وضع القراءة:

تهديد خارجيّ

للاختبارات سمعة غير محبّبة.
فيفري 2016.
رسميّا بقيت اثنتا عشرة منشدة فقط، من بينهم أربع في مجموعة الإسناد، أنا و«سهيلة» و«حبيبة» و«حنان»، إضافة إلى «ابتهاج»، «إشراق»، «مليكة»، «نور الهدى»، «مريم»، «ليندة»، «بثينة»، «ليلى».
ولم يتبقّ على نهاية السّنة سوى ثلاثة أشهر، ولعلّ هذا ما دفع ببعض العضوات إلى توقيف كلّ الأنشطة اللاصفيّة، والتّركيز على دروس الدّعم، التي تنوّعت وزادت، وتضاعفت معها تكاليفها.
تقول «ابتهاج» إنّ بعض المنشدات تنقصهنّ الجديّة في العمل، لا تحضر الواحدة منهنّ إلاّ لأنّ صديقتها حضرت:
- هذه النّوعية من البشر تختفي في أوقات الفروض.
بينما تقول «إشراق» مضطربة:
- كأنّ رأسيهما في قلنسوة واحدة.
وتذهب «حبيبة» بعيدا:
- هناك من كانت تتطلّع إلى منصب «المنشدة الأولى».
- حمقاوات، هناك رئيس بلديّة واحد.
فتردّ عليها «إشراق» بالفرنسيّة وهي تنظر لهاتفها بلهفة شاردة:
- سيأتي «الرّادار» بآخر المستجدّات الدّقيقة.
كنّا في القسم ننتظر أستاذة الفلسفة التي تأخّرت كعادتها بسبب المواصلات، حتّى دخلت «ابتهاج» مسرعة وهي تتنفّس بمشقّة:
- مصيبة يا فتيات، مصيبة كبيرة.
خفق قلبي بسرعة، فيما التفّ حولها الجميع حتّى «إشراق» التي تدرس السّنة الثّانية لغات أتت من القسم المجاور مرحة، بعد تجاوز مشكلتها مع «نزيم»:
- ماذا هناك؟، هل قتلوا الدّوق «فليد»؟.
- لقد أرجع المدير توقّف بعض المنشدات إلى عناد الأستاذ، الذي رفض الرّضوخ لمطالبهنّ في إقحام آلات العزف.
قالتها وهي تشير إلينا أن نمنحها فرصة للكلام بعد انقطاع نفَسها.
لا أعرف كيف نطقت من فرط صدمتي دون تفكير:
- هل يجب أن يصنع خاتماً حسب قياس إصبع كلّ واحدة؟، تصرّفات...
قاطعتني «حنان»:
- لحظة «إلهام»، لا أرى مكمن خطر هنا، لن يستطعن فعل شيء له، هو أستاذ وله الحقّ في اتّخاذ أيّ قرار يراه صائبا، حفظه الله وسدّد خطاه.
- لقد وقّعن عريضة أرسلنها إلى مدير التّربية شخصيّاً كي يتدخّل.
- أرزاق الله متنوّعة، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله!.
هذه المرّة ضاعت بوصلتي تماما، فتساءلت ببراءة:
- من؟.
- يا إلهي، العضوات المتوقّفات، لماذا ترغمنني على إعادة الكلام مرّتين؟.
وربّتت «حنان» عليها مهدّئة بعد أن عادت من القسم المجاور باحثة عن الأخبار الطّازجة:
- لا أفهم عقليّة هذا المدير؟؛ أتى بنفسه ولمس تقدّم الفرقة بالأصوات فقط وبالإيقاعات، لماذا يريد الآن إقحام آلات العزف عنوة في الفرقة؟، هل يجب أن ننصاع لنزوات كلّ واحدة؟، هذا تصرّف لا يقوم به إلاّ وضيع، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
تابعت «ابتهاج» كلامها وقد استقرّ نفَسها قليلا:
- لقد قابل بعض المتوقّفات وقلن له بالحرف الواحد إنّهن توقّفن بسبب عدم استعمال الآلات، فراح يضغط على الأستاذ بشتّى السّبل، وخاصّة وأنّه أخبر مدير التّربية عن الفرقة ومستواها العالي، وهو يعتقد أنّ استعمال الآلات الموسيقيّة سيزيد من جماليّة الأداء.
- لكنّ الإنشاد لا يكون باستعمال آلات العزف الموسيقيّة.
- هو لا يأبه لهوية الإنشاد، المهمّ لديه أن يظهر بمستوى رفيع أمام المديريّة، بما يعنيه ذلك من ترقيات وأبّهة وفخامة.
قالتها «حبيبة» متأسّفة وغاضبة في نفس الوقت.
تساءلت وجلة:
- وماذا عن الأستاذ؟.
- أخبرتني المراقبة «نورة» أنّها رأته خارجاً من مكتب المدير متحسّرا.
- حفظه الله وسدّد خطاه.
أمّا «إشراق» فقالت بالفرنسيّة مغادرة، بعد أن دخلت أستاذة الفلسفة:
- مجمل القول سيكون في الحصّة التّدريبيّة.
ونظرت إليّ «ابتهاج» تنتظر منّي التّرجمة كعادتها، هذا ما تصوّرته، غير أنّها صاحت رافعة قبضتها كأنّها تعطيني إشارة هجوم:
- «غريندايزر»... دمّرهم.
★★★
أمسية الثلاثاء...
