35 شجرة الحزن
لم تتحكّم جدّتي لمّا نزلت من غرفتها متعوّذة سوى في أنينها المكبوت، لكنّه تضاعف بتوافد الجارات اللّاتي اتّفقن على عبارة واحدة تتكرّر، حتّى أضحت كالمطرقة فوق رأسي:
- أمّ «إلهام السّوبرانو» ماتت.
- أزمة قلبيّة... دفنوها البارحة عقب صلاة العصر.
هذا ما ألقته «ماما سوسو» قرب أذني، وهي قابعة أمام سريري، محاولة كبح ما خالت أنّها تسيطر عليه من دموع على وجهها الجميل، الذي صار الآن يشبه كثيراً وجه أمّي.
لقد مات لي أحنّ حضن عرفته في التّاريخ... انهار سور حمايتنا، دون مقدّمات.
- ماتت بسببي؛ بسبب رفضي للميكانيكيّ.
- لا يا «إلهام»، هذا قضاء الله وقدره، لماذا تصرّين على مقاومة شيء لا يمكن مقاومته؟، أنتِ تدمّرين أعصابك.
تناولت منديلاً ورقيّاً جديداً مضيفة في أسف:
- لقد تلفّظت بكلام أمام الطّبيبة... لا يليق، هل ذنبها أنّها أتت لتلبية نداء الواجب الإنسانيّ؟.
- كنت تحت الصّدمة «ماما سوسو».
صرخت بها وقد غلبني البكاء، فقالت وهي تمسح على شعري بحنانها المعهود:
- لقد أنقذتكِ حقنتها من انهيار عصبيّ وشيك، حمداً لله على كلّ حال.
وخنقت دموعاً كانت ستفرّ من مقلتيها الجميلتين من جديد.
- لماذا يحدث كلّ هذا لي يا ربّي؟، لقد كان بيتنا عشّاً حقيقيّاً للسّعادة، حتّى ظهر هذا الكلب المسعور، لينهار السّقف على رؤوسنا.
تلاشت خالتي من أمامي كدخان طاردته الرّياح وهي تعضّ شفتها.
ماتت أمّي صبيحة يوم مشمس من أيّام أشهر الرّبيع من سنة 2017، ماتت ليمسي المنزل فارغاً كئيباً كآبة أشهر الخريف، وقد كانت من قبل هي سور الصّين العظيم.
★★★
حين دخلتُ المطبخ بعد ثلاثة أيّام، عاودني المشهد...
روحها ما زالت تطوف بين الكراسي، تبحث عن الذين ألفتهم وألفوها، عن المنافقات والأشرار، الذين كانوا سبباً في فراقها للجسد المستهلك طوال ستّين عاماً كاملة.
هي أمامي الآن جالسة تقشّر الخضروات، تقف أمام حوض المغسلة تنظّف المقلاة من أجل طبق «أيّوب» المفضّل، تعلّمني بحرص غامض تحضير طبق شهيّ، تقرّباً من زوجي المستقبليّ.
كأنّي أراها تصلّي الفجر أمام عينيّ، وتقرأ من مصحف جدّتي، أو تديم النّظر في صورة أبي المعلّقة على الحائط في الصّالون.
لماذا العالم بهذه القسوة والجبروت؟.
يا ربّ السّماوات... هل كانت تعرف أنّها ستموت قريبا؟، هل كانت مريضة وأخفت مرضها عنّا جميعا؟، ثمّ لماذا ظلّت تلحّ عليّ في الزّواج كي ترى أولادي؟.
وزاد ذهني تشتّتا.
آهٍ منكِ يا دنيا، تفتحين ذراعيك حتّى نأمن لك، حتّى نقتنع تماماً أنّنا السّادة ملّاك الأرض والمفاتيح، ثمّ تغدرين بنا... غدر الضّباع.
وراحت شجرة الحزن تزداد نموّا واخضرارا في كلّ الاتّجاهات، وكلّما نمت تداعت معها أشياء أخرى.
كان يأكل في المطبخ، وحين رآني واقفة أمامه حاول الخروج متسلّلا، فأمسكته من منكبيه أهزّه بقوّة:
- ما بك «أيّوب»؟... لماذا تصرّ على الهروب منّي؟.
- أنتِ من قتلتِ أمّي، أنتِ من قتلتها، أنتِ قاتلة، قاتلة، قاتلة...
- من أخبرك بهذا يا أحمق؟.
قالها صارخاً والدّموع في عينيه، وقلتها متألّمة ودموعي متيبّسة.
وما زال يكرّرها وهو يبكي محاولاً الإفلات من مسكتي التي طوّقته بها، وما زال صوته يتردّد في رأسي مطرقة فولاذيّة من الوزن الثّقيل.
وكلّما يعيد جملته أتجمّد في مكاني كالتّمثال، ثمّ جثوت على ركبتيّ أرتجف، وخُيّل إليّ أنّها تطوّقني بذراعيها، وراح عطرها ينتشر في كلّ الأرجاء.
فجأة... تذكّرت الفستان الأحمر الذي ألقيته فوق الخزانة:
- سأمزّقه، سأمزّق الشّرّ الذي...
وهرعت إلى غرفتي، لكنّي حين صعدت على الكرسيّ لألتقطه، احتضنته... والله احتضنته، احتضنت جسدها الطّاهر، غير عابئة بالعطاس المستمرّ، وإحساس الضّيق الذي انتابني من الغبار المتسلّل لأنفي، ولا بالعنكبوت ذي الأرجل الطّويلة المتجمّد مكانه على السّقف يرقب حركتي.
ثمّ ألقيت به من جديد فوق الخزانة، فستان ما كنت لأعرفه أصلاً لولا تلك الخطبة المشؤومة.
- سألعنك في صلاتي يا صرصور... ليل نهار، مثلما ألعن شيطاناً تمرّد على الله ساعة خلق آدم... أيّها الميكانيكيّ القذر.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!