وضع القراءة:

وقاحة أنثى

- «بثينة» هربت من البيت إلى منزل أستاذ الإنشاد البارحة ليلا، والثّانوية الآن بركان، لا دراسة ولا هم يحزنون.
- سيستدعي المدير قوّات مكافحة الشّغب، بعض معيدي السّنة يريدون استغلال الوضع لإثارة الفوضى.
لا أتذكّر الآن من القائلتان تحديدا، لكن وقع الصّدمة كان شديداً عليّ.
واندلعت الحرب في الثّانويّة.
قبل الكارثة بأشهر.
اقترحتُ جاهدة تحويل الأغرودة الإسبانيّة «Bandiganos allah» للفنّان «أحمد البقالي» إلى أنشودة، واقترحت «مريم» أنشودة «أين حجابك يا أختاه؟» للثّنائيّ «عبد الفتّاح عوينات» و«غسّان أبي خضرة»، واقترحت «حنان» عملين جيّدين ما فتئت تعلن إعجابها بهما في كلّ مجلس؛ أحدهما للمنشد «أحمد أبي خاطر» حول موضوع الحجاب، ودعّمتها الأغلبيّة، وأنشودة «لذات الدّين إنشادي» التي بدت غريبة عنّا، ورغم هذا فقد قال الأستاذ إنّها سهلة وقويّة المضمون.
فيما اقترحت «ابتهاج» رائعة «أبي الجود»، التي تفقدها توازنها كلّما شاهدتها على القنوات الفضائيّة، أنشودة «يا أمّي».
أمّا «فريال» فقد ولعت بأنشودة «أقمار» للفنّان «يزن نسيبة»، فقبلها الكلّ فورا.
ثمّ اقترحت «سهيلة» و«ياسمين» أنشودة «ماذا سيكتب ما الذي سيقال؟»، لفرقة «التّبصرة» الجزائريّة، بينما عرضت علينا «حبيبة» أنشودة «أحبّا يا قلبي»، لفرقة «الأشواق» الجزائريّة، و«شيماء» و«سعاد» أنشودة «نوّر دربي»، للمنشد السّعوديّ «عبد المجيد الفوزان».
كان الأستاذ مسروراً جدّاً بقوّة الطّرح والاختيار، فقد عكس المستوى العالي لاهتماماتنا، لكن لم نكن ندري أنّ هناك مأزقاً كبيراً بات يهدّدنا.
كانت كلّ واحدة فينا تريد الحصول على منصب «المنشدة الأولى»، أو «الفرديّة»؛ وهو مصطلح يعني الظّفر بالأداء الفرديّ، بما يحويه من أبعاد الشّهرة والتّميّز والتألّق، ولا سيما في حفل سيحضره والي ولايتنا، مع حاشية عريضة من الوزن الثّقيل، وربما حتّى التّلفزيون الرّسميّ وبعض القنوات الخاصّة.
- أريد منصب «المنشدة الأولى» أستاذ، لا أعرف إن كان المدير قد فاتحك في هذا الموضوع أم لا.
ألقتها «سعاد» في وجوهنا كأنّها حقّ من حقوقها الشّرعيّة، وسط صمت حذر من «حنان» و«حبيبة» و«بثينة»، و«ابتهاج» التي نظرت إليها بعينين متّسعتين، ثمّ همست لي وهي ما زالت ترمقها ضابطة نظّارتها بسبّابتها والإبهام:
- يا لوقاحتها، من تظنّ نفسها حتّى تطالب بذلك؟، ألم يخبرها أحدهم أن لا محلّ لها من الإعراب؟... لم أكن أعلم أنّ باستطاعة الوقاحة أن تتجسّد كشيطان.
- جهدكِ ومستواكِ هو المحدّد الوحيد يا آنسة، لست أنا ولا المدير، ولا المفتّش ولا حارس الثّانويّة من يقرّر منصبك.
قالها بنبرة فيها نوع من الألم والحسرة، أو ربما كشيء كان يتوقّع حدوثه ويخشاه.
ثمّ أطلقت «ابتهاج» رصاصتها:
- أعتقد أنّ «إلهام» هي التي تستحقّ ذلك، بناء على موهبتها وخامتها الصّوتيّة الفريدة.
تفرّست «سعاد» فينا قائلة بنبرة عدوانيّة:
- كلّنا بنات تسعة أشهر.
وغادرت المكان بوجه ممتقع.
نظرت مباشرة إلى الأستاذ أقيس ردّ فعله، فلم يبالِ بها أصلا، كأنّها تلميذة مزعجة أُخرجت من القاعة، بل راح يسأل عن اسم الفِرقة، في تجاهل تامّ لما اقترفته، وهو تصرّف لم أستطع هضمه.
