وضع القراءة:

38 مشاريع ارتباط

- ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا شكّ أنّ هناك أمراً كان مقدّراً لك، فدفعكِ تعالى إليه.
هذا ما أجابني به حين أعلمته بتعثّراتي في تأسيس فرقة إنشاديّة جامعيّة.
ثمّ أعطاني ما اعتبرته سرّاً من أسرار الصّنعة:
- احذري «إلهام» من شيء هامّ، في الجمعيّة لا يوجد شيء يجبر الأطفال على الحضور؛ عليكنّ توفير آليات جذب وإغراء لاستقطاب العنصر البشريّ الملائم، ناهيك عن رفع ما هو موجود من إمكانات لأقصى مستوى، كي نضمن على الأقل بقاء المنخرطين، واستماتتهم في الدّفاع عمّا حقّقوه من إنجازات.
وحين يتكلّم يجب أن أسكت.
ثمّ أتى السّؤال الذي طالما أرهق مخيّلتي لأيّام، سؤال أحسب له ألف حساب، وكلّما خطر في ذهني يصيبني الوجل والرّهاب:
- أستاذ... هل تزوّجت؟.
كنت محرجة جدّاً وأنا أستغلّ الموقف المتولّد من ذكر أهميّة تنظيم الوقت بين العمل والأسرة والإنشاد.
أكلني النّدم هنيهة فخمّنت:
- سيعتبرني متطفّلة على حياته الشّخصيّة.
لكن أمام إلحاح فضولي القاتل، اعتبرته شرّا لا بدّ منه، ويجب أن أحصل على إجابة واضحة صريحة.
وانقطعت شبكة الإنترنيت ليتوقّف الزّمن.
انتظرت ردّه بمشاعر مختلطة لا أعرف كيف أصفها، فرحت أقول بيني وبين نفسي:
- لو كان متزوّجاً فسأنسحب بكرامتي؛ لا أريد أن أكون سبباً في معاناة من غامر بمستقبله من أجلي، لا أريد أن أكون مبعث انفصاله عن زوجته، ماذا سيقول عنّي؟؛ غابت سنوات ثمّ ظهرت فجأة كشبح، لتطفو معها كلّ المشكلات على السّطح، وماذا ستقول زوجته؟؛ امرأة لعوب من طالبات الجامعة، أتت لتخطف منّي زوجي بنوستالجيا من الزّمن الجميل، ناهيك عن الإثم الذي سيُكتب في صحيفتي إذا ضاع أطفالهما.
ويتشعّب التّفكير في اليوم الثّالث:
- كيف سيكون موقفي أمام ذاتي كإنسانة؟، فتاة تلقي بنفسها على من أحبّته، هكذا دون وازع دينيّ، كيف سأحترم ذاتي ساعتها إذا كان شعاري الغاية تبرّر الوسيلة؟.
وتواردت الخواطر لباقي الأيّام.
يا للعار...
أأتعجّب من تصرّف «سعاد» وقد تجاوزتها في الخداع؟!، أنا درّة مصونة ويجب أن أخفي لوعتي، مهما كلّفني الثّمن.
استسلمت للقلق الذي استبدّ بي ذات ليلة لمّا تجاوزت الواحدة والنّصف، وأنا أنتظر عودة شبكة الإنترنيت اللّعينة، ثمّ قرّرت الخروج من هذه الدّوّامة، بإرغام نفسي على النّوم.
أنام؟!...
من هذه التي تنام ودماغها في أوجّ توهّجه؟، أطوي مجرّات من الأفكار وتطويني في سرعة الضّوء.
أزعجت وسادتي، لا أكثر ولا أقلّ، هذا ما نجحت في فعله حتّى أذان الفجر.
★★★
قبل عام من الآن، اهتدى أبي إلى حلّ مثير، فاجأنا به ذات مساء ونحن جالسات في الصّالون الفسيح.
- يا سلام، ستكون لأبي زوجتان لأوّل مرّة في تاريخ المدينة، سيتحدّثون عنّا في التّلفزيون وفي «فيسبوك»، يا حلاوة، يا حلاوة.
انتظرت من أختي معارضة سلميّة على الأقلّ، لكن ما جاد به لسانها وهي ترشف من فنجان قهوتها مرحة، أكّد لي تماماً أن هناك أشياء حدثت في الكواليس.
أمّا أبي الذي تخلّى عن وجوده على الحائط منذ مدّة، فراح يحدّثنا عن «بشرى»؛ الحور العين.
بنوع من التّحفّظ كشابّ يخجل من ذكر محاسن عروسه، ثمّ استرسل في رواية أمانتها، وإتقانها عصاميّا لخمس لغات كاملة، العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والإسبانيّة والألمانيّة، مع تمتّعها بثقافة أوسع من المحيط الأطلسيّ، وسرعة ردود أفعالها النّادرة مع المسائل المستعجلة، و«صفاء» تضحك بين الفينة والأخرى، في مكر جليّ استوطن عينيها البرّاقتين:
- هل تقصد أنّها ستظلّ تساعدك في العمل؟.
وزاد بريق عينيها.
- طبعاً.
يا له من قرار ألقاه معتزّا، مرتشفاً رشفة من فنجانه الأبيض الصّغير.
- لكن... يبدو الأمر غير مألوف في مدينتنا؟.
ألقيت بها إليه متجاسرة، فتجاسرت هي نحوي بنظرات غريبة.
- عادي جدّا، نكهة فريدة للوضع الجديد، زوجتي تعمل معي، أين الإشكال في هذا؟.
ثمّ أكمل حين لم يجد منّا اعتراضا:
- يجب أن نتجاوز الظّروف، أن نهرب إلى الأمام، أليس هذا كلامك يا «إلهام»؟.
وتفحّص وجهي كمن يبحث عن شيء فيه، فنظرت بدوري ناحية «ماما سوسو»، لأتخلّص ممّا كان يجول بخاطري، وحين عدت إليه ببصري أكمل:
- لكنّه هروب إستراتيجيّ، بل أفكّر في تغيير مكتب الوكالة، ستكون هنا في إحدى المحلاّت الشّاغرة، بدل تنقّلها إلى مكان بعيد.
يبدو أنّه قد رتّب كلّ شيء، وهو الآن يخبرنا لا يستشيرنا.
★★★
وتمّت الزّيجتان، بحفلين سريعين كان من المفروض أن يتجسّد فيهما البذخ أيّما تجسيد، لكن بسبب ذكرى أمّي رحمها الله، لم نتوسّع في دعوة النّاس، وتفهّمت «بشرى» وعائلتها وضعيّتنا، وسرعان ما اندمجت معنا وأحبّها «أيّوب»، لملائكيّة طبعها، وطيّبة قلبها ولين معشرها.
حنطيّة البشرة، رفيعة الجسم طويلة القامة، عيناها واسعتان وشعرها داكن؛ أوّل مرّة أرى فيها زوجة أبي الثّانية.
وأضحى لسعيد الحظّ غرفتان؛ واحدة في الطّابق الثّاني، وهي غرفة أمّي رحمها الله، والثّانية في الطّابق الثّالث الذي تسكن فيه «بشرى»، مع حرصه الشّديد على العدل بينهما.
هذا ما أخبرتني به «صفاء» ملمّحة إلى إمام المسجد الذي ظلّ يوصيه بالعدل، بحاجبين في قمّة وجهه.
ثمّ تقول وهي تهزّ رأسها ببطء مبتسمة بمكرها المعهود:
- كان أبي على الحائط، وحين نزل...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.