46 فراء الثّعلب
بين عشيّة وضحاها أصبحت ابنة رئيسة الجمعيّة مساعدتي في الإشراف، وأعترف أنّها كانت تلبّي أوامري كجارية من جواري ألف ليلة وليلة، أمّا حين يحضر الأستاذ فتتحوّل إلى «شهريار».
- انظر أستاذ، أنا من كتبت هذا.
كمعادلة جديدة تتشكّل أمامي، نظر إلى الورقة التي تراجعتُ عن تمزيقها في جزء من الثّانية، ثمّ قال غير آبه بحركاتها الصّبيانيّة:
- دعيها لي، سأطّلع عليها في وقت لاحق.
ورمقتني بنظرة غريبة، وهي تهشّ بيديها على ذبابة حاولت الاستقرار على أنفها الرّقيق.
لا أعرف ما الذي جال بخاطرها في تلك الآونة بالذّات، غير أنّي أحسست بشيء يشتعل في صدري من تجاسرها أمامي.
ثمّ وجّهت لي ضربتها الثّانية:
- آه تذكّرت أستاذ، ستحضر اليوم بعض البنات للانضمام للفرقة.
- الفرقة فرقة «إلهام»، وهي صاحبة القرار النّهائيّ.
ونظر إليّ بعينين تتلألآن، في حين تجاهلت ردّه بابتسامة حاولت كثيراً إعطاءها ملمساً حريريّا.
- لمَ لم تخبريني من قبل؟.
- لا أريد إزعاجك عزيزتي، اتركي لي أمر المنخرطين الجدد، ألست مساعدتك؟، سأتولّى...
- تريدين تأسيس فرقة ثانية؟.
- لا لا، حاشا لله.
وسكتت فجأة بعدما أحسّت أنّ ردّها الغريب على سؤال الأستاذ أبان شيئاً كان مستورا.
وسرعان ما أكملت عبارتها التي ظهرت لها ناقصة المعنى:
- لدينا مشاركات، يجب تقوية الفرقة بعناصر جديدة، يجب أن تتألّق جمعيّتنا.
- ليس هذا اتّفاقي مع الرّئيسة، ما زلنا في مرحلة «تأهيل الذّات».
ونظرتُ نحوه كي يتدخّل، إلاّ أنّها قطعت نظرتي وهي تعدّل خمارها أمامه:
- ماذا نفعل؟، تلقينا دعوات كثيرة للمشاركة، كما أنّي أخبرت الجميع أنّ الأستاذ يعمل معنا.
تبادلتُ نظرات الاستغراب معه، وانطلق لساني دون شعور:
- أيّة مشاركة؟، ما زالت الفِرقة لم تجهز بعد، لماذا نخاطر بسمعتنا؟.
- صباح الخير، أتيت في الوقت المناسب.
- تعالي أمّي، أفهميها أنّ علينا ضغطاً رهيباً، ويجب أن نشارك ولو بشكل رمزيّ.
- كيف يكون هذا «ابتسام»؟، إمّا أن تكون لدينا فِرقة أو لا تكون، لا وجود لاحتمال ثالث.
- لماذا هذا التّطرّف؟... كوني وسطيّة.
أغضبني وصفها لدرجة أنّي فكّرت في طردها من القاعة، غير أنّ نظرات الأستاذ لي ألغت نيّتي، فقلت:
- أنا مشرفة هذه الفرقة، ولا قرار يمرّ دون موافقتي الشّخصيّة.
لسعتها عبارتي، فقالت وهي تعدّل خمارها من جديد، لتغطّي بعض الخصلات التي أخرجتها عمدا.
- المهمّ أن يعرف الجميع أنّ لدينا فرقة ولو كانوا من الصّمّ البكم.
تضخّم شيء في حلقي فانتفضت:
- هذا هو الخداع، أطفالي ليسوا بيادق، سينهار كلّ شيء أمام الجمهور، أنا هي المشرفة على الفِرقة، هل يجب أن أذكّرك بها ثانية؟.
ارتعشت وهي تحاول الحفاظ على هدوئها أمامه تصنّعا:
- لا بأس أستاذتنا، لا أجد سبباً واحداً لكلّ هذا الغضب، إذا لم يكن بمقدورك إتمام التّدريبات فالأستاذ هنا، لن يتخلّى عنّا، أليس كذلك أستاذ؟.
ودعّمت نظرتها إليه بإيماءة خفيفة من رأسها، وانحناءة تقدير، ثمّ نظرت نحو أمّها قائلة:
- آه... نسيت أستاذ... كيف حال والدتك؟.
- الحمد لله بألف خير.
- سأتّصل بها هذه اللّيلة، يجب أن أطمئنّ على صحّتها.
وألقت نحوي بقرني الاستشعار.
