37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟!
ومرّ الصّيف والصّيفان والشّتاء والشّتاءان، وكلّما التقينا وكلّمتني كان هو من يكلّمني.
- لا مهرب لي من قبول عرض الجمعيّة، هذا إذا ما زال العرض ساريا.
هذا ما خلصت إليه في نفسي بعد عدّة محاولات غير مجدية في الجامعة، ليس لي وقت أضيّعه مع اللاّتي كلّ كلامهنّ تسويف وخذلان.
وبناء عليه... وكّلت أمري إلى الله.
اتّصلت برقم الهاتف الذي قدّمته لي «هناء»، فأجابت مرحّبة أنّ مقرّ الجمعيّة ما زال مفتوحا، ويمكنني إلقاء نظرة أوّليّة متى ما شئت.
وأخيراً، ثمّة الآن سبب مقنع جدّاً للتّواصل مع الأستاذ.
كان ذلك يوم الأربعاء، يوم جلست أمام الكمبيوتر بقلب يكاد يخرج من مكانه، وأرسلت له رسالة نصيّة عبر «فيسبوك»، وكلّي خيوط رجاء في ردّه.
ويا لها من لحظات تمرّ عليّ!.
كانت الثّامنة مساء حين أرسلت له أحرفي الأولى، ورحت أقضم أظفاري.
بعد ثلاث وعشرين دقيقة بالضّبط قرأها.
اعتقدت أنّه نسيني، لكنّه تعرّف عليّ مباشرة بعد أن كتبت له اسمي كاملا، وداعبني إحساس فرحه برسالتي، أو ربما هكذا تهيّأ لي من شدّة ولعي بالموضوع:
- السّلام عليكم أستاذ، أنا «إلهام» طالبة شعبة «اللّغات الأجنبيّة» سابقاً، كنت لديك في فرقة «أوميغا» في الثّانويّة، هل تتذكّرني أستاذ؟.
كان استقبال الرّسائل بطيئاً، إذ أتلقّى ما يرسله بفارق عشر ثوانٍ في المتوسّط، ورحت أكتب عبارات كثيرة مختلفة لأنعش ذاكرته، ونسيت من فرط فرحتي أن أكتب الكلمة المفتاحيّة التي أوجدها لي، واشتهرت بها في كلّ مكان:
- أنا من أهديتك الشّوكولاتة يوم الحفل، هل تتذكّرني أستاذ؟.
وانتظر الزّمن معي:
- أهلاً «إلهام»، أرجو أن تكوني بخير، أنتِ وأفراد عائلتك كافّة، كيف حالك؟.
ثمّ ظهرت العبارة التي أثلجت صدري، وفتحت ملفّ ذكرياتي الجميلة بكلّ حناياه:
- وكيف أنساكِ «سوبرانو»؟!، أتذكّركِ جيّدا، أنتِ «إلهام» مشروعي الكبير، «إلهام» التي لم تخذلني مطلقا.
فجأة، أضحت كلّ الأرض لا تسعني، فرحت أتراقص في الغرفة زهواً وطربا؛ غير عابئة بنظّاراتي التي كانت تتدلّى على صدري، يا لسعادتي، لقد تذكّرني... بعد سنوات، أنا... «إلهام السّوبرانو».
وفاضت عيناي أكثر وأنا أجهل مبعث بكائي الحقيقيّ، هل هو طوفان الفرح، أم خشيت أن أفقده فجأة، مثلما فقدت أحنّ حضن في التّاريخ.
لقد بتّ أتوجّس خيفة من هذه الدّنيا التي لا يُؤتمن جانبها بأيّ حال من الأحوال، ولولا صلاتي وثقتي بربّي، لاختفى الخطّ الفاصل بين العقل والجنون، وأنا التي كنت أضحك وأضحك، ونضحك جميعا؛ أختي وأمّي وأخي وجدّتي و«ماما سوسو»، وأبي الذي كان على الحائط، لكن في جوهر الأمر، كانت العجوز الشّمطاء هي من تقهقه ساخرة منّا نحن الغبيّات، نعم... السّاذجات سذاجة الحملان، المنساقات إلى الجزّار الذي طالما أوهمنا بحبّه، نصدّقها بكلّ الغرور الذي يتدفّق من قلوبنا، بل لا نتخيّل مطلقاً أنّه سيأتي يوم تنتفض فيه ضدّنا أو تثور.
لقد اعتدنا السّعادة حتّى تبلّدت أحاسيسنا، وحين يتبلّد الإحساس تموت معه كلّ التوقّعات.
أخبرني مسهباً أنّه توقّف بعد ذلك العام مباشرة، نتيجة التّدخّلات غير المنطقيّة في عمله، ومساومته بترسيم على حساب كرامته، وهو الآن يعمل في الشّركة الوطنيّة للكهرباء والغاز.
تجاوز حديثنا ثلاث ساعات كاملة وربما أكثر... لا أدري.
أتنتبه للوقت من تعيش في الجنّة؟.
ووجدت نفسي أخبر جنّتي بكلّ شيء؛ بفاجعة موت أمّي المفاجئ أمام مائدة المطبخ، بثورة غضبي في وجه الطّبيبة، وبتحميلي مسؤوليّة موتها من الجميع، لأنّي رفضت الزّواج من جارنا الميكانيكيّ.
وجدت نفسي أخبره بأدقّ أدقّ التّفاصيل، وساعدتني سرعة شبكة الإنترنيت التي راحت تتحسّن، وكلّما أخبره أكثر أرتاح أكثر، وكأنّه طبيبي النّفسيّ المتفرّغ لي، أنا «إلهام السّوبرانو»، مريضته الوحيدة.
وراح حديثنا يمتدّ ويتفرّع لأيّام وأيّام، تمتّنت علاقتنا من خلالها أكثر، ولعب الوعي فيها دوراً مفصليّاً.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!