وضع القراءة:

النّصف الآخر

- أنتِ عجوز.
هذا ما تعاتب به «باتريسيا»، مغرورة ثانويّتنا، وهي تتمايل بشعرها الذّهبيّ، «حبيبة»، زميلتي في الدّراسة، فتردّ شامخة الهامة:
- لقد وضع والداي ثقتهما فيّ كامرأة ناضجة عاقلة.
فتكرّر تنمّرها، وتضيف متزعّمة حقّ المرأة في الوجود:
- لماذا ترفضين إعطاء رقم هاتفك؟، الحبّ شيء جميل، وأنتِ فاتنة، عيناكِ جميلتان، في رأيك... هل أبغي لك الشّرّ؟.
- اتّخاذ عشيق خيانة.
- دعينا من مبادئ جدّتي.
أشاحت بوجهها عنها وهي تتفقّد ألبوماً للمنشد « محمّد أبي راتب»، طلبت «ابتهاج» إعارته لها، وشقّت طريقها وسط السّاحة الواسعة، بوجه مشرق راح يتلألأ في نور الشّمس الصّباحيّة.
- البيتزا أفضل بكثير.
- من الأبله الذي سينظر إليك، أنتِ تشبهين برميل النّفط.
هذا ما تردّ به على «ابتهاج» عابسة، فتهزّ كتفيها دون مبالاة قائلة بفم ممتلئ، بالكاد أستطيع فهم ما يخرج منه من كلمات:
- وأنتِ... ماذا فعل أحمر الشّفاه الذي تضعينه خفية؟.
فتنفجر الشّلّة مقهقهات، فتصعّد الموقف باستفزاز:
- أوف... يا للرّائحة القذرة، ألا تستحمّين؟.
وتنصرف عنّا وقد شغلها شعرها الذّهبيّ عن الضّحكات التي خلّفتها وراءها بأثر رجعيّ.
★★★
أعود الآن إلى أمّي التي تصفها أختي بسائل سريع الالتهاب:
- «إلهام»، إيّاك ثمّ إيّاك؛ لا تأمني لأحد؛ الرّجال كلّهم سواء.
وكثيرا ما تحذّر «صفاء» وأحيانا تضربها، إذا بلغها أنّها كانت تتسكّع في شوارع المدينة بعد انتهاء الدّوام المدرسيّ، أو أطالت الحديث مع أبناء الجيران، أو حتّى مع أحد زملائها أمام باب الثّانويّة:
- ليست لنا بنات متبرّجات، سترتدين الحجاب العام القادم، لا أريد أن يطاردك الشّباب بعيونهم، وسيحاولون التّقرّب منك.
- لكن أمّي...
- شششوت... إيّاك من عباراتهم الرّنّانة، فالصنّارة تبقى صنّارة؛ حتّى لو غلّفوها بمعسول الكلام، وما دامت هناك صنّارة، فإنّه بالضّرورة سيكون خلفها صيّاد كامن ينتظر حمامة مثلك.
فجأة... يرتفع هرمون التّوتّر:
- اسمعيني جيّدا يا «صفاء»، قلب الفتاة مثل زجاجة العطر، يمكن أن تنكسر من أدنى خطأ، وإذا انكسرت الزّجاجة!...
وتلطم خدّها فارجة عينيها في أقصى اتّساع يمكن أن تصلا إليه.
وحين تلتفت إليّ تهدّد مستنكرة:
- من يريدك، يعرف جيّداً أين يجد أباك؛ نحن عائلة لدينا سمعتنا، شرفنا يعلو فوق كلّ اعتبار، من تعجبه عيناكِ فليرينا عينيه وعيون عائلته، أمّا اللّقاءات الغراميّة باسم الحبّ، والحديث مع حبيب القلب حتّى الواحدة أو الثّانية صباحا، فلا أقبلها أبداً... أبداً، مفهوم؟.
ثمّ تضيف وهي ترفع سبّابتها اليمنى محذّرة:
- انتبهن لوجوهكنّ؛ ألوان التّبرّج تعطي انطباعاً سيّئا، لن أعيد الكلام مرّتين.
لكنّها تتساهل فيها معنا كثيراً في الأعراس!.
أمّا على الشّاطئ فتنفجر وهي تحاول تغطيتنا بمنشفة كبيرة:
- ما هذا؟ ما هذا؟.
رغم كلّ ما يُشاع عن تفتّحنا وعن أبي الفرنكفونيّ، صاحب العينين الزّرقاوين والشّعر المنسدل، بلباسه الأوروبيّ الأنيق، ووجهه المحلوق دائماً بعناية مفرطة، الصّافي أكثر من مرآة غرفتي.
أبي -بطوله الفارع الذي يقارب المترين-، يبدو كنجم سينمائيّ قادم من «هوليوود»، يلقّبونه هنا في المنطقة «Monsieur KADER»، وهي التّرجمة الحرفيّة الفرنسيّة لعبارة «السيّد عبد القادر»، صاحب وكالة سياحيّة، يعمل ليل نهار مثل اليابانيّين، ولولا صورته الكبيرة المعلّقة على الحائط لنسينا معالم وجهه.
يكفيه أنّه يخبرنا هاتفيّاً أنّ وجهتنا السّياحيّة التي اخترناها للاستجمام على شاطئ البحر جاهزة لاستقبالنا، فنذهب دونه، لأنّه منشغل بتنظيم رحلات سياحيّة أخرى.
أمّا أخوه -الذي هو عمّي- «خالد» البالغ من العمر الآن أربعين سنة؛ أصلع الرّأس، شريكه في الوكالة السّياحيّة، وحائط التّدعيم الإسمنتيّ المسلّح على حدّ تعبير جدّتي.
- انظر لصورتك في المرآة يا رجل، لقد حوّلك التّدخين إلى شخص يستطيع الاختفاء وراء عمود كهربائيّ، من اكتشف التّبغ رجل يمقت نفسه أو يمقت العالم، ولا تخفيضات.
فيجيبه ضاحكا:
- لا تقلق «Monsieur KADER»، لن أموت باكرا.
- تزوّج أوّلاً ثمّ مت بكرامتك.
أربعون سنة وما زال أعزبا، هل تصدّقون؟... أربعون سنة دون امرأة يأوي إليها ليلاً ليحكي لها ما حدث له في النّهار، وحين نلحّ عليه يتذرّع بأيّ سبب:
- أنا أبحث عن المرأة المناسبة، لا يجب الاستعجال في هكذا مسائل.
أو -حين تحاصره «صفاء»-:
- أنا الآن أحقّق ذاتي، الزّواج مسؤوليّة أكبر من رئاسة الجمهوريّة.
تقول أمّي متأفّفة بحياء مستتر:
- من المؤكّد أنّ عفريتاً يتلاعب به، هذه نفس، والنّفس أمّارة بالسّوء.
- لماذا لا تكلّمين أبي من أجل خالتي؟؛ سنحلّ مشكلتين وسيسعد الكلّ، أتعلمين؟.
- إذا كان يريدها فلماذا هو صامت لحدّ السّاعة؟، هل ينقصه العمل أم يعوزه المسكن؟.
- ربما يمنعه الخجل.
- لا خجل في الحلال، لحظة...
وتضيّق عينيها قليلا:
- ماذا سيقول أبوك عنّي يا بنت؟، وماذا سيقول النّاس؟... والجيران والأقارب؟.
وتمسك رأسها بيديها كأنّ صاعقة هوت عليها من السّماء:
- تريد إلصاق أختها العانس بشقيق زوجها، يا للفضيحة!، «إلهام»، إيّاك أن تعيدي هذا مجدّدا.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.