وضع القراءة:

شهادة ميلادي

وجاءت من تستدعينا للأنشودة الثّانية.
دخلنا وسط الهتافات والتّصفيقات، بعد أن أتت بعض الطّالبات إلينا خصّيصاً لالتقاط الصّور، وسرن معنا مرافقات حتّى المنصّة، وكأنّنا نجوم سينما.
وتقدّمت «حنان» كاللّبؤة... ثمّ أعطى الأستاذ الإشارة.
شكّل غياب الإيقاع أثراً كبيراً على نفسيّة الحضور، غير أنّهم سرعان ما تأقلموا مع النّشيد، خاصّة وأنّه عمل فنّيّ اشتُهر في كثير من القنوات الفضائيّة.
وراحت أصواتنا تجلجل في المكان، قويّة صافية، بينما يخيّم الصّمت على كلّ الحاضرين، وكأنّ على رؤوسهم الطّير، ثمّ فجأة بدأ الكلّ يصفّق لمّا أتمّت المجموعة العبارة الأخيرة من النّشيد، وكأنّهم أفاقوا للتوّ من سبات عميق، من صدمة أردناها أن تكون جميلة.
ورجعنا إلى المدرّج لتقييم عملنا مع الأستاذ.
بدا راضياً عن أداء «حنان» وعن المجموعة، رغم أنّه شعر ببعض التّردّد من «مليكة» و«ليندة»، مرجعاً ذلك لاعتيادهما على الإيقاع، ممّا يصعّب اندماجهما في عمل ليس مبنيّاً إلاّ على الوزن.
حانت الآن لحظات التّكريم.
أتت «نورة» مراقبة الأقسام النّهائيّة تطلبني مع «ابتهاج» و«حنان» و«حبيبة»، وما إن نادى المراقب العامّ باسمي وصعدت على المنصّة، حتّى راح الكلّ يهتف؛ «سوبرانو، سوبرانو»، وأطلقت «صفاء» زغرودة طويلة رفقة «ماما سوسو»، كأنّهما كانتا تنتظران هذا الموقف، وتبعتها بعض الطّالبات المتحمّسات، واقشعرّ بدني وأنا أتسلّم جائزتي من يد محافظ الشّرطة شخصيّا.
ورأيته يصفّق لي بيديه الاثنتين، في اندفاع طفل مغمور بشجن فيّاض... نعم والله رأيته.
★★★
أرقب الآن لحظة ميلادي.
ومرّت على قلبي خاطرة الرّفض.
ربما سيمقتني وأصغر في عينيه، لذلك قرّرت أن أحدّثه حين يكون وحده، والسّتر أولى وأجدر، وكم من الصّعب أن أظفر به وحده في هذا اليوم، وهو ينتقل بين الرّسميّات والمجاملات، ورحت أدعو ربّي أن يمنّ عليّ برزقه الفيّاض.
وطال انتظاري.
- يجب أن يكون وحده... وحده تماماً، انشغاله بمن حوله سيشوّش عليّ طقوس التّقديم.
هذا ما رحت أخاطب به نفسي وأنا أرقب عيون القطط الفضوليّة من حولنا.
- «سوبرانو»، يا ساتر، كدت أموت في...
- ليس الآن «ابتهاج»، أنا مشغولة، فيما بعد فيما بعد.
- فيما بعد؟، أريد أن أريك شيئاً يهمّك.
- وهل هناك من هو أهمّ منه؟... فيما بعد فيما بعد.
فجأة... لمحته يلج مكتب الإدارة العامّة.
أسرعت نحوه، غير عابئة بالطّالبات اللاّتي كنّ يركضن خلفي لالتقاط بعض الصّور التّذكاريّة، لقد كان هو بطلي، وأحلى صورة يجب أن ترسخ في الذّاكرة.
وفي زاوية الرّواق التقينا، وجهاً لوجه، حتّى كدنا نصطدم:
- «إلهام»، كنت أبحث عنك.
من يوقف الآن القرع المفاجئ في صدري؟... فشردتُ هنيهة.
- يا إلهي!، ماذا سأقول له؟، لست جاهزة للزّواج، وماذا سأقول لأمّي؟.
وحبست أنفاسي لجلال الموقف الذي أكسى وجهي المتعرّق حرارة اللّقاء.
ثمّ انتبهت للشّوكولاتة التي خشيت ذوبانها في حقيبتي.
- حمداً لله، الشّوكولاتة... كنت أبحث عنك، وجدتك، وأخيراً... أقصد... أنا أيضاً أستاذ.
بكلمات غير مترابطة، ودون أن أنظر في عينيه، أو بالأحرى... لم أستطع النّظر في عينيه.
كم افتقرت إلى الشّجاعة ساعتها لأواجهه؟، وأفتقر الآن إليها للتّعبير؟.
ما أفعل لقلبي الصّغير، وأنا المراهقة الحسّاسة التي ما كانت تعتقد مطلقاً أنّ الحبّ أزمة وجوديّة؟.
وناولته لوح الشّوكولاتة بيد مرتعشة، غير عابئة بعيون القطط التي كانت تترصّدنا، مراقبة المشهد بكلّ تفاصيله الدّقيقة عن كثب.
- آآآ!... «غراثياس سوبرانو».
وأعادها على مسمعي مرّتين متتاليتين، فتنفّست الصّعداء.
كم فرحت لفرحه وأنا التي...
كنت كالطّفلة الصّغيرة التي تتّقد عيناها حين ترى هديّة عيد ميلادها، وقد كان الموقف ككلّ بجلاله وعظمته ودلالاته وأبعاده... هديّة عيد ميلادي.
كان سيقول شيئاً، والله كان سيقول شيئاً، كان مصرّاً لولا نداء المدير الذي استعجله.
وكأنّي لمحت «سعاد» من بعيد ترقب اللّقطة، لكنّي لم أهتم ولم أحاول حتّى التّحقّق من صحّة المشهد.
ودّعني بابتسامته الصّافية منصرفا، وعبارته تتردّد في أذني، حتّى حين قفلت عائدة نحو صديقاتي وطول الطّريق، إلى درجة أنّي لم أعبأ بما كانت تثرثر به «ابتهاج».
أنا الآن في جنّتي وفردوسي، وعبارته ستكفيني لأسابيع.
★★★
ودخلت غرفتي مسرعة لأسجد شكراً لله، والدّموع تخنقني كمجرم محكوم عليه بالشّنق:
- يا ربّ، أنت خالق هذا القلب، وأنت أعلم به منّي، لم أفعل ما يغضبك، ويكفيني أنّك شاهدي؛ فيسّر لي ما تقرّ به عيني في الدّنيا والآخرة.
- أين كنتِ في الحفل؟، أهذا جزائي على ما أفعله من أجلك؟، يا ساتر.
هذا ما قالته «صفاء» في ذلك المساء، ونحن في المطبخ نجهّز مائدة الإفطار.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.