وضع القراءة:

ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم»

لستُ شرّيرة...
هم من شنّفوا أذنيّ الصّغيرتين بما دأبوا على ترديده ليل نهار، منذ نعومة أظفاري، ما زلت أتذكّر كلّ عباراتهم؛ «صوتكِ جميل»، «أنتِ معجزة لن تتكرّر»، «أنتِ ظاهرة تفوّقت على أمّ كلثوم»، «ماذا تفعلين هنا؟...»، فصدّقتهم، على اعتبار أنّهم أسرتي، وإذا لم أصدّق أفراد أسرتي أوّلا، وأثق فيهم ثانيا، فمن سأصدّق يا ترى وفيمن سأثق؟.
أبي الذي على الحائط، وأمّي عاشقة الأعراس، المعروفة هنا تدليلاً واحتراما باسم «طاطا موني»، وخالتي التي أناديها «ماما سوسو»، وأختي «صفاء» ذات الخمسة عشر ربيعا، وأخي المجنون المشاكس الصّغير «أيّوب»... ذو الثّمانية أعوام، وكلّهم لهم وجوه جديرة بالثّقة، وهذا هو مصدر سعادتي.
لست شرّيرة، لأنّي أُعتبر عند أمّي وأختي المتابعتين للمسلسلات المصريّة الكلاسيكيّة «أسمهان»، وعند أبي وعمّي أنا «سيلين ديون»؛ وعند جدّتي لأبي، التي تعيش معنا ولا تعيش معنا في نفس الوقت، «فضيلة الدّزيريّة»، أمّا أخي الصّغير، عاشق الرّسوم المتحرّكة؛ فصوتي يذكّره بمن يحبّها جدّاً، «رشا رزق».
المهمّ، أنّ الجميع هنا حتّى صديقاتي في الثّانويّة؛ متّفقات على كوني أمتلك صوتاً بلبليّ الطّابع، لذلك كنت كثيراً ما أرافق أمّي للأعراس، نغنّي في جلسات نسويّة صِرفة، نرقص فيها رقصاً نتخلّص به من إجهاد الأيّام وكآبتها، وتتخلّلها أحاديث، تسرد بالتّفصيل المملّ آخر ما يدور في المنطقة من أحداث.
تقول أمّي التي تعتبر حضور الأعراس هوايتها المفضّلة عبر كلّ فصول السّنة، إن الرّقص ينسيها تعب الأسبوع كلّه، رغم أنّها تظلّ تشتكي من بعض الآلام في أسفل الظّهر لأيّام متواصلة.
وإن غبت لأيّ ظرف كان، تنزعج النّساء غاية الانزعاج، لكن أمّي بخداعها ذي اللّون الأبيض، ابتكرت في الفترة الأخيرة عبارة نمطيّة، تتكوّن من تسع كلمات، جهّزتها منذ عام:
- لديها «بكالوريا» هذه السّنة، ويجب أن تحضّر لها جيّدا.
أبهرتني سرعة التّحدّث باللّغة الإسبانيّة، فاخترت الجذع المشترك «آداب وفلسفة»، المسلك الوحيد الذي يوصلني إليها، وأنا الآن في السّنة النّهائيّة، شعبة «آداب ولغات أجنبيّة»، في الثّانوية التي لا تبعد عن منزلنا أكثر من خمسمائة متر، بعدما بذلت جهداً للحصول على معدّلات عالية في اللّغات بصفة خاصّة؛ العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة، أمّا «صفاء» فاختارت الجذع المشترك «علوم»، لتلتحق بكليّة «الطّبّ» مستقبلا.
منزلنا فيلا كبيرة من أربعة طوابق، إضافة إلى طابق أرضيّ يحوي محلاّت واسعة، واحد منها فقط مؤجّر لأحد التّجّار، الذي يستغلّه في بيع الأجهزة الكهرومنزليّة، والباقي كلّه مغلق.