يبدو أنّه هو الوحيد الذي فهم ما يدور أمامنا جميعا، إذ آثر الانشغال باختيار اسم مختلف غير مستهلك، وراح يثني على «حبيبة» صاحبة الشّرف، غاضّا البصر عن الزّوبعة التي أُثيرت في فنجان.
غابت «سعاد» عن حصّة السّبت.
يقول «الرّادار» إنّه التقط إشارات تشي بسعيها الحثيث عند أكثر من جهة للضّغط على الأستاذ، كي يمنحها منصب «المنشدة الأولى»، ووصلت بها الجرأة إلى الذّهاب إلى زوجة المدير، كي تضغط على زوجها ليضغط بدوره على الأستاذ.
قلت في حنق:
- أرأيتنّ طريقة تفكيرها؟.
أجابت «ابتهاج» بسرعة:
- فلسفة جوارب، من لا يملك رأساً لا يحتاج إلى قبّعة.
وأرسلت للتوّ آخر لقمة من شريحة بيتزا إلى معدتها، ثمّ تجشّأت مكملة حديثها بمثل ثوريّ لا أعرف ما علاقته بالأمر:
- القسوة ليست في قلوبنا، بل في الظّروف التي نحاربها.
فردّت «حنان» وعلى وجهها علامات الاستغراب:
- لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، هذه الفتاة مستعدّة لفعل أيّ شيء مقابل تحقيق أطماعها!، في الأسبوع الماضي استدعاها المراقب العامّ، بسبب قلم أحمر الشّفاه الذي أصبح لها أكثر من بطاقة تعريف.
أخرجت شريحة ثانية كانت ملفوفة في كيس ورقيّ بنيّ واندفعت بالقول:
- أرادت الاستحواذ على «نزيم».
قالتها وكأنّها تلقي إلينا بسرّ، أعتى من سرّ مكان دفن كنوز القراصنة، فضحكت «حنان» من مكرها وقد زاد استغرابها، فاستطردت:
- لا يثير انتباهها أيّ أحد من الشّباب، هل رأيتنّ؟.
وأشارت بعيداً:
- الذين نجدهم واقفين في الخارج يتسوّلون نظرةَ حمقاء، لا عمل لهم ولا سكن.
انفجرت «بثينة»:
- الغاية لديها تبرّر الوسيلة!، هذا هو منطقها، ولهذا السّبب أنا أكرهها.
جذبت عباراتها النّاريّة اهتمام «حنان» التي تقف بيننا أمام المدرّج، في انتظار حضور الأستاذ الذي يكون في هذه الأثناء في مكتب المدير، بينما تساءلت «حبيبة» عن نسبة احتمال رضوخه للضّغوط.
- لا أظنّ، وربما سيتوقّف إذا تدخّل أحد في عمله.
وخفق قلبي على حين غرّة حين أتمّت «نور الهدى» جملتها، وهي تتناول الفول السّودانيّ، غير عابئة بما نالني منها من توجّس، مقدّمة بعضه لبعض الزّميلات القريبات منها، في حين شكّلت «نعيمة» و«أشجان» و«ليلى» و«سهيلة» و«فريال» حلقة على مسافة أمتار.
انتفضت «إشراق» وهي تقاوم غضبها من عبارة «ابتهاج» السّابقة حول خطيبها:
- من الضّروريّ هنا تكثيف الرّوابط وتمتينها لزيادة تماسك الفرقة، بدل نشر بذور الفتنة والتّفرقة والكراهيّة، من المستفيد من كلّ هذا؟... «باتريسيا»؟.
ثمّ أمسكت برأسها وهي تصيح بالفرنسيّة:
- يا إلهي العادل، كلّنا سنتضرّر، لا يوجد رابح في هذه الحرب.
نكزتني «ابتهاج»:
- الأستاذ يريدك، إنّه ينظر إليكِ مشيراً بشيء ما.
كان يريد منّي إحضار الكراسي من القاعات المجاورة كما هي العادة، لتشكيل الحلقة في السّاحة أمام المدرّج.
- الله الله، ألاحظ انسجاماً بينكما، يبدو أنّكِ ستدرّسين هنا بعد تخرّجك.
لم أعبأ لكلامها رغم أنّه أسعدني، فقد كنت متخوّفة ممّا قالته «نور الهدى»، وتوجّهت إلى القاعة لإحضار الكراسي، ورافقتني «حنان» و«حبيبة»، ثمّ التحقت بنا باقي الزّميلات.
أتى الأستاذ وعلامات الانزعاج مرتسمة على وجهه رسما:
- خيراً أستاذ؟.
