل التّشتيت الذّهني، مع استحضار المشاعر والأحاسيس المطلوبة، لزيادة مدى «التّمثيل الصّوتيّ».
قالها وهو جالس كتوصية عامّة، ثمّ نهض مردفا:
- هذا هو شكل الوزن أو الإيقاع الرّباعيّ، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، هذا «مقياس»، تابعن يدي ولا تغفلن عنّي مطلقا، اجعلنني دائماً في مساحة نظركنّ مهما حدث، قبل أيّة أنشودة أو نشيد، نترك مقياساً كاملاً يمرّ من الإيقاع، ثمّ نبدأ... مفهوم؟.
وهنا انهارت «بثينة» على الأرض.
هرع الأستاذ إليها:
- «بثينة» «بثينة»... هل تسمعينني؟.
- يبدو أنّها فقدت وعيها.
هذا ما قالته «ابتهاج» وهي تحاول وضع عطر كحوليّ تحت أنفها.
وسرعان ما ارتعشت أهدابها لتفتح عينيها ببطء، ثمّ اتّسعتا فجأة، وكأنّها غير مصدّقة أنّها كانت ملقاة على الأرض.
أجلستها «ابتهاج» و«مليكة» على كرسيّها، لكنّها فضّلت المغادرة حين استعادت موفور صحّتها.
- ربما هي في دورتها الشّهريّة.
هذا ما همست به «إشراق» في أذني، غير أنّ نظرات «ابتهاج» كانت تشي بشيء غريب لا أفهمه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!