في الطّابق الأوّل يقع صالون فسيح بمساحة مفتوحة، وهو أمام الصّاعد في الدّرج مباشرة، وعلى يمينه مطبخ واسع مع مخزن للمؤونة، وإلى الشّمال يقع الحمّام.
غرفتي في الطّابق الثّاني، بالضّبط في الشّمال الغربيّ، قبالة غرفة «صفاء» مباشرة؛ وعلى يمينها غرفة جدّتي، أمّا عن شمالي، فتقع غرفة أمّي وأبي، الذي لا أراه في المنزل إلاّ نادرا، حتّى أنّ أختي حين تتحدّث عنه، تستعمل عبارة «أبونا الذي على الحائط»، تلميحاً إلى صورته الكبيرة المعلّقة في الصّالون.
في الطّابق الثالث، توجد غرفة أخي المشاكس الصّغير «أيّوب»، مع غرفتين للضّيوف تقيم في إحداهما خالتي «سميّة»، حين تأتي لزيارتنا، أمّا الطّابق الرّابع فمغلق إلى إشعار آخر كما تقول «صفاء»، التي تكرّر عمداً على مسمع من أمّي، ملمّحة إلى فيلم مصريّ قديم، اعتادتا مشاهدته:
- عيوب منزلنا ثلاثة أشياء، لو أُصلحت لازدهر العالم بأسره؛ انعدام الشّرفات، وغياب المسبح، والحاجة إلى خادمة.
فتجيبها أمّي على تبجّحها:
- ماذا أسمع؟... بيتي ومسؤوليّتي الاعتناء به مهما حدث؛ نحن جميعاً أربع نسوة، كلّ واحدة تنظّف غرفتها، والباقي نتعاون عليه، لماذا أشغّل امرأة تحمل صفة خادمة؟.
ثمّ تضيف في استهجان:
- اسمعن يا بنات، حتّى ولو بلغت المرأة قمم العلوم؛ ستكون مضطرّة للاعتناء بمنزلها، ما فائدة حصولكنّ على أعلى الدّرجات العلميّة وأنتنّ تجهلن تحضير طبق محترم لأزواجكنّ؟.
كانت جدّتي لأمّي -رحمها الله- تحبّني كثيرا، إذ يكفي أن يتطرّق أحدهم لسيرتي أمامها، فتواجهه باعتزاز نادر:
- حفيدتي ولا كلّ الحفيدات، لن تلد النّساء مثلها أبداً.
أمّا جدّتي لأبي، التي تعيش معنا الآن ولا تعيش معنا في نفس الوقت، فتقول مهدّدة بالحرف الواحد:
- لا أقبل أن تُمسّ «إلهام»، ولو بإشارة صغيرة من بعيد، «إلهام» تفّاحة المنزل.
يا سلام... هل سمعتم؟، هي من تقول هذا، أنا تفّاحة، وهل للتّفّاح أن يحمل شرّا؟!.
★★★
- أكاد أجنّ؛ ليس لديّ وقت فراغ، الدّراسة وحصص الدّعم تلتهم أحلى سنين عمري، انظري انظري!.
وتتبعها بصرخة قصيرة:
- حتّى شعري بدأ يتساقط؛ يا إلهي!، أنا متأكّدة أنّي سأصبح صلعاء إذا دخلت الجامعة، مثل عمّي... الكونت «خالد».
هذا ما تتخوّف منه «صفاء»، التي تشتكي من نحافتها، وهي تتفقّد خصلات شعرها المصبوغ، لكنّ الغريب أنّها تجد كلّ الوقت لتلبية أيّة دعوة لأيّة مناسبة، وحين أواجهها تزعم أنّي مزاجيّة، ثمّ تقول لي وهي مغمضة العينين:
- سيأتي يوم تهربين فيه من الواقع إلى الخيال، الحسّاسات أمثالك لا يحتملن تعاسة الحظّ.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.