40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ
سبحان من أماتها لتتزوّج خالتي من أبي بعد أن تجاوزت سنّ الثّلاثين.
سبحان من أخذها إلى جواره لتتحجّب «صفاء» العمود الصّلب، وتعي معنى وجودها في هذه الدّنيا.
ولا أملك سوى التّسبيح.
★★★
في زيارة وصفوها لي بشبه العائليّة، أرسل «أمين» صاحب الثّلاثة والثّلاثين عاماً أمّه وأخته لجسّ النّبض، في نيّة واضحة لبناء أسرة لا يمكنها الاستمرار إلاّ بوجود عمود في صلابة الفولاذ.
احتسيتا القهوة مع «ماما سوسو»، ثمّ غادرتا بسرعة عازمتين على العودة في أقرب وقت.
- ما زالت صغيرة، لم تكمل حتّى المرحلة الثّانويّة من الدّراسة، هل يُعقل هذا «ماما سوسو»؟.
- لقد سأل عنها جيّدا، فقالوا إنّها ذات دين وخلق، ومن عائلة محترمة، وهو مستعدّ لانتظارها حتّى تجتاز «البكالوريا».
- الجامعة؟.
- سيدعها تكمل دراستها وهي على ذمّته، ما المشكلة في ذلك يا «إلهام»؟، هل هذا يعارض الإسلام في شيء؟.
- لم أقصد هذا... لكن يبدو الأمر غير مألوف.
- بل منطقي تماما؛ زوجة تكمل دراستها في الجامعة، تذهب صباحاً وترجع مساء، والجامعة أمامها على بعد أمتار، لماذا تحرم نفسها من العلم ما دام كلّ شيء ميسّر لها؟.
ثمّ أضافت بهدوء:
- ما كان الإسلام يوماً يعارض طلب العلم، تقاليدنا غير المنطقيّة هي التي تعرقل كلّ شيء، حتّى صرنا نعتقد أنّها من صميم الدّين.
- أتتزوّجه دون حبّ؟.
- سيأتي الحبّ فيما بعد، «أمين» شابّ ملتزم، من عائلة كريمة متديّنة.
- ما عمله؟.
- موظّف كغيره من الموظّفين في «اتّصالات الجزائر».
- «اتّصالات الجزائر»، الله الله... ألف مبروك على كلّ حال، والحبّ سيأتي فيما بعد، وستأتي معه التّخفيضات.
عشرات التّحوّلات تحدث أمامي بعد انهيار سور الصّين العظيم.
ورحت أقارن في داخلي.
★★★
لا أحد يلوم شيطاناً على خسّة طبعه، ولو أصبح يرتدي الألبسة الرّفيعة، ويركب سيّارة «BMW» فخمة، فلن يغيّر فيه شيئا.
لكن هل يُعقل أنّ ميكانيكيّا لديه من المال ما يجعله يقتني سيّارة فارهة قيمتها تقارب مليار سنتيم؟.
- هذا هو الوقت المناسب لأضرب ضربتي، فهي ما زالت منهارة من وفاة أمّها، ومن المؤكّد أنّها سترضخ أمام المال رضوخ الغزالة للأسد.
يبدو أنّه قد نام على هذه العبارة مستأنساً بمعاناتي، بعدما عرف أنّي على وشك التّخرّج.
- هيهات ما تحلم به، لا تنتظر منّي الخضوع والإذعان، أيّها الشّيطان الطّويل صاحب العينين الماكرتين.
البارحة فقط، وأنا واقفة أمام مدخل المدرّج الجامعي، تقدّمت منّي إحدى الزّميلات، وبكل وقاحة راحت تفاتحني في الموضوع مجدّدا، محاولة إقناعي أنّ الذي أرسلها هو أفضل شخص ساقه الله إليّ، زاعمة أنّ آخر الإحصاءات في الجزائر تشير إلى أنّ هناك أكثر من أربعة ملايين عانس، ويجب أن أسرع في اتخاذ قرار إيجابيّ يثلج الصّدر، إذا كنت لا أريد أن تشملني إحصاءات العام القادم.
صددتها بغضب وحزم:
- ابتعدي عنّي، لا تلمسيني، ألا تدركين أنّ «منير» يرتديك كقفّاز.
تراجعت خطوتين إلى الوراء قائلة بتصنّع لم تنجح في إغفاله:
- أنا أراعي مصلحتك، أهكذا تقابلين إحساني؟.
- إحسان؟، أعيدي الكلمة لأنّي ربما لم أسمعك جيّدا... كم تلقّيت منه نظير عملك هذا؟.
- لا شيء لا شيء، أنا أحاول...
قاطعتها بحدّة:
- خاتم من ذهب؟، سوار؟، لا تكذبي... انظري في عينيّ.
ارتعشت وقد بدا وجهها المبهرج لوحة من لوحات «بيكاسو» حين سطعت عليه شمس بزغت من بين غيوم رماديّة.
- قدّم لي هذه القلادة، ليست...
- هل يُعقل هذا؟، قلادة من ذهب فقط لإقناعي؟، لماذا في رأيك؟.
لم تنبس ببنت شفة، فمضيت غير مبالية بما ستعنيه لها كلماتي:
- ميكانيكيّ يهديك أنتِ شيئاً ثميناً مقابل لعب دور المبعوث.
هذه المرّة كانت سبّابة يدي تمسح قامتها من الأعلى إلى الأسفل نكاية بها:
- لا يوجد من يقدّم هدايا ثمينة هكذا جزافا.
صمتت برهة وهي تنتقل بين عيني اليمنى واليسرى، تبتلع ريقاً أبى أن يطاوعها على الكذب، لكنّي أردت طرق الحديد وهو ساخن:
- حين نطعم الأسد شيئاً، فقد جعلناه يعمل في السّيرك.
