43 موقفه يكفي
لم يأتِ هذه المرّة أيضاً متذرّعاً بالعمل، مكتفياً بإرسال أمّه «طاطا سامية» وأخته الشّابة «رهف»، التي يقارب سنّها سنّي، في زيارة شبه رسميّة.
بعد أن هنّأن أختي بحصولها على شهادة «البكالوريا»، رحن يثرثرن مع جدّتي كعادة النّسوة في كلّ مجلس، مندهشات ممّا فعله أبي الذي نزل من الحائط.
- في الواقع أنا محرجة من...
صمتت قليلاً ثمّ واصلت بنبرة ترقّب:
- لديه مرض السكّري من الصّنف الثّاني.
نطقت والدته وهي تداري صوتها باستحياء، ناظرة تجاه «صفاء».
- الرّأي رأي العروسة.
جملة ألقتها «ماما سوسو» لتزيح المسؤوليّة تماماً عن كاهلها، غير أنّ والدته واصلت حديثها، مركّزة نظراتها على أختي:
- ستسكن «صفاء» وحدها في شقة، في انتظار تسلّم مسكنه الخاصّ من برنامج «عدل»، إن شاء الله في المدينة الجديدة، يقولون إنّ المشروع سينطلق في نوفمبر 2020.
هنا، نطقت جدّتي:
- كيف أصيب بالسّكّريّ؟.
- في سنّ الخامسة والعشرين.
- وراثي؟.
وهزّت أمّه رأسها وهي تنظر لابنتها نظرة لم أتبيّن معناها جيّدا.
- المرض ليس عيباً «طاطا سامية».
تسبّبت صيغة «صفاء» في تحرير تنهيدة كبيرة من صدر والدته.
بعد انصرافهما سألت أختي مستفسرة:
- هل أنتِ موافقة على شخصيّته كرجل، أم لأنّ لديه كلّ ما تحلم به أيّة امرأة في العالم؟.
ولم تجبني أختي حتّى الآن.
★★★
وحبست أنفاسي...
توقّف الزّمن وأنا أبحث في الحقيبة دون جدوى عن لوح الشّوكولاتة، الذي بقي منه ثلاث قطع فقط، ورحت أعيد تفتيش حقيبة يدي كأنّ عيناي تخدعانني.
ماذا أفعل الآن يا ربّي؟... نظرات الكلّ تحاصرني، والأستاذ... أأقابله بما اغتُصب من حقّه؟...
ابتلعت ريقي بتوتّر كشفه صوت أنفاسي، حرارة صيف تجتاح وجهي اللّحظة، وأنا على رأس شامخ من الخجل.
وهنا امتدّت يده إلى الحقيبة، وكأنّه فهم كلّ شيء من احمرار وجهي وتمتمتي السّاخطة.
- يا «إلهام»، يا «إلهام»... ما زلتِ تعرفين جيّداً ما أحبّ.
وأخذ الجزء البسيط المتبقّي من اللّوح الذي كان معي.
وخيّل إليّ أنّه ضخّم يده ليُظهر لهم أنّ هناك قطعاً كبيرة من الشّوكولاتة، فوضع واحدة في فيه، بحركة خاطفة تشبه ألعاب الخفّة، مخفياً باقي القطع في جيب سترته الرّماديّة.
ثمّ همس لي بالإسبانيّة متعمّداً إسماع الأخريات:
- «غراثياس سوبرانو»، «غراثياس سوبرانو».
يا الله... إنّها شيفرتنا السّريّة.
وحانت منّي نظرة انتصار نحو طبيبة المستقبل، ها هي الآن قد تحوّلت إلى مومياء فرعونية محنّطة، في حين رمقتني رئيسة الجمعيّة بسهام نظراتها، وكأنّي انتزعت القمر من سمائها انتزاعا.
عجبا لها!... هل أتركها تأخذ حبيبي هكذا ببساطة دون قتال؟.
هي المذنبة... هي من حامت حول من جعلته وطني، متجاوزة بذلك كلّ الخطوط الحمراء، والله لا عشت إن أفلحت، والمجد لنا... نحن الفتيات.
ورجعت في ثوب المقاتل المنتصر في حرب ضروس، أنا التي أطلقت الرّصاصة الأخيرة فكسبتُ بها الحرب.
وتذكّرت ما حدث لي قبل أربع سنوات من هذه اللّحظة.
عاد نفس الفيلم بكلّ لقطاته يمرّ أمام عينيّ، تذكّرت الحالة التي عدت بها آنذاك بعد الإعلان، تذكّرت كيف كنت أطرق الباب بعنف، ناسية تماماً أنّ لدينا جرساً يصدر نغمة حلوة.
تذكّرت «صفاء» التي فتحت لي متذمّرة، متسائلة في الوقت ذاته عن جدواه.
غير أنّي لم أجد وجهها الحبيب لتقول لي:
- عيونك تتلألأ من الفرح، ما الخبر؟، بشّرينا بشّرك الله.
وبكيت بشدّة في حضن خالتي، وأنا أفتقد النّسخة القديمة من حياتي، يحيط بي الحنين إلى الماضي إحاطة السّوار بالمعصم، وتتسرّب مشاعري مترسّبة عبر سردابٍ عتيق.
- والله يا «إلهام»، والله ربّ الدّنيا والآخرة... إنّه يحبّك.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!