★★★
لم أنم جيّداً تلك اللّيلة وأنا أحاول إيجاد تفسير منطقيّ لما حدث، حين نظرت إليها وهي تحاول إخفاء تردّدها بتعديل خمارها، أضمرت التّشكّك والتّعاطف، رغم أنّهما شعوران من غير المنطقيّ اجتماعهما في قلب واحد، لكن ما كان يجول بداخلي ساعة استقراء عينيها وعينيه البرّاقتين، فرض عليّ التّحلّي بشيء اسمه الصّبر.
وتزداد هواجسي توحّشاً ساعة بعد ساعة.
منذ حادثة الشّوكولاتة في يوم الاستقبال، وأنا أشعر أنّ الطّريق معبّد أمامي أكثر من أيّ وقت مضى، وسبحان الذي عبّده دون حول منّي ولا قوّة، غير أنّه لم يبادر بأيّ شيء حتّى الآن، والثّعلوبة على اتّصال دائم بأمّه، تطبخ شيئاً نجساً كريه الرّائحة.
ولم يحضر في الحصّة الموالية، فعادت الثّعلوبة إلى تقمّص دور الجارية.
- من هم الأطفال الجدد الرّاغبون في الانخراط؟.
- لا يتجاوزون الثّمانية وربما أقلّ.
وراحت تعطيني أسماءهم، «بهيّة»، «ريهام»، «محمد أمين»، «هاجر»، «أمينة»...
حدّقت في عينيها برهة ثمّ ألقيت بطُعمي:
- غريب... تحفظين كلّ اسم وكأنّك تعرفينهم من قبل، لماذا لا تشاركين بهم باسم الجمعيّة؟.
أطلقت ضحكة تخيّلت أنّها أفلتت بها من حرجها، ثمّ عانقت «عفاف» قائلة:
- سأساعدك في دروسك، تعالي إليّ اللّيلة.
- منذ متى وأنتِ تساعدين «عفاف» في دروسها؟.
- «عفاف» حلوتي.
وزحفت نحو الآخرين كأفعى تبحث عن فريسة، وأنا أتفرّس في وجهها أبحث عن ذريعة للشّجار.
★★★
كانت السّاعة قد تجاوزت منتصف اللّيل حين سمعت طرقاً خفيفاً على الباب، فنهضت معتقدة أنّها «بشرى»، أتت تحتاجني في شيء ما، غير أنّي ألفيت نفسي بين أحضان وزيرة السّعادة.
- آه... هناك شيء في عينيك.
- أنتِ الوحيدة التي تفهمني «ماما سوسو»، سأنفجر من الغيظ... والله سأنفجر.
وسردت لها آخر التّطوّرات، محاولة التّحكّم بدموعي هذه المرّة.
- إنّها تلعب لعبة خطرة.
- وأنا متأكّدة من هذا «ماما سوسو»، لكن لا أعرف ما هي بالضّبط، أكاد أجنّ... كلّما تراني تتبجّح بعلاقتها القويّة مع أمّه، أو تستفزّني بفرقتها الثّانية.
- إنّها تحاصرك من جهتين.
- لهذا قال لي «لا تفسدي حلماً أسّسناه معاً»؟، لكن كان هذا في الحصّة التي أتت فيها مع أمّها، قبل أن تخبرني أمامه بالمنضمّين الجدد.
- من المؤكّد أنّه كان يعلم بخطواتها القادمة، فاستبقها.
فقلت وأنا أستجمع تركيزي، محاولةً خداع عقلي الباطن:
- لا أفهم... وضّحي أكثر.
- أليس الأستاذ خبيراً بميدانه؟، ألم يعِ مناورات الإدارة حين كان في الثّانويّة؟.
- صحيح.
- ما تلعبه هذه خلف ظهره لا يعدو أن يكون مجرّد نباح كلب على فيل، ستتخلّص منك فيما بعد بذريعة...
فقاطعتها واقفة:
- تتخلّص منّي؟، فرقة أسّستها أنا وتأخذها هي؟، سأقاتل من أجل أطفالي «ماما سوسو».
- اجلسي، الفرقة طعم للأستاذ، لا أكثر ولا أقلّ، ألم تفهمي عبارته؟، ركّزي معي... لن تستطيع المشاركة بالأطفال الذين أحضرتهم معها لأنّهم غير جاهزين، لذلك ستدعّم فرقتها بعناصر من فرقتك.
وعدت إلى نقطة البداية وقطيع أفكاري ليس له قائد، لكنّها ابتسمت ابتسامتها الكنز، مربّتة على كتفي:
- توكّلي على الله ونامي الآن يا صغيرتي، فقد تأخّر الوقت كثيرا.
قبل ساعات فقط من دخول «ماما سوسو» غرفتي، كانت «عفاف» قد عادت إلى المنزل بوعد كبير.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!