وضع القراءة:

33 ثمن العصيان

أنا الآن أعيش حياة جديدة ذات وجهين.
قُبلت رغبتي الأولى كمنتسبة إلى كلّية اللّغات الأجنبيّة، تخصّص «إسبانيّة»، بينما قُبلت رغبة «ابتهاج» الثّانية في شعبة «الإعلام والاتّصال».
قالت «ابتهاج» عندما أتممنا التّسجيل في المنحة الجامعيّة:
- يا سلام، الآن فقط أستطيع أن أشتري ما أشاء من البيتزا، سآكل كلّ الأنواع.
ولمحت شيئاً من لعابها على شفتها السّفلى.
تصنّعت ابتسامة مجزية على وجهي، في انتظار أن يُفتح المضيق.
ومرّت الأيّام وطالت فترة العقوبة، حتّى تشاجرت «ماما سوسو» مع أمّي ذات ليلة شجاراً صريحا، وطغت أصواتهما في أرجاء المنزل:
- ماذا دهاكِ «مونيا»؟، أيّ عقاب هذا؟، هل تدفعينها للحصول على المال من مصدر خارجيّ الله وحده يعلم هويّته؟، أنتِ تعرفين أنّ صرف أوّل منحة لها سيكون في ديسمبر، وربما ستتأخّر شهراً إضافيّا، وحسابها البنكيّ الذي فتحه أبوها باسمها، لا يمكن سحب أيّ دينار منه، من أين ستأتي بالمال إذن؟، ابنتكِ لم تعد طفلة، ابنتكِ الآن لديها مصاريف، لديها مواصلات...
قاطعتها بحدّة:
- كفّي عن الدّفاع عنها، أنتِ تدركين السّبب جيّدا، لا تناقشيني في هذا، أنا من ولدتها وأنا من أتّخذ القرار، تمرّدها سيؤدّي بنا إلى الكارثة، ومن واجبي أن أمنع الكوارث عن بيتي، أوليس هذا من حقّي أيضا؟.
- أرأيتِ ما تقولين؟، هي ابنتكِ إذن، وستبقى ابنتكِ مهما أخطأت.
اعترضت كلماتها متوسّلة:
- دعيني الآن، صدري مثقل...
فقاطعتها بدورها في حزم:
- لا تتركي الشّيطان يفرّق بينكما، سيسهل عليه افتراسها فيما بعد، وحينئذ سيتضخّم المشكل، ويتوسّع إلى حدّ لا يستطيع أيّ طرف التّحكّم فيه.
- اتركيني «سميّة»، أعرف جيّداً ما أقوم به، كما أعرف أنّك أنتِ من تعطينهما المال، لست نائمة في جرّة عسل.
تسلّلت إلى محاكمتي الغيابيّة:
- «مونيا»، فكّري في المسألة من زاوية أخرى، لا تكوني متسلّطة، حاولي الاقتراب منها أكثر، لتفهمي ما الذي يحدث داخل عقل مراهقة، كوني واقعيّة، اجذبيها إليك، «إلهام» فتاة حسّاسة، لا تصدّيها، غضبكِ هذا سينفّرها منكِ ويزيد الطّين بلّة.
- بل أنتِ العاطفيّة، والعاطفة تفسد أكثر ممّا تصلح.
- هل تقصدين أنّي أدلّل...؟.
- الله على عقلك.
وراحت تشير بيدها عشوائيّا، في حركة عصبيّة كعادتها.
- أنتِ نشأتِ في بيئة وهي تنشأ الآن في بيئة مختلفة، بالله عليكِ «مونيا»... بالله عليك، هذه ابنتك الكبرى، «بثينة» هربت من المنزل تحت الضّغط، تذكّري هذا جيّدا، وأنتِ تعرفين أنّ ألسنة النّاس تتحرّك دون أن يعوقها شيء.
وجلست على أقرب أريكة متنهّدة:
- العالم سيّء بما يكفي ويزيد.
تعجبني خالتي حين تتحوّل إلى محامية مخضرمة، ترافع عن الحقّ المهضوم أمام خصم عنيد، هو القاضي والجلاّد.
وينفضّ النّقاش، ليتكرّر من جديد وليسفر عن نفس النّتائج، حتّى فكّرت في الذّهاب إلى مكتب أبي ليتدخّل، ممّا دفع أختي «صفاء» إلى القول ضاحكة:
- أبونا على الحائط، وسيبقى على الحائط، ولن ينزل أبدا، انسي الأمر «سوبرانو».
ثمّ أكملت وهي تنظر لي متحدّية على غير عادتها، وبنبرة أقرب إلى التهكّم:
- أذكّرك... لقد وجّهت له تحذيراً رسميّاً بترك المنزل لو أعطاكِ ديناراً واحدا، وأنتِ تعرفين أمّي جيّدا، سائل سريع الالتهاب.
★★★
وناءت بي الظّروف الجديدة عن «ابتهاج»، صديقتي الحميمة، بحكم اختلاف الاختصاصات وأوقات الدّراسة، فصار الهاتف هو الرّابط الوحيد بيننا.
نعم... انتقلت إلى الجامعة مثلما انتقل معي هوس تكوين فرقة إنشاديّة، وبتّ أتحيّن الفرصة المناسبة، لم أستطع نسيان ما غرسه الأستاذ فينا، وكأنّي أردّ به جميلاً تكرّم به علينا في العام الماضي.
