تفّاحة المنزل
- كيف حال «إلهام السّوبرانو»؟.
- بألف ألف خير يا «ماما سوسو».
قلتها وأنا ألقي بنفسي عليها معانقة في الباب:
- آه يا «ماما سوسو» لو رأيتِ اليوم ما فعلناه؟، حتّى المدير وعمّال الإدارة أتوا لرؤيتنا، لالتقاط الصّور التّذكاريّة، كانوا ينظرون إلينا والحيرة تنهش عقولهم، لم يكونوا يتصوّرون أنّ باستطاعتنا نحن طالبات الثّانويّة الوصول إلى ذلك المستوى المرعب من الأداء، آه... نحن نشكّل العالم.
ثمّ تحمّست في العبارة الأخيرة، وأنا أتذكّر نظراته نحوي، فقلت وأنا أرفع قبضتي في الهواء:
- المجد لنا نحن الفتيات.
هل تريدون الصّدق؟.
لم نتحكّم في الأنشودة جيّداً إلاّ بعد إعادتها للمرّة الرّابعة، ساعتها استوعبت كلّ المنشدات الدّور المنوط بهنّ على أكمل وجه، وكانت «مريم» بنوعيّة صوتها «الآلتو» بطلة المجموعة دون منازع، فقد كانت لها كاريزما غريبة جذبت إليها باقي العضوات، وحتىّ «مليكة» التي لها نفس نوعية الصّوت لم تستطع إثبات حضورها، على الأقلّ بالقدر نفسه.
وحانت نظرة منّي إلى الأستاذ الذي كان ينظر إلينا بدوره، وعلامات السّرور بادية على محيّاه، لسيطرتنا الفريدة على الوضع، والتقت عينانا كما يلتقي جدولان صغيران تشكّلا بسرعة من أمطار السّماء.
كان معجباً مزهوّاً بإنجازي، الذي هو في الأساس إنجازه... وإنجاز كلّ العضوات.
لقد طبّقنا جيّداً مصطلح «وحدانيّة الجمهور».
يا له من انتصار!... ويا ليتني لم أرَ عينيه!.
وحكيت لها كلّ شيء، ويجب أن تعرف كلّ شيء.
كلّهم في المنزل كانوا سعداء، حتّى أبونا الذي على الحائط حسب ما روته لي خالتي، وجدّتي التي ما فتئت تكرّر على مسمع الجميع:
- «إلهام» ستظلّ تفّاحة المنزل، لا تغضبوها فقط.
- من؟... التي ستشكّل العالم؟!.
تقولها أمّي ساخرة، ويظلّ وجهها عبوساً كالمطرودة من العرس، ويزيد تجهّمها ساعة بعد ساعة، ولمّا تحلّقنا حول مائدة العشاء هاجمتني بكلمات في حدّة السّكّين:
- لقد انزعج «منير» من إنشادك في الثّانويّة، هذا ما قالته لي والدته في الهاتف قبل دقائق، ووجدت نفسي محرجة جدّا أمامها، لم أعرف ما الذي...
- نعم؟... «منير» الميكا... ؟.
لم أشأ إكمال جملتي تقزّزاً منه، مشيرة بإصبعي ناحية الجنوب.
- ووالدته غاضبة منكِ جدّاً.
- جدّاً؟... ليغضبا معاً كما يريدان، ما دخلي أنا في الموضوع؟.
- ستبقين عانساً مثل خالتك، وسترين أين سيؤدّي بكِ غرورك.
- ما معنى عانس يا أمّي؟.
سأل «أيّوب»، فردّت عليه ساخطة متفرّسة في وجه خالتي:
- معناه أن نبقى نلعب الغمّيضة هنا في هذا المنزل حتّى بلوغنا سنّ التّسعين.
وانفجرت «صفاء» ضاحكة.
ارتسمت معالم الحيرة على أخي الصّغير، وقامت أمّي في حركة آليّة لتنظيف قدر كبير، وهي تنظر إلى خالتي التي انشغلت بتناول قهوتها، نظرات ليست ككلّ النّظرات:
- لو تتعلّمين الطّبخ، على الأقلّ سيجد زوجكِ ما يأكله حين يعود في المساء، هل تريدين أن أعلّمك تحضير طبق لذيذ يحبّه كلّ الرّجال؟.
وقمت خلفها أعانقها، فالتفتت إليّ على مضض، واغرورقت عيناها بالدّموع:
- أريد الاطمئنان عليكِ قبل أن أنتقل للأعلى، أليس هذا من حقّي يا «إلهام»؟.
وأشارت بسبّابتها اليمنى إلى السّماء.
- لا تقولي هذا ثانية ماما، لماذا تذكرين الموت دائماً وكأنّك ستموتين غداً؟!.
- الأعمار بيده تعالى يا ابنتي، على الأقلّ أرى أولادك يلعبون حولي، طفل أو طفلان.
ثمّ وشوشت لي مستفسرة:
- «إلهام» حياتي... هل هناك شخص آخر؟، هل تحبّين شابّا ما؟، أخبريني أنا أمّك.
إلاّ أنّها استردّت بسرعة نصلها الصّوتيّ الحاد:
- لا تتركيني كالصّماء في العرس.
- «إلهام» أختي، لا تنسي أنّك وعدتني بشارة «أنا وأخي» هذه اللّيلة.
تردّدت قليلا وابتسمت، كنت أخشى أن تتدخّل «صفاء» بمزاحها السّمج، ورغم انشغالها ظاهريّا بهاتفها، إلاّ أنّها ألقت العبارة التي اشتُهرت بها «حنان»:
- حفظه الله وسدّد خطاه.
فالتفتت إليها أمّي بحاجبين مقبوضين، وقبل أن يتبيّن لها أيّ شيء، كانت في حضن «ماما سوسو»، التي قامت لتعانقنا، بينما انشغل «أيّوب» وجدّتي بالأكل، وخلوت أنا بأحلامي.
★★★
صبيحة الأحد.
كانت فرقتنا تتصدّر أحاديث الصّباح، خاصّة بعد انتشار صورنا في وسائل التّواصل الاجتماعيّ.
كنت أسمع الهمس المعتاد «ها هي ذي، ها هي ذي، إلهام السّوبرانو» أينما حملتني ساقاي.
أمّا في المنزل، فكانت أمّي تنتظرني خلف الباب، كأنّها تنتظر لصّا تعلم مسبقاً أنّه سيتسلّل قرب الفجر لخمّ الدّجاج:
- أرغب في معرفة تفسيركِ للأمر.
هذا هو ملخّص ما قالته لي، وهي تريني ما نشر عنّي في صفحات وسائل التّواصل الاجتماعيّ المحليّة.
- لا شيء أمّي، لا شيء، ضريبة الشّهرة.
فانفجرت في وجهي حانقة:
- متى توقفين هذه المهزلة وتلتفتين لدراستك ومستقبلك؟، صوركِ في كلّ مكان، أتقدّرين الحال التي أوصلتنا إليها؟... أتريدين جلب العار...؟.
- مستقبلي مع الميكانيكيّ؟... رجاء... أخبري أمّه التي كانت هنا أن تصرف نظرها عنّي، لن أتزوّجه... والذي خلق السماوات والأرض لن أتزوّجه.
طأطأت رأسها منسحبة، فانصرفت إلى غرفتي، بعدما دعّمت جملتي بإشارة مقتضبة، تفيد أنّ الموضوع منتهٍ تماماً على الأقلّ... بالنّسبة لي.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!