34 حديث مع الملائكة
أرى سقف غرفتي يتّضح لي تدريجيّا، ويسكن رأسي ألم خفيف ودوار.
كانت السّاعة تقترب رويداً رويداً من منتصف النّهار، وكلّما يمرّ الوقت أدرك أنّي نمت منذ البارحة، نعم منذ... آه... بسبب الحقنة المهدّئة التي أعطتنيها الطّبيبة، في ذلك المساء المشؤوم.
نبتت في منزلنا شجرة حزن ضخمة، سرعان ما راحت تغرس جذورها إلى أسفل، فتزعزع كلّ شيء في أسرة «المسيو كادار»، التي كانت محطّ أنظار سكّان مدينتنا.
وتلاحقت الذّكريات.
★★★
- اسمها «عائشة»، ووالدها أستاذ فيزياء في الثّانويّة، على وشك التّقاعد، أمّا أمّها فمعلّمة في المدرسة الابتدائيّة.
هذا ما سمعت أمّي تقوله لخالتي، بفرحة تأخذ منها أنفاسها، بينما راحت «صفاء» تصيح متمايلة:
- وأخيراً سيتزوّج عمّي الكونت «خالد»، وأخيراً سأرى الكونتيسة.
وأطلقت زغرودة في طول قطار نقل البضائع.
تعرّف عليها خلال مهمّة أرسله أبي فيها إلى «تيميمون»، لتنظيم رحلة لسوّاح أجانب في العام الماضي، ولا أخبار بعدئذ عن الطّريقة التي سارت بها الأمور، وكم كانت فرحة أمّي عظيمة بإنجازه التّاريخيّ، وكأنّه هو من اخترع الطّائرة:
- الحمد لله، لقد أتمّ نصف دينه، الآن هو مستقرّ، وباستقراره تستقرّ العائلة أكثر، لو تُنسيه التّدخين... لقامت بأكبر إنجاز في حياتها.
ورفعت يديها إلى السّماء متضرّعة.
ظننت لوهلة أنّها نسيتني، غير أنّ «ريمة عادت لعادتها القديمة».
- بقيتِ أنتِ فقط و»إلهام»، أريد رؤية أولادكما... أحملهم بين ذراعيّ، أريد أن أرى بعينيّ هاتين أولاد تلك المدعوّة «صفاء».
توجّهت بالعبارة إلى خالتي.
- و«لوكا» القطّة.
أشاحت أمّي وجهها عنّي، مستغربة هذا المزاح السّمج.
يا للحمرة التي اكتسحت وجه «ماما سوسو» الجميل!، صبيّة متوّردة الخدّين أمامي وقد باغتتها نظرات المعجبين.
وتمّ الأمر بسرعة قياسيّة، وفي شقّة واسعة اشتراها على مسافة ثلاثين كيلومتراً التئم فيها شمل الشّمال والجنوب، وتحوّلنا نحن إلى مخلوقات ليليّة مدّة أسبوع كامل، قضيناه في الرّقص والغناء.
بعد شهر ونيّف، بدأ أبي يفقد زبائنه شيئاً فشيئا، فقد كان عمّي «خالد» ذراعه الأيمن لسنوات طوال.
تقول أمّي إنّه من الضّروري الآن إيجاد من يحلّ محلّ هذا الذي انشغل بعروسه ليل نهار، لكن هذه الخطوة على بساطتها وإيجازها تعدّ أمراً مستحيلا؛ أين سيجد أبي اليابانيّ من يشبهه؟!.
لم يساعده سوى عمّي «المحجوب»، كبرهان على صدق احتفاظه بعشرة أطيب من ريح المسك، فوفّر له سكرتيرة مناسبة تماماً لشروطه، بصعوبة ماثلت صعوبتها هي في التّخلّص من ربّ عمل لا يقدّر جهدها، فقد استُغلّت بشكل أقرب ما يكون لاستغلال العبيد، ناهيك عن راتبها الضّئيل، الذي يتأخّر في أحيان كثيرة لأكثر من شهرين.