كان النّقاش حامياً بيننا في المدرّج حول كيفيّة التّصرّف في التّحدّي الجديد، حتى دخل الأستاذ فجأة مسلّما، نكزتني «ابتهاج» بمرفقها لأسأله، كما شجّعتني البقيّة بإيعازات مختلفة على الخطوة التي ينتظرنها جميعاً منّي:
- قبل البدء هناك موضوع يهمّني أن آخذ رأيكنّ فيه.
صرخت «بثينة» بسرعة وقد ملأ الذّعر عينيها البنيّتين الصّافيتين:
- نحن كلّنا معك أستاذ، وإذا توقّفت سنتوقّف جميعاً عن الدّراسة.
قال وقد بدا حائراً في سرعة وصول الخبر إلينا:
- ليس إلى هذا الحدّ «بثينة»، دراستكنّ أهمّ من الفِرقة.
- إذا توقّفت أستاذ فسأتوقّف عن الدّراسة.
وكرّرت عبارتها مرّتين، بنبرة تحدِّ وقتال، وبعينين تعمّدتا التّصغير، فالتفتت إليها «نور الهدى» باستنكار واستغراب مخفّضة رأسها، كأنّها تعرف شيئاً تريد الاحتفاظ به سرّا.
قلت بإصرار:
- لا يجب أن تضيع جهودنا سدى أستاذ، نحن الآن على بعد خطوات فقط، أننكث غزلنا من بعد قوّة؟.
ساندتني «حنان» بهزّ رأسها إيجابا، مع «حبيبة» التي استغلّت ثورة الحماس المتولّدة في الجماعة:
- يجب الحفاظ على المبادئ مهما كلّفتنا من تضحيات، لماذا تسمّى مبادئ إذا كنّا نستسهل التّخلّي عنها؟، نحن هنا أستاذ... معك إن شاء الله.
- أقدّر تدخّلكنّ، لكنّ المسألة حسّاسة، ويجب التّعامل مع الوضع بحكمة وتريّث.
- سنؤجّج الوضع أستاذ، وسنعتصم هناك أمام باب الثّانويّة.
وأشارت بسبّابتها بعيداً نحو البوّابة الرّئيسة مستطردة:
- ليس هذا فقط، سندخل في إضراب عن الطّعام، الجوع ثمّ الجوع، إلى غاية تحقيق مطلبنا.
نظرنا نحو «بثينة» مشدوهين من جرأتها المتنامية.
في الواقع، يسهل استفزاز «ابتهاج» كلّما تحدّث أحدهم عن الطّعام، فهمست وهي تنظر ناحية «إشراق»، متلافية مواجهتها:
- ماذا تقول هذه المجنونة؟، كلّ الإضرابات لا إشكال لي معها، إلاّ الإضراب عن الطّعام، لا أفهم لماذا ابتكروه؟.
ثمّ انطلقت في ترديد شارة إحدى الرّسوم المتحرّكة بكلّ حماس:
- لن نهاب، فحلمنا أقوى من الصّعاب، سيجعل الأشرار يختفون كالسّراب... أمامنا نحن المدافعون.
ضحكنا وانتظرت أن يضحك.
اكتفى بابتسامة كاشفاً عن أسنان بيضاء متراصّة في فكّ قويّ، وكاشفاً عن معادلة صعبة في نفس الوقت، يحاول حلّها ديبلوماسيّاً من أجلنا نحن، ومع هذا وددت لو ابتسم لكلامي بدل ابتسامه لكلامها، وراحت الغيرة تداعبني، وشردت هنيهة حتّى نطقت «مليكة» بالفيصل:
- أستاذ، لقد أعطت الطّالبات المتوقّفات فكرة خاطئة للمدير؛ لأنّهنّ لم يجدن ما يقدّمنه حجّة لتوقّفهنّ.
هنا بالضّبط، انتهزت الفرصة لأشدّ انتباهه نحوي:
- إذن سنبرهن لهذا المدير على مستوانا الحقيقيّ، لنجعل صمتنا يتحدّث... لندع نجاحنا هو الذي يحدث الضّجيج، يبدو أنّه لم ير شيئاً بعد، هذه فرقتنا وهذا ما نملكه، وعلينا حمايتها، أليس كذلك يا فتيات؟.
- هيّا طر يا «غريندايزر».
صاحت بها «ابتهاج» لتنفجر كلّ العضوات ضحكاً من جديد، إلاّ أنّ الأستاذ لم يبادلهنّ الضّحكات، فاستولى عليّ شعور خانق.
وبينما أنا غائبة في قسمات وجهه الحانية، التقت عينانا مجدّداً... تماماً مثل المرّة الأولى... ويا ليته لم ينظر.
على حين غرّة... لمحت عرَضاً «مليكة» تحاول قراءة أفكاري.
★★★
في تلك اللّيلة، بقيت ساهرة حتّى ساعة متأخّرة، تأسرني الأحلام الورديّة.
تذكّرت جارنا الميكانيكيّ الذي لا يعرف حتّى كيفيّة كتابة اسمه، قارنت بينه وبين هذا الذي عرفته منذ خمسة أشهر فقط، وبات يجذبني أكثر من المغناطيس، في كاريزما تثير الولاء والحماس.
ثمّ قلت في نفسي وقد أخذ منّي التّفكير واليأس كلّ مأخذ:
- يا لي من غبيّة؛ هل يمكن أن ينظر إلى واحدة مثلي؟.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.