كانت جملة قاسية ألقيت بها متعمّدة على مسمع من تجمهروا قريباً منّا، غير عابئة بآداب الحديث.
- أجزائي التّأنيب لأنّي أفكّر في مصلحتك؟.
- يا لقلبك الرّؤوف!...
وانطلقت تداري خبثها بمحاضرة عن الأخلاق والإيثار ومساعدة الغير، ورأسها يهتزّ مع كلامها دون تناغم، وحين تمادت في كذبها أشرت إليها:
- ارحلي الآن أو أتّصل بالشّرطة، أظنّ أنّكِ ستكونين سعيدة بإقناعهم بالثّراء الفاحش لمدير السّيرك.
كنت أعرف أنّها هي من تنقل أخباري إليه.
وتنامى إحساسي بالخطر مثل قطّة تستعدّ لنزال شرس، رغم كوني مصابة بالزّكام.
أمّا هي، فكأنّ هناك من قدّم لها تقارير مغلوطة عنّي.
بعد ساعتين، ندمت على كلّ ما تفوّهت به، حين قادتني بغتة مشاعر الإحباط والغضب الأكول، لأنّي تعلّمت من هذه الحياة ألاّ أكشف كلّ أوراقي دفعة واحدة.
★★★
- نريد عملاً احترافيّاً وسنتكفّل نحن بالباقي، لا نريد أن يشغلك شيء عنّا «سوبرانو»، لا شيء... لا شيء إطلاقاً.
هذا ما صارحتني به رئيسة الجمعيّة، الأستاذة «كريمة»، في ثالث اجتماع عمل لنا، وهي تتأمّلني وفي عينيها إصرار غريب، ذكّرني بإصرار الأستاذ الذي رأيته أوّل ما رأيته حين التقيناه ذات ثلاثاء، من أواخر شهر سبتمبر من سنة 2015.
ثمّ استطردت بنبرة متفائلة، وقد دبّت فيها حماسة مفاجئة:
- الأطفال موجودون، ولكِ أن تختاري من بينهم ما تشائين، هناك حوالي ثلاثين عنصراً من الجنسين، لدينا أروع الأصوات، «هيفاء»، «رغد»، «إيلينا»، «مروان»، آهٍ لو تسمعين «فوزي»، فقط «فوزي»، صوت لم تسمعيه في حياتك أبدا.
وراحت تدعّم جملتها بإشارة نفي قويّة بيديها.
- حسنا، لنضع يوماً مناسباً ألتقيهم فيه، سيحضر معي أستاذ متخصّص في الفكر الإنشاديّ الحديث، لنختار معاً العناصر المناسبة، هناك بروتوكول صارم يجب أن يُحترم، أتعلمين؟... للنّجاح ضريبة عالية جدّا.
قلتها دون إرادة منّي، بابتسامة داريت بها قلقي وتوتّري، وأنا لا أعرف حقيقة هل سيستطيع الحضور، أم سيعتذر لأواجه مصيري وحدي.
- الأستاذ «سمير»؟، ممتاز، السّبت القادم إن شاء الله، صباحاً على السّاعة العاشرة، سأخبر الأطفال وذويهم، هناك من الأمّهات من ترغب في الحديث معه.
- هل تعرفينه؟.
- ومن لا يعرف الأستاذ «سمير»؟، قبل أشهر فقط قدّم دورة في تصحيح الصّوت، أيقونة فنيّة محترمة لها هيبتها، انظري!.
وأرتني نفس الصّورة في هاتفها التي أعطتني إيّاها «ابتهاج»، وراحت تتشدّق متعالية:
- أنا الوحيدة التي لديها هذه التّحفة.
تعلّمت أن أجعل خصمي يفرغ كلّ ما في جعبته، رغم بذلي جهداً كبيراً لأحتفظ بهدوئي أمام هذا الاستفزاز العلنيّ.
وساورتني الشّكوك وهي تعيد اسمه بسعادة غامرة، وقد ارتسمت على محيّاها هالة تفاؤل تغيّرت بها نبرتها، ثمّ ارتعدت فرائصي، وانقبض قلبي فجأة، من هذا الشّعور الذي تجاوز السّمعة الطيّبة بأميال.
تفحّصت عينيها محاولة استقراء ما تخفيه عنّي، فألفيتهما وديعتين مثل عيني هرّتنا النّافقة مؤخّرا، لا مكان للّؤم فيهما، ذات وجه مدوّر مثل وجه أمّي رحمها الله، غير أنّه لا يوحي ضرورة بالثّقة.
كشفت مغادرتي السّريعة هروبي من شيء ما، وما إن دلفت باب غرفتي حتّى أخرجت هاتفي، ونيران الغيرة تلتهمني كوحش كاسر.
يا ربّ السّماوات، من أين لها بالصّورة؟، هل يمكن أن تكون...
★★★
- صباح الخير «سوبرانو»...
قاطعتها على الفور بنبرة حادّة حدّة السّكين:
- من أين يأتي الخير وصورته في كلّ مكان، ما هذا يا «ابتهاج»؟، اعتقدت أنّي الوحيدة التي تملك صورة له، ثمّ بعد كلّ هذه السّنوات أفاجأ أنّ رئيسة الجمعيّة لها نفس الصّورة، من أين حصلت عليها؟.
- الجمعيّة التي دعتكِ إلى...
- وهل هناك جمعيّة أخرى؟.
- لو تركتني أكمل كلامي آنذاك لاتّضح لكِ كلّ شيء، أنا الآن مشغولة، اعذريني، سأحادثك لاحقا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!