وضع القراءة:

يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان

قبل السّاعة العاشرة صباحا.
يحاول الأستاذ ببدلته السّوداء الكلاسيكيّة، وقميصه النّاصع، خفض توتّرنا المتصاعد، ونحن نجري بعض الإحماءات الصّوتيّة الخفيفة.
سنقابل بعد قليل في السّاحة التي اعتدنا العمل فيها، حشداً ضخماً لم نعهده سابقاً، من سلطات مدنيّة وعسكريّة؛ ويجب أن نقدّم شيئاً يناطح سقف تطلّعاتنا.
- سيتذكّر الجمهور بداية الأنشودة ونهايتها بصفة خاصّة، إنّهم يبحثون عن الصّدمة الجميلة.
أوّل توصية ذكّرنا بها ونحن نغادر حجرة تدريس، اتّخذناها مكاناً لتغيير الملابس.
كانت «ابتهاج» تشتكي من ضيق لباسها الذي حشرت نفسها داخله بصعوبة، وكم هو صعب أن تكبحي ضحكاتك وأنتِ تحاولين مساعدتها، جاهدة ألاّ يتمزّق شيء.
أفلتت ابتسامة منّي لمّا نطقت «حبيبة» بصبر وصل إلى نسبة متدنّية:
- آسفة عزيزتي، لقد ازداد وزنكِ مقارنة بما كنتِ عليه، لا تغضبي منّي.
- ولم لا يكون القماش قد تقلّص بسبب الحرارة؟، نحن في شهر جويلية، لا تنسَينَ هذا يا فتيات.
نظرنا إلى بعضنا أجزاء من الثّانية، وانفجرنا بعدها مقهقات هذه المرّة، حتّى دمعت أعيننا، ونحن نحاول كبح ما تجرّأنا عليه دون أن نضع اعتباراً لمشاعرها، غير أنّها لم تبالِ بنا، وراحت تسير وقد اكتسبت مشية البطّة:
- يا إلهي، هل سأدخل الحفل هكذا؟، كيف سأصعد على المنصّة التي أقاموها كجبل؟.
وحرّكت كتفيها تلقائيّاً، فتمزّق الحجاب تحت إبطيها، مصدراً صفيراً قصيراً غليظ الذّبذبة:
- يا ستّار، هل الحرارة ضارّة بالقماش إلى هذا الحدّ؟.
ارتمينا على الكراسي ونحن نمسك ببطوننا من هول صوت التّمزّق.
كنّا بحاجة إلى هذا كي نخفّف توتّرنا الذي يتزايد باستمرار كلّما اقتربنا من المنصّة.
- لا تغضبي منّي «ابتهاج»... أرجوك.
لا أعرف من قالتها تحديداً، فقد كانت الدّموع المجنونة تضبّب المشهد، بينما راحت «حنان» و«حبيبة» تساعدانها على السّير، وهما حريصتان كلّ الحرص على الإمساك بها جيّدا.
- لو سمحتما... اتركاني بسلام، من قال لكما إنّي أصبحت عجوزا؟.
- حاشا لله... أنتِ في عنفوان شبابك.
وتبادلتا نظرة لوم.
كانت «ابتهاج» تحاول السّير على طبيعتها، لكنّ اللّباس الجديد لم يطاوعها، فصعّدت نبرتها:
- الخطأ خطأ الخيّاطة التي استعملت قماشاً رديئاً يتأثّر بالحرارة، لقد كنت متأكّدة أنّ هذا سيحدث حين أتت منذ شهر لأخذ قياساتنا... والله كنت متأكّدة.
ونظرت إلينا بوجه استعمرته آثار النّدم، على كلّ ما تناولته سابقاً من طعام، جعلها تتجاوز وزن الرّيشة والدّيك.
- احذري «ابتهاج»، سيتمزّق الحجاب لمجرّد حركة بسيطة، احذري المنصّة.
قلتها ممسكة يدها الممتلئة، مسيطرة على انفعالي، حين تركتها «حبيبة» لاستقبال مكالمة من أمّها، وانتبه الأستاذ إلى جوهر المشكلة، فنظر إليّ هازّاً رأسه قائلاً بنبرة الأخ الكبير:
- ادخلن من خلف المنصّة تماما، تلك منطقة مناسبة لنا.
لم تتّضح لي الصّورة بما يكفي، إلاّ حين رأيت مقعداً خشبيّاً صغيراً لا يتعدّى ارتفاعه ثلاثين سنتيمترا، مخفيّاً عن الجمهور.
استغربت «ابتهاج» من انتباه الأستاذ لأدقّ المشاكل، فقال مبتسماً يداري حرجها:
- يمكن أن نخسر المعركة بسبب مسمار في حدوة حصان.
وأتت اللّحظة التي كنا نخشاها.