«الفنّ يغيّر المجتمع، فاجعلنه صحّيّا»، «كلّ شيء يحمل الجمال هو زراعة عميقة في النّفس، وعمليّة تغيير مستقبليّ للأفكار»، «النّفس تحبّ الجمال وترنو إليه، فيُزرع في لاوعيها كلّ ما احتواه هذا الجمال».
هذه هي عباراته التي ما زلت أحفظها عن ظهر قلب.
فقدت مصروفي اليوميّ، وفقدت كلّ سبب منطقيّ للاتّصال بالأستاذ الذي كان يملأ عليّ حياتي.
- لماذا لا تتخذين نجاحك في «البكالوريا» ذريعة وتتّصلين به؟، لم يكن...
- فات الأوان، سأبدو سخيفة.
هذا ما أتشبّث به أمام «صفاء»، ونحن نرى حسابه على «فيسبوك»، بعد تنشيطه.
أتجلّد متذكّرة كلامه لنا ذات يوم:
- الفتاة جوهرة ثمينة، ويجب أن تبقى كذلك، رغم كلّ التّحدّيات التي تواجهها في الحياة.
كان يقول ذلك متحرّكاً في مساحته الخاصّة دون أن يتجاوزها، بالنّصح والإرشاد، فيحثّنا على السّتر والعفّة في القول والفعل، لأنّ القانون لا يسمح له بالتّدخّل في شؤون تحدث خارج المؤسّسة التّربويّة.
وزاد تشوّش ذهني، وأنا ألمس عجزي كقعيدة على كرسيّ متحرّك، وزادتني صورته تحت المطر غمّاً على غمّ.
في المقابل...
هل تصدّقون أنّ الميكانيكيّ ما زال يحاول إقناع أمّي بتوقيفي من الجامعة؟.
سمعته بأذني يقول لها عند المدخل ورائحة التّبغ تنبعث حوله إنّي أضيّع وقتي ووقته.
ولمّا أحس بخطواتي هرب.
- آه يا «صفاء» لو أمسكته، والله لأركله ركل الكلاب.
فتنفجر ضاحكة.
- الوقح، هل تعرفين سبب قدومه؟.
فهزّت رأسها نافية وهي تمسح عينيها من دموع الضّحك الهستيريّ فاستطردت:
- طلب تأجير محلّ من المحلاّت المغلقة لدينا، وكأنّ كلّ محلاّت المدينة لم تعجبه!، وقاحة «سعاد»... أتذكرين؟، هل يجب الآن أن أحمل معي صينيّة أينما ذهبت؟.
وبلغ السّيل الزّبى، حين أرسل من يتعقّبني في الطّريق.
- التّجاهل وحده هو الذي يعيد كلّ شخص إلى حجمه الطّبيعيّ.
هذا ما تهدّؤني به «ماما سوسو»، وهي تعطيني مصروفي اليوميّ.
- ما يغيظني أنّكنّ ذهبتنّ إليهم معتذرات، وتركتموني وحدي في البيت، من يجب عليه الاعتذار من الآخر؟.
- «إلهام»!، لنكن واقعيّات، تصرّفكِ معهم فظيع، مجرّد التّفكير فيه يملأ القلب رعبا، لقد رأيت نظرات الغضب في عينيه، إهانة ما بعدها إهانة، له ولعائلته، أيّ رجل يقبل هذا؟.
- لا أكترث «ماما سوسو».
- يجب أن تدركي العواقب، أنتِ في الجامعة الآن.
- أرأيتِ أمّه؟، كأنّ البيت بيتها، ثمّ «ماما سوسو»... منطقيّا... هل رأيتِ كيف يتصرّفن نحوي؟، هل رأيتِ نظراته؟، وكأنّهم جاؤوا لاصطياد حمامة.
- حمامة؟.
- لا سلام مع الصّيّادين.
- أنتِ كالتي تسير وعيناها في السّماء، وحين تصطدم بشيء تقول مندهشة؛ «ما الذي وضع هذا في طريقي؟!».
- أمّي تفتعل المشاكل.
لم أتركها تكمل رسم تعجّبها على ملامحها الجميلة، وواصلت باعتزاز متذكّرة مجدي السّابق:
- أنا أعيش معكم في سلام منذ أن جئت إلى هذه الدّنيا، هل سمعتم عنّي يوماً شيئاً يغضبكم؟، أذكّركِ «ماما سوسو» أنّي لا أتحدّى سلطتها، ولا أتقمّص دور الضّحيّة، لكنّها لم تترك لي فرصة التّعبير السّلميّ، هل تلوميني الآن على ردّ فعلي؟.
- كان لا بدّ من الاعتذار عن فعلتكِ.
- يجب على التّفّاحة أن تقاوم رغم أنّها في النّهاية... ستُؤكل.
انفرجت أساريرها لثانيتين، ثمّ عادت إلى جدّيّتها شيئاً فشيئا:
- تخيفينني بأفكارك الثّوريّة.
فرحت أستعطفها بصوت منكسر:
- أقنعيها أنّي لا أريده، من فضلك «ماما سوسو»، أنتِ وزيرة سعادتي، ويجب أن تظلّي في منصبك، أنتِ من أقنعتها بفكرة انضمامي للفِرقة الإنشاديّة، والحمد لله لم أخيّب ظنّكِ مطلقا، على فكرة... أنا مشكلتكم على المستوى التّطبيقيّ، فحلّوني بالتّراضي.
قلت جملتي الأخيرة منكّتة، تخفيفاً للجديّة التي أضحت تحاصرنا، فأطرقت برأسها وراحت تضمّني في حنوّ وهي تربّت على ظهري.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.