«بشرى»... ابنة السّبع والعشرين ربيعا، التي سيغدو لها في أسرتنا شأن... وأيّ شأن!.
وفجأة ينقلب كلّ شيء رأساً على عقب.
★★★
كنت في الصّالون أحاول العثور على برنامج تلفزيونيّ يبدّد كآبتي، حين سمعت صراخ «صفاء»، اعتقدت في البداية أنّها كسرت شيئاً ثمينا، فأرادت التّخلّص من تبعاته قبل اكتشاف أمرها، لكنّها راحت تنادي أمّي بنبرة صوت حملت كلّ أشكال الذّعر والتّشتّت الذّهنيّ، فأسرعت نحوها، لأجد أمّي ساكنة على الأرض تنظر إلى السّماء، والرّعب يجتاح كلّ ذرّة في جسدينا.
- ما بها؟، انظري... لماذا هي شاخصة هكذا ببصرها إلى الأعلى؟.
- ساعديني على نقلها إلى غرفتها.
لم أتمّ عبارتي حتّى أغمضت عينيها، ثمّ فتحتهما بصعوبة، وراح صوتها يتلاشى بطيئاً، ثمّ غمرها عرق غزير، وتحوّل صوت تنفّسها إلى حشرجة.
في هذه اللّحظة تحديداً، أدركنا أنّ شيئاً خطيراً أصابها، فهرعت «صفاء» لطلب الإسعاف، وبقيت أنا معها أمسك بيدها، مخافة أن ترحل روحها البيضاء على حين غرّة.
أردت مناداة جدّتي، لكنّ تشنّجاً قويّاً أصابني، ثمّ استعاد لسانها توازنه، وعكفت على ترديد الشّهادة، فأمسكتها ضاغطة كي أمنع روحها من المغادرة، فتغيّر لون وجهها من الشّحوب إلى الامتقاع.
صرخت بكلّ ما في صوتي من قوّة، ربما يُبقيها الصّراخ معي، غير أنّها بدت لي وكأنّها تكلّم الملائكة، وعندما رأيت الطّبيبة تدخل مسرعة رفقة ممرّض معها استبشرت.
لقد أتت من ستعيد لي أمّي... لقد أتت من سترجع إليها الحياة... لقد أتت من بيدها خيوط اللّعبة.
لكنّها عجزت...
من اعتقدت ببلاهتي أنّها المتحكّمة في السّيناريو خذلتني، حين تسارع كلّ شيء تلقائيّاً رغم توسّلاتي، فلم يتسنّ لي فهم ما الذي حدث بالضّبط.
نظرت الطّبيبة إليّ مشفقة وأغمضت لها عينيها المفتوحتين بيدها اليمنى مستسلمة للأمر الواقع، وكأنّها تسدل السّتار على عرض مسرحيّ استمرّ سنوات، عرض مثير طويل لمسيرة حافلة من حياة أمّي الوادعة:
- انتهى كلّ شيء يا ابنتي، فليرحمها الله برحمته الواسعة.
ورأيت الدّموع تتلألأ في عينيها وهي تخاطبني بنبرة تشبّعت بكلّ أشكال الاستسلام.
- ألستِ طبيبة؟، لماذا لا تستطيعين فعل شيء لها؟، ما فائدة دراستك؟.
اكتفت بتأمّلي باكية، وقد زاد إشفاقها عليّ فراحت تضمّني إلى صدرها، لكنّي دفعتها عنّي حتّى كدت أسقطها أرضا:
- كنتِ تدرسين أم كنتِ تضيّعين الوقت مع عشيق؟.
كانت الصّدمة هي من تضع الكلمات على لساني، وتصوغ لي عباراتي، صياغة ليست أقرب إلى الإهانة فحسب، بل للكفر أيضاً منها للإيمان.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!