★★★
كلّهم هنا، وكأنّهم أفرغوا المدينة عمداً ليحضروا حفلنا.
لمحت في الصّفّ الأوّل الوالي مع حاشيته، ورئيس الدّائرة ورئيس البلديّة، وقائد فرقة الدّرك ومحافظ الشّرطة، الحماية المدنيّة، مديري الثّانويّات... يا إلهي، إنّها أختي «صفاء» و«ماما سوسو»، تجلسان في الصّفوف الوسطى، يا ربّ السّماوات، فهمت الآن سرّ الصّمت الذي كان يوحّدهما في البيت.
لا علينا.
يجب الآن أن نقدّم أوّل أنشودة، «أقمار» التي تدرّبنا عليها مراراً وتكرارا، ويجب أن نبدع في الأداء، بحيث نصدم الجمهور المتعطّش للجديد والمتميّز، بما في ذلك تثمين منصبي الذي أعطانيه الأستاذ، وثقته التي تثقل كاهلي، كلّما أُعيد صوته المترسّب في داخلي:
- «إلهام»، أنتِ مشروعي الكبير، لا تخذليني اليوم.
ويا ليته لم ينظر إليّ بتلك العينين.
- هل أنت قلق مثلنا أستاذ؟.
- أخشى أن يخذلنا الله بذنوبنا.
وتعرّقت جبهته، حبّات متناثرة من لؤلؤ راح يتجمّع شيئاً فشيئاً على بشرته الصّافية.
صعدنا فوق المنصّة وسط تصفيقات الجمهور وتشجيعاتهم وتصوير هواتفهم، وبدأنا على بركة الله.
تنفيذاً للتّوزيعات المتّفق عليها أثناء التّدريبات، تنفيذاً حرفيّاً وسط تنامي شعوري بالعظمة، وأنا أرى إعجاب الحاضرين يتحوّل إلى بريق ينعكس في أعينهم الشّاخصة، كأنّ ما يقع أمامهم هو تسجيل تمّ في الأستوديو.
وكانت تمتمات «ابتهاج» أسرع إلى أذنيّ:
- يا ربّ استر... يا ربّ استر.
- يجب تسجيل ألبوم، حرام أن تضيع مواهبنا سدى.
بهذا همست لي «حبيبة»، وتصفيقات أحرّ من الأولى بدأت تتعالى حين أنهينا خفض الصّوت تدريجيّاً، ووقف المدير وهو يتفاخر أمام مدير التّربية الذي وقف إلى جانبه مذهولا، وانطلقت هتافات الجمهور على وزن واحد؛ «سوبرانو» «سوبرانو» «سوبرانو».
ونظر إليّ الأستاذ ويا ليته لم ينظر.
ارتعدت «ابتهاج» من فرط الحماس، ونحن ننسحب عائدات إلى المدرّج تمهيداً للأنشودة الثّانية، ورحت أبكي بين ذراعي «حبيبة» التي احتضنتني بقوّة، وأحسست بدموعها تنحدر على وجنتيها المحمرّتين، لتصل تباعاً إلى حجابي.
كان كلّ شيء يبدو كحلم جميلٍ سرمديّ لا يجب أن أستيقظ منه، وكاد يغمى عليّ من فرط سعادتي.
- جيّد... عمل ممتاز، بارك الله فيكنّ جميعا، أرجو أن تحافظن على نفس المستوى.
ثمّ نظر إليّ بفرحة طفل صغير:
- «غراثياس سوبرانو»... «غراثياس سوبرانو».
وكرّر العبارة التي تغنيني عن كنوز «قارون».
ألقت «ابتهاج» بنفسها على أقرب كرسيّ حتّى كادت تحطّمه، وهي تحمد الله على تماسك لباسها.
- بقي لنا نشيد «الحجاب»، أليس كذلك أستاذ؟.
- نعم؛ آخر عمل، لا داعي لتجديد التّوصيات، انتبهي للوزن النّفسيّ، الوزن مخادع أكثر من الإيقاع، وإذا زلّ لسانكِ طرفة عين، تداركي الموقف بسرعة قبل اكتشاف أمرك، انتبهي «حنان»، الجمهور ليس غبيّا، صحيح أنّه لا يفرّق بين الصّوت السّليم والخاطئ، ويصنّف الصّوت جميلاً أو غير جميل، لكنّه يستشعر ما يحدث أمامه، تذكّري مصطلح «وحدانيّة الجمهور».
بدا منفعلاً أمامي هذه المرّة على غير عادته وهو يتصبّب عرقا، بفعل الحرارة التي بدأت ترتفع في ذلك اليوم.
- إن شاء الله أستاذ، أعدك بالجهد، والتّوفيق منه وحده عزّ وجلّ.
هذا ما ردّت به تطمئنه وتطمئن به نفسها.
لكن لهذا النّشيد أجمل حكاية.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.