وضع القراءة:

إعصار «باتريسيا»

احتدم النّقاش في منزلنا.
وجدت نفسي أحكي لخالتي كلّ شيء، بعدما ارتميت في حضنها الدّافئ على الأريكة، وحين دخلت أمّي، أعدت لها كلّ ما حدث من البداية، وأنا منهارة تماماً، كالهائمة في قيض الصّحراء، وزادت «صفاء» من قسوة آلامي بقولها ضاحكة دون مبالاة بأحاسيسي:
- إنّه الحبّ، ما بكِ «سوبرانو»؟، هل يحتاج هذا إلى دليل؟، الحبّ والعطر لا يختبئان.
وراحت تصفّق بيديها متمايلة في حركة إيقاعيّة.
- أيّ حبّ؟... هل من المعقول أن نثق في أحاسيس الأطفال؟.
هذا ما ألقت به أمّي أمامنا، ثمّ واصلت في اطمئنان تامّ:
- لا تنجذبي نحو الشّائعات، ألسنة النّاس مخلوقة دون عظام، تتحرّك في الهواء أكثر من تحرّك السّمكة في الماء... هناك دائماً من يحبّون الصّيد في الماء العكر.
فأردفت خالتي وهي ما زالت تحضنني بذراعيها:
- بصراحة، «بثينة» مجنونة، وضعت الأستاذ في مأزق حقيقيّ بتصرّفها المتهوّر، لو ذهبت إلى منزل إحدى قريباتها لكان أسلم لها وأطهر، الرّجل أعزب يا ناس، ولو كان له مسكنه الخاصّ لكانت فضيحة القرن.
ثمّ فجأة انتبهت أنّ أمّي منزعجة من الموضوع غير أنّها تحاول إخفاء شيء ما، ولمّا أراد «أيّوب» التّطفّل كعادته طردته، بنبرة اجتمع فيها الشّرود مع نوع من الغضب الخفيف:
- اذهب لتلعب الغمّيضة مع أصدقائك، ولا تتدخّل في شؤون الكبار.
- أريد أن أسمع شارة «أنا...
قاطعته:
- يا أحمق، لدينا ما هو أهمّ من شارتك، اخرج، ولا تنسَ غسل أسنانك قبل النّوم.
وخطرت لي خاطرة:
- يا إلهي، هل يمكن أن تكون مغرمة...
ولم أستطع إكمال الجملة.
★★★
شكّل هروب «بثينة» قضيّة رأي عام، لفترة بدت لي أنّها أخذت حجماً أكبر من حجمها الطّبيعيّ، فباتت حديث الأساتذة وعمّال الإدارة، والمدير صاحب البطن الكبيرة، الذي أراد استغلال الفرصة وطرد الأستاذ، فيما يبدو لسبب وجده منطقيّاً أكثر من معادلة 1 + 1 = 2.
أمّا «سعاد» فراحت تثير القلاقل من حوله والفتن، ناسجة قصصاً وحكايا لا يصدّقها عقل.
زعمت أنّهما متزوّجان سرّاً منذ أكثر من عامين، وينتظران مولودا، وأنّهما يخطّطان للهروب إلى أوروبّا عبر قوارب الهجرة غير الشّرعيّة، وأنّ الأستاذ وعدها هناك بقصر في «بيرمنغهام».
بينما بدا الأستاذ هادئاً جدّاً في الحصّة.
رأيته صبيحة الخميس حين نزل من سيّارته، ومشى في السّاحة أمامنا متوجّهاً نحو الإدارة، هادئاً هدوء البحر، صبيح الوجه، متعجّباً من الجمع الرّهيب الذي كان يتفرّس فيه من النّوافذ.
- انظروا إلى الأستاذ، والله لو كان قد فعل شيئاً يُغضب الله لتوتّر واستقال فورا.
ونظرت في عينيها مليّا، هذه الصّديقة التي تسمّى «حنان»:
- أعتقد أنّ هناك سوء فهم ما، و«سعاد» استغلّت الموقف لصالحها، لأنّه رفض منحها منصب «المنشدة الأولى»، هل تتذكّرن؟.
ووجدت نفسي أصدّقها.
- لقد طلبت أمّ «بثينة» من إمام المسجد التّدخّل لاحتواء الموقف، عندما هدّد شقيقها بقتلها، وبدأت الأمور تتطوّر لتخرج عن السّيطرة.
لا أعرف كيف استطاعت قول كلّ تلك الكلمات، وهي تتناول أمامي ما بقي من البيتزا.
★★★
- ماذا يحدث لديكم في الثّانويّة؟.
سأل الطّاهي صاحب الوجه المستطيل من وراء لوحة الغرانيت، وهو يهمّ بتناول المجداف الذي يدفع به القرص نحو الفرن.
لم أتمالك حبس دموعي، فتظاهرت بتحسّس أصابني من برودة الطّقس، فقالت «ابتهاج»:
- إنفلونزا؟.
أخرجت منديلي الورقي وأنا أهمّ بالمغادرة، فأشارت إلى الطّاهي أن يسجّل لديه ثمن ما تناولناه.
- آآآه «سوبرانو»!، هل أنتما منصرفتان؟.
ونظرت إليّ بشماتة.
- اتركينا «سعاد»، لدينا حصّة ستبدأ الآن.
- هل سمعت عن الإعصار الذي ضرب ثانويّتنا؟.
قالتها متعمّدة رفع صوتها وهي تخاطب الطّاهي الذي استسلم تماماً لكلامها، كما التفت إليها بعض المارّة، من شباب الحيّ وبعض الطّلبة الجامعيّين، فبدا الموقف كجمع من الإعلاميّين ينتظر منها تصريحاً رسميّا.
هنا... زمجرت بغطرسة، مستغلّة العيون المتسمّرة، والأعناق التي اشرئبّت إليها:
- أساتذة آخر زمن، لا أخلاق ولا هم يحزنون.
فنطق أحد الكهول المتحذلقين من طاولة بعيدة بصوت أجشّ:
- أصبحنا مثل «أمريكا»... على الأقلّ هم متقدّمون علينا بمسافات ضوئيّة.
فردّت عليه:
- أرأيت يا عمّي؟، أستاذ مثل هذا يلطّخ سمعتنا، يجب أن يُطرد نهائيّاً من التّعليم.
كدت أصفعها، لولا أنّ «ابتهاج» ضغطت على ساعدي هامسة، وهي تنظر نحو إحدى الطّالبات التي لزمت مكانها تنصت باهتمام:
- لا تسمحي لها باستفزازك، هي الآن في أوج قوّتها.
أمّا «ماما سوسو»، فكم كانت عباراتها تريحني صباحاً، وأنا أستعدّ مرغمة على الذّهاب إلى الدّراسة:
- لا تتركي الشّيطان يتلاعب بعقلك، ثقي في الله يا «إلهام».
- أنا متأكّدة من أخلاقه... أنا أعرفه من يكون.
وتحضنني تصديقاً للكينونة.
ليلتان وأنا أتضرّع لله قائمة ألاّ يخيّب رجائي، أنا الفتاة المسكينة التي يتمزّق قلبها ألماً كلّما نما إلى سمعي أنّه صاحب مغامرات نسائيّة.
أتى مساء الجمعة بموقف جليّ، حين التقت أمّي بجارتهم «طاطا عائشة» في عرس إحدى القريبات:
- تُمدح الأفعال بضبطها، و«بثينة» تهوّرت.
هذا ما افتتحت به أمّي كلامها، وهي تستعدّ للجلوس على إحدى الأرائك المنجّدة في الصّالون الفسيح.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.