- لا شيء «إلهام»، لا شيء، لنكمل عملنا.
قالها وهو يرتدي قفّازيه الأبيضين ففهمت أنّه يتجنّب إزعاجي، وأكملنا وأنا ممتعضة لامتعاضه.
هل يجدر بي الآن أن أعترف أنّني السّبب في كلّ ما يحدث له؟.
لتأخذ المنصب من تريد، خذن كلّ ما ترغبن به، المهمّ أن يظلّ الأستاذ هنا معنا، مسروراً لا يعكّر صفو مزاجه شيء.
في فترة الرّاحة اتّفقنا جميعاً على اختيار ثلاثة أناشيد فقط حسب رغبة الإدارة، وطمأننا الأستاذ أنّ كلّ شيء سيكون جاهزاً إن شاء الله يوم الثّلاثاء القادم.
ثمّ ركب سيّارته وغادر، وقد شدّ الغضب فكّه السّفليّ، غادر وتركني لعذاباتي ووساوسي، مخلّفاً وراءه رائحة عطره النفّاذ.
★★★
في الطّريق رافقتني «ابتهاج» كعادتها، وراحت تخبرني بكلّ ما التقطته تردّداتها من معلومات:
- يقولون في الفِرقة إنّكِ أنتِ سبب المشكلة التي حدثت بين الأستاذ و«سعاد».
- لا، لست أنا، أنتِ من أجّجت الوضع فثارت تلك المغرورة، كاشفة عمّا كان يدور في قلبها من حقد أسود، كان ينمو مثل «البوليب».
- أنا؟... أنا قلت الواقع فقط، أنتِ الوحيدة الكفؤة للمنصب، هذا ما يجب الاعتراف به مهما كانت الأحوال.
- من الأجدر بكِ ألاّ تثيري غيرتها أكثر، تلك الغبيّة لا تعي أنّه ليس بالضّرورة أن يفشل الآخرون كي تنجح هي، والآن أخذت المشكلة البسيطة بعداً آخر بعد تدخّل المدير، هل تقدّرين كلامي يا «ابتهاج»؟، هل تعين خطورة الموقف؟.
هزّت كتفيها دون اكتراث، ثمّ قالت وهي تتفادى إحدى السّيّارات المسرعة:
- بطبيعة الحال، يقول الأستاذ إنّ للفِرقة الإنشاديّة بعداً تشاركيّاً، والإنشاد ككلّ عبارة عن لعبة جماعيّة، كلّ فاعل إنشاديّ يدلي بدلوه مهما كان دوره، على فكرة... هل تخشين أن يتوقّف الأستاذ؟.
- وهل تعي هي هذه القيم؟.
- كلّ إناء بما يحويه ينضح، المهمّ... لم تجيبي.
- على ماذا؟.
- يا شرّيرة، لا تتصنّعي الغفلة معي... هل تخشين أن يتوقّف الأستاذ؟.
- لا أريد أن ينهار العالم بسببي، هذا كلّ ما في الأمر.
ثمّ نكزتني مشيرة بعينيها اللّتين تبدوان كعيني نملة خلف النظّارة السّميكة:
- يا ماكرة، لقد التقط الرّادار مشاعر طيّبة نحوه.
وضحكت في تصنّع تحاول إخفاء شيء ما عنّي، مردّدة بمرح:
- «بين طواحين الأيّام نخفي أمانينا».
ثمّ نكزتني مرّة أخرى:
- أمامكِ أمامك، «منير».
- دعينا من ذلك الصّعلوك، أنا الآن داخل القُمع.
متوتّرة نظرت إليه، لأجده قد خرج لتوّه من تحت إحدى السّيارات التي كان يصلحها، بوجه ملطّخ بزيت التّشحيم، وهو ينظّف يديه بخرقة سوداء بالية، ومع ذلك فقد عرف جيّداً كيف يلصق عينيه بي.
- يبدو أنّه يريد الحديث معك.
- لن أتكلّم مع أحد... والله سأضربه ضرباً موجعاً لن ينساه أبداً في حياته.
ضحكت «ابتهاج» ومضينا في طريقنا متجاهلين وقوفه وتحديقه بنا.
كنت متأخّرة عن موعد رجوعي إلى البيت، ومن حسن حظّي أنّي وجدت «ماما سوسو» عند الباب، تترقّب عودتي بشغف، وكانت أمّي قلقة في الدّاخل، تحضّر لاستجواب بوليسيّ.
- آه يا «ماما سوسو»، لو تعلمين ما في صدري؟.
وحكيت لها كلّ شيء... ويجب أن تعرف كلّ شيء.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.